أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي صباح السبت عن رصد إطلاق صاروخ من الأراضي اليمنية للمرة الأولى، وذلك في ظل استمرار العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران. وجاء هذا التطور الميداني بعد ساعات قليلة من تصريحات لقيادات في جماعة الحوثي أكدت فيها الجاهزية التامة للانخراط في المواجهة المباشرة إذا ما استمر استهداف طهران ومكونات محور المقاومة في المنطقة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن أي تدخل مباشر من قبل الجماعة قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في حركة الملاحة البحرية الدولية، لا سيما حول شبه الجزيرة العربية. ويأتي هذا القلق في وقت تعاني فيه التجارة العالمية من تداعيات الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، مما يجعل من البحر الأحمر ساحة صراع استراتيجية قد تعمق الأزمة الاقتصادية العالمية.
تعد جماعة الحوثي حركة عسكرية وسياسية متجذرة في شمال اليمن، حيث خاضت لسنوات حروب عصابات ضد الجيش اليمني قبل أن توسع نفوذها بشكل دراماتيكي عقب أحداث عام 2011. وقد تمكنت الجماعة من السيطرة على العاصمة صنعاء في عام 2014، مما أدى إلى تدخل عسكري بقيادة السعودية في العام التالي لمحاولة استعادة الشرعية، وهو الصراع الذي خلف أزمة إنسانية هي الأسوأ عالمياً.
وعلى مدار سنوات النزاع، أظهر الحوثيون قدرات متطورة في استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، حيث طالت هجماتهم منشآت نفطية حيوية وبنى تحتية في العمق السعودي والإماراتي. ورغم الهدنة التي ترعاها الأمم المتحدة منذ عام 2022، إلا أن الجماعة حافظت على جهوزيتها العسكرية وطورت ترسانتها بشكل ملحوظ، مؤكدة استقلال قرارها العسكري عن أي أطراف خارجية.
ارتبط اسم الحوثيين بشكل وثيق بالصراع الإقليمي عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023، حيث بدأوا بشن هجمات على السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر دعماً لقطاع غزة. وقد ردت الولايات المتحدة وإسرائيل بشن غارات جوية استهدفت مواقع للجماعة في اليمن، في محاولة لردع الهجمات التي أثرت بشكل مباشر على سلاسل التوريد العالمية المارة عبر مضيق باب المندب.
وكانت الهجمات الحوثية قد شهدت فترة من الهدوء النسبي عقب وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أكتوبر 2025 بين إسرائيل وحركة حماس بوساطة أمريكية. إلا أن اندلاع المواجهة المباشرة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وإيران من جهة أخرى في فبراير 2026، أعاد تسخين الجبهة اليمنية مجدداً مع إطلاق الصاروخ الأخير الذي رصده جيش الاحتلال.
وفي خطاب متلفز، أكد زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي أن قواته في حالة استنفار قصوى، مشيراً إلى أن 'الأيدي على الزناد' بانتظار ما ستسفر عنه التطورات الميدانية. وشدد الحوثي على أن الجماعة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام ما وصفه بالتصعيد ضد الجمهورية الإسلامية، محذراً من أن أي توسع في التحالفات المعادية سيقابل برد حازم ومباشر.
تختلف جماعة الحوثي عن بقية فصائل محور المقاومة في أنها لا تلتزم بالمرجعية الدينية المباشرة للزعيم الأعلى الإيراني، رغم التقارب السياسي والعسكري الكبير. ويرى خبراء أن الجماعة تتحرك وفق أجندة وطنية يمنية في المقام الأول، لكنها تجد في التحالف مع طهران وحزب الله وسيلة لتعزيز موقفها الإقليمي ومواجهة الضغوط الدولية المفروضة عليها.
وتتهم الولايات المتحدة إيران بتزويد الحوثيين بالتمويل والتدريب والأسلحة المتطورة بمساعدة من خبراء حزب الله اللبناني، وهو ما تنفيه الجماعة باستمرار. ويؤكد الحوثيون أنهم يعتمدون على قدراتهم الذاتية في تطوير الصواريخ والمسيرات، معتبرين أن اتهامهم بالتبعية لإيران يهدف إلى تدويل الصراع اليمني وتبرير التدخلات الخارجية في شؤونهم.
تتجه الأنظار الآن نحو المسارات المحتملة التي قد يسلكها الحوثيون في ظل التصعيد الراهن، حيث يرى محللون أن الجماعة قد تلجأ لهجمات متفرقة ومفاجئة لإرباك الخصوم. ومن الممكن أن يشمل ذلك استهداف مصالح الدول التي تسمح باستخدام أراضيها أو مياهها الإقليمية لشن هجمات ضد إيران، مما يرفع من احتمالات نشوب مواجهة إقليمية شاملة وغير مسبوقة.
إن التهديد بإغلاق الممرات الملاحية يمثل الورقة الأقوى في يد الحوثيين، حيث يمكن لتعطيل الملاحة في البحر الأحمر أن يشل حركة تصدير النفط والغاز من دول الخليج. وقالت الجماعة إنها مستعدة للتحرك إذا تم استخدام البحر الأحمر كمنطلق لعمليات عدائية ضد طهران، وهو ما يضع الملاحة الدولية في مهب الريح بانتظار قرار سياسي أو عسكري جديد.
طالب الحوثيون بوقف فوري وشامل لكافة العمليات العسكرية في فلسطين ولبنان وإيران والعراق واليمن، كشرط أساسي لخفض التصعيد في المنطقة. وحذر المتحدث العسكري يحيى سريع من أن استمرار الحصار على الشعب اليمني وربطه بالتطورات الإقليمية سيؤدي إلى ردود فعل قاسية تتجاوز التوقعات، مؤكداً أن بنك الأهداف يتسع ليشمل مصالح حيوية بعيدة.
تؤكد التقارير أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، الذي بدأ في أواخر فبراير الماضي، قد دفع كافة فصائل محور المقاومة إلى مراجعة استراتيجياتها الدفاعية والهجومية. ويأتي التحرك اليمني الأخير كرسالة واضحة بأن الجبهة الجنوبية للاحتلال لن تكون آمنة، وأن قواعد الاشتباك قد تغيرت بشكل جذري مع دخول الصواريخ اليمنية بعيدة المدى إلى الخدمة الفعلية.
ختاماً، يبقى الوضع في اليمن مرتبطاً بشكل عضوي بمسار المواجهة الكبرى في المنطقة، حيث يمثل الحوثيون رقماً صعباً في المعادلة العسكرية الإقليمية. ومع استمرار التحذيرات من انفجار الموقف، تظل الممرات المائية الدولية تحت رحمة التطورات المتسارعة، في ظل غياب أي أفق لحل دبلوماسي ينهي سلسلة الحروب المترابطة من غزة وصولاً إلى طهران وصنعاء.
المصدر:
القدس