تتصاعد حدة القلق في منازل عائلات الأسرى الفلسطينيين بقطاع غزة، مع اقتراب الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي من التصويت النهائي على مشروع قانون يقضي بإعدام الأسرى. هذا التشريع الذي يمر بمراحله الأخيرة، أثار رعباً مضاعفاً لدى الأهالي الذين يعانون أصلاً من انقطاع أخبار أبنائهم وظروف اعتقالهم القاسية.
في مدينة غزة، يجسد المسن 'أبو إبراهيم' مأساة مئات العائلات، حيث يترقب مصير ابنه محمد المعتقل منذ عامين. ويقول الوالد المكلوم إن أخبار القانون الجديد زادت من وطأة المعاناة، خاصة في ظل رفض الاحتلال الإفصاح عن أي معلومات رسمية حول تهمة ابنه أو مكان احتجازه الحالي.
وكانت لجنة الأمن القومي في الكنيست قد أحالت مشروع القانون للتصويت بالقراءتين الثانية والثالثة، ليصبح نافذاً قبل عطلة عيد الفصح مطلع أبريل المقبل. ويستهدف القانون بشكل محدد الأسرى الفلسطينيين المتهمين بالمشاركة في عمليات قتل، بينما يستثني الإسرائيليين المتهمين بجرائم مماثلة ضد الفلسطينيين.
وتشير شهادات الأسرى المحررين التي تصل للعائلات إلى واقع مأساوي داخل السجون، يتضمن تعذيباً متواصلاً وإهمالاً طبياً متعمداً. وترى العائلات أن الاحتلال الذي يمارس القتل البطيء عبر الحرمان من العلاج، يسعى الآن للحصول على غطاء قانوني لتنفيذ عمليات إعدام رسمية بدم بارد.
إسراء، زوجة الأسير أحمد، تصف لحظة سماعها بنبأ تقدم التشريع بأنها 'انتفاضة قلب وقهر'، مؤكدة أنها تحاول إخفاء هذه الأنباء عن أطفالها الصغار لحمايتهم من الصدمة. وتتمسك العائلة بخيوط أمل واهية تصل عبر المحررين، في ظل غياب أي قنوات اتصال رسمية مع المعتقلين منذ شهور طويلة.
وفي سياق متصل، تروي آلاء زوجة الأسير (م. ر) كيف تحول القانون إلى سد منيع أمام رغبتها في الحياة، خاصة وأن زوجها اعتقل خلال اقتحام مستشفى الشفاء. وتتساءل بمرارة عن كيفية شرح هذا المصير لأطفالها، بينما لا تزال العائلة تضمد جراح استشهاد ابنها البكر في أحداث سابقة.
من جانبه، أكد ثائر شريتح، الناطق باسم هيئة شؤون الأسرى والمحررين أن إعدام الأسرى نهج مطبق فعلياً منذ سنوات وليس ممارسة مستحدثة. وأوضح أن المحاولة الحالية تهدف لشرعنة ما يحدث في 'المسالخ البشرية' ومعسكرات الجيش، خاصة منذ بدء الحرب الأخيرة على قطاع غزة.
وتكشف بيانات الهيئة عن توثيق 89 حالة إعدام داخل المعتقلات الإسرائيلية خلال العامين الماضيين لأسرى عُرفت هوياتهم، فيما يظل مصير العشرات مجهولاً. ويرى شريتح أن القانون يهدف لتوفير مخرج قانوني لعمليات القتل التي تمت تحت التعذيب، والادعاء لاحقاً أنها نُفذت وفقاً للقانون.
ووفقاً للتحليلات الحقوقية، يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإرضاء الجناح المتطرف في ائتلافه الحكومي، وتحديداً حزب 'القوة اليهودية'. ويُستخدم ملف الأسرى كوقود للدعاية السياسية وضمان بقاء الائتلاف الحاكم، مستغلاً انشغال المجتمع الدولي بالأزمات الإقليمية المتلاحقة.
المحامية نادين أبو عرفة، المختصة بشؤون الأسرى، نقلت حالة من الترقب الشديد داخل السجون، حيث يوجه المعتقلون أسئلة متكررة حول طبيعة القانون وآليات تنفيذه. وأشارت إلى أن أسرى قطاع غزة هم الأكثر تأثراً نفسياً بهذه التهديدات، نظراً لتعرضهم لأنماط عزل وتصنيف استثنائية وقاسية.
وينص مشروع القانون على أن تنفيذ عقوبة الإعدام سيكون عن طريق الشنق، وبإشراف سجانين يتمتعون بحصانة جنائية كاملة وسرية تامة لهوياتهم. هذا البند يثير مخاوف حقوقية واسعة من تحول السجون إلى ساحات لتصفية الحسابات بعيداً عن أي رقابة قضائية أو دولية حقيقية.
ويقبع حالياً في سجون الاحتلال أكثر من 9500 أسير فلسطيني، من بينهم آلاف المعتقلين إدارياً دون تهمة واضحة، وأكثر من 1200 مصنفين كـ 'مقاتلين غير شرعيين'. وتأتي هذه التحركات التشريعية في وقت تصاعدت فيه سياسات القمع والتنكيل داخل السجون بشكل غير مسبوق منذ أكتوبر 2023.
عائلات الأسرى وجهت نداءات استغاثة للمجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية للتدخل الفوري ووقف هذا 'الجنون التشريعي'. وتؤكد هذه العائلات أن الصمت الدولي تجاه هذه القوانين يمنح الاحتلال الضوء الأخضر لارتكاب مزيد من الجرائم بحق الأسرى العزل الذين كفلت القوانين الدولية حمايتهم.
ختاماً، يبقى الإيمان والصمود هما الملاذ الأخير لأمهات الأسرى، كما تعبر والدة الأسير أسامة التي تتسلح بالصبر في مواجهة تهديدات بن غفير. وتشدد العائلات على أن هذه القوانين، رغم قسوتها، لن تكسر إرادتهم في المطالبة بحرية أبنائهم وعودتهم سالمين رغم كل الظروف القاتمة.
المصدر:
القدس