فقدت الساحة الفنية العربية واللبنانية الفنان القدير أحمد قعبور، الذي وافته المنية بعد صراع مرير مع المرض، مخلفاً وراءه إرثاً موسيقياً نادراً انحاز فيه دوماً لقضايا الإنسان والوطن. وقد عرف قعبور بكونه صوتاً دافئاً عبّر عن آلام وآمال الشعوب، وظل متمسكاً برسالته الفنية حتى في أحلك ظروفه الصحية، مؤكداً على دور الفن في معارك التحرر والعدالة الاجتماعية.
ويعد الراحل من أبرز الوجوه التي ارتبطت بالقضية الفلسطينية، حيث تحولت أغنيته الشهيرة 'أناديكم' إلى نشيد وطني يتردد في كل بيت فلسطيني وعربي منذ الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. ولم تكن هذه الأغنية مجرد عمل عابر، بل كانت صرخة صمود استلهمها من كلمات الشاعر توفيق زياد، لتبقى محفورة في وجدان الأجيال المتعاقبة التي رددتها في الميادين والساحات.
وُلد أحمد قعبور في قلب العاصمة بيروت عام 1955، ونشأ في بيئة ثقافية مكنته من صقل موهبته في معهد الفنون الجميلة بالجامعة اللبنانية. بدأت ملامح شخصيته الفنية تتبلور في السبعينات، وهي الفترة التي شهدت تحولات سياسية كبرى في المنطقة، مما دفعه للانخراط في العمل الفني الملتزم الذي يدمج بين الموسيقى والهمّ السياسي والاجتماعي.
انطلقت شرارة شهرته الأولى من خلال فرقة 'الكورس الشعبي'، حيث جاب مع زملائه معسكرات القتال ومخيمات اللاجئين والمستشفيات ليغني للجرحى والمكلومين. هذه التجربة الميدانية جعلت من صوته قريباً من نبض الشارع، وساهمت في انتشار أعماله التي لم تكن تبحث عن الأضواء بقدر ما كانت تبحث عن الحقيقة والوقوف بجانب المستضعفين.
إلى جانب انتمائه الفلسطيني الواضح في أعمال مثل 'يا نبض الضفة' و'سموني لاجئ'، كان قعبور ابناً باراً لبيروت، حيث حمل إرث الفنان الشعبي عمر الزعني. وقد نجح في تحديث هذا الإرث من خلال أغنيات اجتماعية ورمضانية أصبحت جزءاً من التراث الشعبي اللبناني، ومنها أغنية 'علّوا البيارق' التي لا تزال تُبث في المناسبات والأعياد.
تنوعت مسيرة قعبور الإبداعية لتشمل المسرح والسينما، حيث تعاون مع الفنان الكبير زياد الرحباني في عدة أعمال تركت بصمة واضحة في الفن اللبناني المعاصر. كما سجل حضوراً لافتاً في السينما من خلال مشاركته في فيلم يتناول حياة رسام الكاريكاتير الفلسطيني الراحل ناجي العلي، ما عكس عمق ترابطه مع الرموز النضالية الفلسطينية.
في سنواته الأخيرة، ورغم وطأة المرض الذي أثقل جسده، لم يتوقف قعبور عن الغناء للناس الذين طالما خاطبهم في أغنيته 'نحنا الناس'. فقد كان يرى في الوقوف على المسرح ومواجهة الجمهور ترياقاً لأوجاعه، مصراً على أن يظل صوته جسراً يربط بين قضايا المجتمع وبين الفن الهادف الذي يسعى لتغيير الواقع نحو الأفضل.
تميز أسلوب الراحل بالبساطة الممتنعة والقدرة على الوصول إلى قلوب مختلف الفئات الاجتماعية دون تعقيد، حيث عمل على تطوير الأغنية السياسية لتصبح أكثر إنسانية وقرباً من اليوميات البسيطة. كما ساهم بجهود كبيرة في إدماج الموسيقى ضمن المناهج التربوية والثقافية، إيماناً منه بأن الفن هو الأداة الأقوى لبناء وعي الأجيال الجديدة.
رحل أحمد قعبور تاركاً خلفه فراغاً كبيراً في الساحة الفنية الملتزمة، لكن صدى صوته سيظل يتردد في أزقة بيروت وشوارع القدس ومخيمات الشتات. إن رحيله يمثل نهاية فصل من فصول الفن المقاوم، إلا أن الأثر الذي تركه في الذاكرة الجمعية العربية سيظل حياً، يذكر الجميع بأن الفن الحقيقي هو الذي ينحاز دوماً للإنسان وقضيته العادلة.
المصدر:
القدس