آخر الأخبار

السفارة الأمريكية في القدس على أراضٍ فلسطينية خاصة

شارك

د. أحمد الطيبي: على أمريكا أن تخجل من نفسها فهي تدعي حماية حقوق مواطنيها وتقبل في الوقت ذاته ببناء سفارتها على أنقاض أملاك سُلبت منهم
د. سهاد بشارة: الاحتلال يمضي في تخصيص أرض لإقامة سفارة دائمة بالقدس رغم تقديم وثائق أرشيفية تثبت الملكية الفلسطينية الخاصة للأرض
رجا الخالدي: نجحنا سابقاً في إيقاف مصادرة الأراضي لصالح السفارة ولا بد من إطلاق حملة سياسية ودبلوماسية واسعة للضغط على واشنطن
خليل التفكجي: هذا التطور يعكس استمرار أمريكا في اعتبار مدينة القدس بشطريها الشرقي والغربي عاصمة لإسرائيل في تجاهلٍ واضحٍ للقرارات الدولية
د. منير نسيبة: أمريكا بقبولها بناء سفارتها على أراضي الفلسطينيين تُعد شريكة مع الاحتلال في مصادرة الأراضي وتنتهك الحقوق الجماعية والفردية
منير قليبو: أي ترتيبات أو قرارات تتعلق بالأرض دون الرجوع إلى أصحابها الشرعيين تُعد تجاهلاً لحقوق ملكية ثابتة ومثبتة بوثائق رسمية

خاص بـ القدس-

وافقت حكومة الاحتلال على تخصيص أرض لبناء مقر دائم للسفارة الأمريكية في القدس، وفقًا لما أفاد به بيان مشترك صدر عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزيري الخارجية جدعون ساعر والإسكان حاييم كاتس.
إلا أن ملكية هذه الأرض التي قرر الاحتلال مصادرتها تعود لفلسطينيين سبق وأن قدموا اعتراضات بالوثائق التاريخية ضد مساعي تخصيصها للسفارة الأمريكية. وكشفت صحيفة "معاريف" العبرية في 27 شباط الماضي أن مساحة الأرض تبلغ 31 دونماً في "معسكر اللنبي القديم" في القدس.
فما الذي تعينه هذه الخطوة خاصة على مستوى الموقف الأمريكي؟ وما هي ارتداداتها فلسطينياً؟ وما الأدوات الممكنة لوقفها؟ للإجابة عن هذه الأسئلة وفهم تفاصيل هذه القضية، تحدثت "ے" مع مسؤولين وشخصيات قانونية وخبراء وورثة.


عملية سطو سياسي وقانوني مغلفة بدعم دولي

يؤكد النائب د. أحمد الطيبي، رئيس كتلة الجبهة العربية للتغيير، أن المصادقة الإسرائيلية على إنشاء مبنى دائم للسفارة الأمريكية في مدينة القدس المحتلة ليست مجرد خطوة إدارية، بل هي "عملية سطو سياسي وقانوني مغلف بدعم دولي"، مشددا على أن الأرض التي سيُقام عليها المبنى هي ملكية خاصة لمواطنين فلسطينيين، بينهم من يحمل الجنسية الأمريكية.
ويشير الطيبي إلى أن هذا المخطط يمثل ذروة الوقاحة القانونية؛ حيث تسعى حكومة الاحتلال لبناء منشأة دبلوماسية على أرض تمت مصادرتها عبر ما يسمى "قانون أملاك الغائبين" الجائر.
ويضيف "هذه الأراضي ليست أرض دولة كما يزعمون، بل هي إرث عائلات مقدسية لا تزال تملك الوثائق والأوراق الثبوتية التي تثبت حقها التاريخي".
ويرى الطيبي أن على الإدارة الأمريكية أن تخجل من نفسها. متسائلا: "كيف يمكن لدولة تدعي حماية حقوق مواطنيها أن تقبل ببناء سفارتها على أنقاض أملاك سُلبت من مواطنيها أنفسهم؟" لافتا إلى أن الوثائق الأرشيفية التي قدمها مركز "عدالة" منذ عام 2022 لا تدع مجالا للشك بأن هذا المشروع هو تكريس للاحتلال ومخالفة صريحة للقانون الدولي".
ويؤكد الطيبي أن الإصرار على تثبيت مبنى السفارة في هذا الموقع بالذات هو محاولة لفرض أمر واقع وطمس الهوية الفلسطينية للمدينة، ويقول: "القدس ليست ساحة لتوزيع الهدايا الانتخابية أو الصفقات السياسية على حساب الحقوق الأساسية لأصحاب الأرض".

الحكومة الأمريكية طرف مباشر في انتهاك حقوق الملكية للفلسطينيين

وتقول د. سهاد بشارة، مديرة الوحدة القانونية في مركز عدالة الحقوقي إن مصادقة حكومة الاحتلال على تخصيص أرض لإقامة السفارة الأمريكية الجديدة في القدس المحتلة ما هو إلا "تأكيد مباشر على شرعنة مصادرة غير قانونية لملكية فلسطينية خاصة، تمت بتواطؤ أمريكي".
وتشير بشارة إلى أن مركز عدالة سبق أن تقدم باعتراض إلى لجان التخطيط ضد مخطط السفارة الأمريكية عام 2023، وأوضح الاعتراض أن الأرض ملك للاجئين فلسطينيين صودرت أراضيهم بشكل غير قانوني بموجب ما يسمى "قانون أملاك الغائبين"، وهو من أكثر قوانين الاحتلال تمييزا وتعسفا، إذ استخدم ويُستخدم لتجريد الفلسطينيين من أراضيهم وممتلكاتهم.
وتؤكد بشارة أن الاعتراض استند إلى وثائق أرشيفية واضحة تعود إلى فترة الانتداب البريطاني، تثبت بما لا يدع مجالا للشك الملكية الخاصة لهذه الأراضي. ورغم ذلك، مضت سلطات الاحتلال قدما في تنفيذ مشروع ينطوي على "انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي"، ولا سيما تلك المتعلقة بحماية الملكية الخاصة في الأراضي المحتلة ووضع القدس بموجب القانون الدولي.
وتوضح بشارة أن الاستمرار في تنفيذ هذا المشروع لا يقتصر على تكريس نظام غير قانوني قائم على نزع الملكية الدائم، بل يرقى إلى مستوى المشاركة الفعلية في إضفاء الشرعية على سلب أراض فلسطينية وخرق للقانون الدولي. وتضيف، أن الحكومة الأمريكية تصبح طرفا مباشرا في انتهاك حقوق الملكية للفلسطينيين، بما في ذلك حقوق تعود حتى لمواطنين أمريكيين.

مساعي السيطرة على الأراضي وتخصيصها للسفارة الأمريكية تمتد لعقود

وأوضح رجا الخالدي، الذي يتابع الملف بالتعاون مع مجموعة من ورثة أصحاب الملكيات في الأرض المخصصة لموقع السفارة أن مساعي الاحتلال في السيطرة على هذه الأرض وتخصيصها للسفارة الأمريكية ليست جديدة، وكان البروفيسور وليد الخالدي الراحل قد تصدى قبل 30 سنة لتوجه الإدارة الأميركية اختيار الموقع لإقامة السفارة عليه، ونجح في إيقافها من خلال إعداد مذكرة تاريخية قانونية قدمها للإدارة الأميركية لإثبات حقوق الملكية الخاصة للقطعة، بما فيهم ملاكين فلسطينيين حاملي الجنسية الأميركية.
ويضيف أن الجانب الأمريكي استأنف محاولة تمرير هذا المشروع قبل نحو 3 سنوات، خلال فترة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، موضحًا: "وقفنا حينها في وجه هذا التوجه، وقدمنا بصفتنا مجموعة ورثة أصحاب الأرض، عريضة عبر مركز عدالة، ليس مباشرة للأمريكيين، بل للطعن في إجراءات التخطيط لدى بلدية القدس ورغم رفض العريضة، إلا أن الرسالة وصلت إلى واشنطن، ما دفعهم إلى التريث ودراسة خيارين لموقع السفارة".
ويشير الخالدي إلى أن أحد الخيارين كان توسيع السفارة في الموقع الحالي في منطقة "أرنونا"، المقامة في منطقة الحرام على الحدود بين القدس الشرقية والغربية، التي قد تكون أراضي دولة، بخلاف موقع " ثكنة أللنبي" الذي يتكون من خليط بين ملكيات خاصة وأراضي تعود لوقف الشيخ محمد الخليلي.
ويضيف الخالدي: "من خلال البيان الصادر مؤخرًا، يبدو أنه يحمل شيئًا من الالتباس، إذ أشار إلى أن ثلاثة وزراء أعلنوا موافقة إسرائيل على تخصيص قطعة أرض للسفارة في موقع ألنبي باراكس، لكن هذه الموافقة ليست جديدة، بل تعود إلى فترة سابقة، حيث خُير الجانب الأمريكي بين هذا الموقع وموقع آخر، وكان القرار النهائي بيد الأمريكيين".
ويتساءل ما إذا كان الإعلان الأخير يعني أن الأمريكيين حسموا خيارهم لصالح هذا الموقع، وبالتالي صدرت الموافقة النهائية من الجانب الإسرائيلي، أم أنها انتهازية سياسية من قبل الحكومة لكسب ود السفير الأمريكي هاكابي وتوريط الأميركان في قرار قد لم يحسم بعد لديهم؟".
ويشدد الخالدي على أهمية الموقع، ويوضح أن "إقامة سفارة أمريكية على أراضٍ مصادرة من ملكيات خاصة فلسطينية يُعد أمرا بالغ الخطورة، لأن ملكيتها تعود لأفراد فلسطينيين مقيمين في القدس أو في المهجر، وأن عددا لا بأس من منهم مواطنون أميركيون. أما الموقع الحالي في أرنونا، فهو نسبيا أقل إشكالية من حيث طبيعة الملكية، رغم أنه يقع في القدس الغربية، التي لا يُفترض أصلا إقامة سفارة أمريكية فيها".
وفيما يتعلق بإمكانية مواجهة هذه المساعي، يفيد الخالدي بعدم وجود وسيلة فعالة سوى الضغط على الحكومة الأمريكية لعدم المضي في هذا الخيار، في ظل "دعم إسرائيلي للمشروع ورغبة بإظهار متانة العلاقة مع الولايات المتحدة، ووجود حماسة أمريكية واضحة تجاهه".
ويؤكد الخالدي على أهمية وجود موقف فلسطيني واضح تجاه القضية، إذ لا يمكن ترك العائلات المتضررة والمنظمات الحقوقية وحدها في مواجهة هذا الملف.
ويختتم الخالدي حديثه بالقول: "قمنا بما نستطيع خلال السنوات الثلاثين الماضية، وكان البروفيسور وليد الخالدي يتابع هذا الملف الحساس، ملحاً على الأجيال القادمة عدم السماح بأن يمر مرور الكرام" مؤكدا أنه دون إطلاق حملة سياسية ودبلوماسية فلسطينية وعربية واسعة، لن يكون هناك أمل حقيقي في وقف هذا المشروع.

فنادق ومكاتب توسعية لموظفي السفارة الأمريكية

يؤكد الخبير في شؤون الاستيطان خليل التفكجي أن المشروع المقترح يقع في المنطقة المقابلة للسفارة الحالية، على أراضي "المناطق الحرام" المتصلة بالأراضي الواقعة ضمن بلدة صور باهر، والتي كانت تفصل بين الأردن وإسرائيل خلال الفترة بين عامي 1948 و1967، وبالتالي فإن هذه المنطقة تُعد منطقة توسعية. ويبين أنه من المقرر إقامة منطقة فنادق ومساكن مخصصة لموظفي السفارة الأمريكية، بالإضافة إلى مكاتب تابعة للسفارة في هذا الموقع.
ويشير التفكجي إلى أن الموقع الآخر الذي كان مطروحا في البداية لإقامة السفارة، وهو موقع "ألنبي باراكس"، العائد لوقف الخليلي، وقد قُدم الاعتراض عليه، ما أدى إلى تجميد القرار المتعلق به بشكل نهائي، ومن ثم نقل موقع السفارة إلى المنطقة الحالية في حي "أرنونا".
ويؤكد التفكجي أن هذا التطور يعكس استمرار الجانب الأمريكي في اعتبار مدينة القدس، بشطريها الشرقي والغربي، عاصمة لإسرائيل، في تجاهل واضح للقرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 181، لافتا إلى عدم اعتراف أي دولة في العالم بالقدس كعاصمة لإسرائيل منذ صدور القرار.

انتهاك لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير

ويرى أستاذ القانون الدولي د. منير نسيبة أن إقامة السفارة أو مجمع السفارة الأمريكية على أرض مصادرة من فلسطينيين تُعد انتهاكا واضحا للقانون الدولي، مؤكدا أن هذا الانتهاك يعد جزءا من السياسة الاستعمارة الإسرائيلية الممنهجة في الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين التي بدأت منذ نكبة فلسطين وتستمر حتى يومنا هذا في الداخل والقدس والضفة الغربية.
ويوضح نسيبة أن إقامة سفارة أمريكية في هذا الموقع، وتحديدا في مدينة القدس، تُعد انتهاكا لقرارات مجلس الأمن الدولي، التي تحظر على أي دولة نقل بعثاتها الدبلوماسية إلى مدينة القدس، كما يُشكل انتهاكا لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
وعلى صعيد آخر، يعتبر أستاذ القانون الدولي هذا الإجراء انتهاكا للحقوق الفردية لهؤلاء الفلسطينيين الذين صودرت أراضيهم باستخدام ما يسمى "قانون أملاك الغائبين"، وهو قانون استعماري عنصري يسلب الفلسطينيين أراضيهم.
ويلفت نسيبة إلى أن هذا القانون يهدف بطبيعته إلى نقل ملكية الأراضي من السكان الأصليين الفلسطينيين إلى دولة الاحتلال والمستوطنين وإلى الاستخدامات التي تقررها سلطات الاحتلال.
ويعتبر نسيبه ذلك انتهاكاً جسيماً لحقوق الأفراد، سواء كانوا لاجئين أو نازحين أو ممن تنطبق عليهم أحكام هذا القانون لأي سبب كان. ويقول: "لعل أبرز ما يلفت الانتباه في هذه الخطوة هو أن الولايات المتحدة الأمريكية، بقبولها بناء سفارتها على هذا الموقع، تُعد شريكة مع الاحتلال في مصادرة أراضي الفلسطينيين، كما تنتهك حقوق الأفراد، وليس فقط الحقوق الجماعية، بما في ذلك حقوق فلسطينيين أصبح بعضهم يحمل الجنسية الأمريكية".

حق قانوني وإنساني يتعلق بملكية خاصة

يقول منير قليبو أحد ورثة الأرض المهددة، إن الأرض ملكية خاصة تعود لعائلات فلسطينية مقدسية، وقد صودرت في أعقاب النكبة عام 1948 ضمن سياق تاريخي وقانوني لا يزال محل نزاع جوهري حتى اليوم.
ويؤكد أن أي ترتيبات أو قرارات تتعلق بالأرض دون الرجوع إلى أصحابها الشرعيين تُعد تجاهلا لحقوق ملكية ثابتة ومثبتة بوثائق رسمية.
ويضيف قليبو "إننا نتابع بجدية كافة التطورات المرتبطة بهذا الملف، وقد قمنا، نحن الورثة، بتوكيل الأستاذ رجا الخالدي، الذي يمثل أيضا جزءا من المالكين، لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة عبر القنوات المختصة، بما يضمن صون حقوقنا وفق الأطر القانونية المحلية والدولية".
ويشدد قليبو على أن هذا الملف ليس سياسيًا بقدر ما هو حق قانوني وإنساني يتعلق بملكية خاصة، وأن التعامل معه يجب أن يستند إلى مبادئ العدالة، واحترام حقوق الملكية، وسيادة القانون.
ويختتم حديثه بالقول: "نحتفظ بكامل حقوقنا في متابعة هذا الملف بكافة الوسائل القانونية المتاحة، ونؤكد التزامنا بنهج هادئ ومسؤول يسعى إلى إحقاق الحق دون تصعيد، وبما يليق بعدالة قضيتنا وتاريخها".



القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا