آخر الأخبار

الصراع الديمغرافي في فلسطين: من النكبة إلى حرب الإبادة 2026

شارك

يستعرض كتاب 'الصراع الديمغرافي في فلسطين من النكبة إلى حرب الإبادة' للباحثين جمال البابا وهاني طالب، التحولات القسرية التي شهدتها الأراضي الفلسطينية، لا سيما بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023. ويرى المؤلفان أن الديمغرافيا باتت ساحة مركزية للصراع تستخدمها إسرائيل كأداة لإعادة هندسة الواقع البشري والجغرافي بما يخدم أهدافاً استراتيجية بعيدة المدى.

تؤكد الدراسة أن الحرب الأخيرة أفرزت موجات تهجير غير مسبوقة ودماراً شاملاً للبنى التحتية، مما أدى إلى تراجع حاد في مؤشرات النمو الطبيعي وتغيير جذري في التوزيع الجغرافي للسكان. ورغم هذه الضغوط، حافظ المجتمع الفلسطيني على ديناميات صمود اجتماعي أسهمت في تثبيت وجوده التاريخي، ليبقى الميزان السكاني عنصراً حاسماً في معادلة الحلول السياسية المستقبيلة.

بالعودة إلى الجذور التاريخية، تشير المصادر إلى أن حرب عام 1948 أدت لتهجير 780 ألف فلسطيني، بينما سيطرت إسرائيل على 78% من مساحة فلسطين التاريخية. وقد بقي 150 ألف فلسطيني داخل الأراضي المحتلة عام 48، والذين شكلوا لاحقاً معضلة ديموغرافية للاحتلال الذي حاول إقصاءهم سياسياً واجتماعياً رغم منحهم المواطنة الصورية.

وفقاً للإحصائيات الواردة في الكتاب، قدر عدد الفلسطينيين في الداخل المحتل بنهاية عام 2024 بنحو 1.809 مليون نسمة، ما يمثل 18% من إجمالي السكان. وتتصدر مدينة القدس التجمعات السكانية من حيث عدد المسلمين، حيث يقطنها 386 ألف نسمة يشكلون نحو 37% من إجمالي سكان المدينة المقدسة، رغم سياسات التضييق المستمرة.

فيما يخص قطاع غزة، توضح الدراسة أن القطاع الذي لا تتجاوز مساحته 365 كم2 استقبل 190 ألف لاجئ عقب النكبة، مما خلق ضغطاً هائلاً على الموارد المحدودة. وقد شهد القطاع عبر العقود الماضية معدلات هجرة بحثاً عن العمل، إلا أن الكتلة البشرية ظلت تمثل تحدياً ديموغرافياً ثابتاً أمام المخططات الإسرائيلية الرامية لتصفية القضية.

رسم الكتاب خريطة ديموغرافية قاتمة لما بعد أكتوبر 2023، حيث تم تهجير أكثر من 85% من سكان غزة قسرياً لمرات متعددة بفعل العمليات العسكرية. وتسيطر سلطات الاحتلال حالياً على نحو 58% من مساحة القطاع، بينما يُحشر مليونا فلسطيني في المساحة المتبقية التي لا تتجاوز 42%، وسط ظروف إنسانية وصفتها المصادر بالصعبة للغاية.

كشفت الدراسة عن وثائق استخباراتية إسرائيلية تشير إلى أن 'الحل الأمثل' من وجهة نظر الاحتلال هو إجلاء سكان غزة إلى سيناء، وهو ما واجه رفضاً عربياً ودولياً حازماً. وبسبب هذا الفشل في التهجير القسري الشامل، اتجهت السياسة الإسرائيلية نحو الترويج لما يسمى 'الهجرة الطوعية' عبر خلق بيئة غير قابلة للحياة داخل القطاع.

لم يعد الصراع مقتصراً على التنافس السياسي أو العسكري على الأرض والموارد؛ بل أصبح في جوهره صراعاً على الإنسان ذاته؛ وجوده وعدده وقدرته على البقاء.

تأثر النمو السكاني في غزة بشكل حاد، حيث سجل انخفاضاً بنسبة 6% عام 2024 ونحو 10% عام 2025 نتيجة ارتفاع أعداد الشهداء والمفقودين وتراجع المواليد. وقد تعمد الجيش الإسرائيلي استهداف الفئات الشابة والأطفال، مما أحدث تشوهاً واضحاً في هرم السكان وتغييراً في التركيب العمري والنوعي للمجتمع الغزي.

رغم هذا الاستهداف الممنهج، لا يزال الشباب الفلسطيني في الفئة العمرية (18-29 سنة) يشكلون نحو 21% من إجمالي السكان حتى منتصف عام 2025. وتعتبر الدراسة أن هذه الفئة تمثل الركيزة الأساسية لأي تنمية مستقبلية أو استجابة وطنية للأزمات، وهي الضمانة الحقيقية لاستمرار الوجود الفلسطيني أمام محاولات الإحلال.

يقارن الكتاب بين محركات النمو السكاني لدى الطرفين، حيث تحظى الزيادة السكانية اليهودية بدعم لوجستي وقانوني كامل من الدولة لتسهيل التوسع المكاني. في المقابل، تخضع السياسات السكانية الفلسطينية لقيود الاحتلال على الجغرافيا، مما يضطر الفلسطينيين للمزاوجة بين التنمية المحدودة والصمود الدفاعي أمام التمدد الاستيطاني.

تتبع إسرائيل سياسة استيطانية تهدف لمنع التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية، مقابل تعزيز التواصل بين المستوطنات دون عوائق. وتجبر هذه السياسات الفلسطينيين على البناء العمودي نتيجة منع التوسع الأفقي، خاصة في القدس وغور الأردن، وهي مناطق تخضع لتخطيط أمني وعسكري يهدف للسيطرة المطلقة على الموارد.

تضاعف عدد المستوطنين في الضفة الغربية بشكل مخيف بين عامي 2005 و2023، حيث قفز من 256 ألفاً إلى نحو 501 ألف مستوطن. ومع إضافة مستوطني القدس، يصل الإجمالي إلى 746 ألفاً، في ظل تشريعات إسرائيلية أقرت في عام 2025 إنشاء 22 مستوطنة جديدة لشرعنة البؤر الاستيطانية وفرض السيادة الدائمة.

تخلص الدراسة إلى ضرورة وضع استراتيجية فلسطينية واعية لمواجهة التداعيات السكانية للحرب، عبر تعزيز قدرة السكان على البقاء وتوسيع نطاق المساعدات الإنسانية. ويقترح المؤلفان حماية الفئات الأكثر هشاشة واستثمار البنية العمرية الشابة كأداة لمواجهة مخططات التفريغ والاضعاف الديمغرافي التي ينتهجها المستعمر.

تتضمن التوصيات الختامية تشجيع الاستثمار في مناطق (ج) وتطوير مشاريع الإسكان في المناطق ذات السيادة المحدودة، بالإضافة إلى تعزيز التشبيك الاجتماعي مع الفلسطينيين في الشتات والداخل. ويؤكد الكتاب أن التحولات الديمغرافية الحالية ليست طبيعية، بل هي نتاج سياسات إحلالية تتطلب رداً وطنياً شاملاً يضمن استقرار التجمعات المهددة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا