آخر الأخبار

غزة والحرب الإقليمية: صمود الفلسطينيين وتصريحات نتنياهو المث

شارك

تحت وطأة القصف المستمر وفي ظل حرب إقليمية متصاعدة، تبدو غزة اليوم وكأنها جبهة منسية في حسابات القوى الكبرى. لقد تحولت أحياء القطاع إلى ركام يحيط بعشرات الآلاف من الخيام الممزقة التي لا تقي ساكنيها تقلبات المناخ، بينما ينصرف اهتمام العالم نحو المواجهة المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

يتابع الغزيون من تحت أنقاض بيوتهم مسارات الصواريخ التي تعبر سماءهم، ويشاهدون استهداف المنشآت الحساسة للاحتلال الذي لم يتوقف عن قصفهم لشهور طويلة. إنها لحظة تاريخية فارقة، حيث يجد من كان يمارس الغطرسة نفسه في موقع المتضرر، رغم أن ثمن هذه المواجهات الإقليمية قد يدفعه الفلسطينيون دماءً جراء الشظايا المتساقطة.

في حادثة مأساوية، قضت أربع نساء فلسطينيات نحبهن إثر سقوط شظايا صاروخية فوق مكان تجمعن فيه للتزين قبل حلول العيد. هذه الحادثة حولت لحظات الفرح المخطط لها إلى مآتم، لتعكس حجم المأساة التي يعيشها الإنسان الفلسطيني الذي يلاحقه الموت حتى في تفاصيل حياته البسيطة.

رغم هذا المناخ القاتم، يبرز صمود أسطوري لنساء غزة اللواتي يرفضن فكرة التهجير القسري مهما بلغت التضحيات. تتنقل هؤلاء النسوة بين مراكز النزوح بحثاً عن لقمة عيش لأطفالهن الجائعين، مؤكدات بصلابة أن البقاء في الأرض هو الخيار الوحيد رغم فقدان الأزواج وتدمير المنازل.

على الصعيد السياسي، يبرز ما يسمى 'مجلس السلام' الذي أسسه دونالد ترامب كأداة للضغط على المقاومة الفلسطينية. يطالب هذا المجلس حركة حماس وبقية الفصائل بتسليم أسلحتها بالكامل مقابل وعود بإعادة الإعمار، وهي وعود ينظر إليها الفلسطينيون بكثير من الريبة وعدم الثقة بالجانبين الأمريكي والإسرائيلي.

تشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال لم يتخلَ عن مساعيه لتهجير سكان غزة، حتى وهو منشغل بجبهات أخرى. إن السياسة المتبعة تعتمد على المماطلة في إدخال المساعدات الإنسانية وتقليص عدد الشاحنات بقرارات تعسفية، مما يعمق الأزمة المعيشية ويجعل من 'إيقاف الإبادة' المطلب الوحيد الملح حالياً.

في سياق متصل، تبرز تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي قارن فيها بين المسيح والقائد المغولي جنكيز خان. يرى نتنياهو أن النجاح في هذا العالم يتطلب تبني 'فلسفة القوة' والشر، معتبراً أن العدالة والأخلاق وحدها لا تكفي لحماية الوجود، وهو ما يعكس طبيعة العقلية التي تدير الحرب الحالية.

في هذا العالم، لا يكفي أن تكون أخلاقياً، ولا يكفي أن تكون عادلاً، ولا يكفي أن تكون على حق.

هذه التصريحات أثارت موجة من الجدل، كونها تزدري القيم الإنسانية والدينية وتؤكد أن المعركة الحالية هي معركة وجودية ضد 'الشر المطلق'. إن استخفاف نتنياهو بالرموز الدينية يعزز القناعة لدى الكثيرين بأن الصراع تجاوز الحدود السياسية ليصبح صراعاً على القيم والمبادئ الأساسية.

وبالانتقال إلى الجبهة الإيرانية، تؤكد مصادر إعلامية أن الهدف الاستراتيجي للحملة العسكرية الحالية هو إضعاف النظام في طهران وليس إسقاطه بشكل فوري. تهدف العمليات العسكرية لخلق ضغط استراتيجي طويل الأمد قد يستغرق شهوراً أو سنوات ليؤدي إلى نتائج سياسية ملموسة على الأرض.

اتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطوة تكتيكية بتعليق الهجمات على محطات الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام، في محاولة لفتح باب للمناورات السياسية. وتبرز شخصية محمد باقر قاليباف كلاعب أساسي في إدارة هذه الأزمة المعقدة وتحديد مسارات العلاقة المستقبلية مع واشنطن في ظل التصعيد المستمر.

تضع واشنطن شروطاً صارمة لإنهاء حملتها العسكرية، تشمل تسليم كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. كما تشترط الإدارة الأمريكية تأسيس آلية دولية صارمة لمراقبة برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وهو ما ترفضه طهران حتى الآن باعتباره مساساً بسيادتها.

تقارير الاستخبارات العسكرية 'أمان' والموساد تشير إلى أن الضغط العسكري يهدف لتهيئة الأرضية لاحتجاجات شعبية داخل إيران. ومع ذلك، يرى المحللون أن تغيير النظام يتطلب وجود بديل داخلي قوي وقادر على إدارة السلطة، وهو أمر لم ينضج بعد في ظل القبضة الأمنية الحالية.

يبقى الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية هم الحلقة الأضعف في هذا الصراع الإقليمي الكبير، حيث تُسحب الأراضي في الضفة شيئاً فشيئاً. إن غياب القدرة على تغيير المصير السياسي للسلطة الفلسطينية يجعل من صمود المواطن العادي في غزة خط الدفاع الأخير عن القضية الوطنية.

ختاماً، تظل غزة هي الاختبار الحقيقي لضمير العالم الذي يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان بينما يغض الطرف عن مأساة شعب يُباد. إن التحدي الذي ترفعه نساء فلسطين في وجه 'الزمن الرديء' هو الرسالة الأقوى التي تؤكد أن إرادة الحياة أقوى من كل ترسانات الأسلحة وفلسفات القوة الغاشمة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا