آخر الأخبار

تحليل: الصراع الأمريكي الإيراني ونبوءات نهاية العالم

شارك

يرى مراقبون أن الصراع المحتدم بين واشنطن وطهران يتجاوز المصالح السياسية المباشرة ليتحول إلى صدام عقائدي تغذيه نبوءات دينية عميقة. وقد تجلى ذلك في التسميات الحربية، حيث اختار دونالد ترامب 'الغضب الملحمي' عنواناً لحملته، مستحضراً معركة 'هرمجدون' الفاصلة، بينما ردت طهران بعمليات 'الوعد الصادق' المستمدة من أدبيات الانتظار الشيعية.

يبدو أن الطرفين يسعيان لاستدراج الأقدار وتصديق النبوءات المركزية في الفكر البروتستانتي الإنجيلي والمذهب الشيعي على حد سواء. هذا التوجه يظهر بوضوح في الخطاب الرسمي الأمريكي الذي يمزج بين القوة العسكرية والرموز الدينية، وفي السردية الإيرانية التي تربط التحركات الميدانية بالتمهيد لظهور المهدي المنتظر.

يمكن تشبيه مصائر القادة في طهران وواشنطن وتل أبيب بحبكة مسرحية 'ماكبث' لشكسبير، حيث تقود النبوءات الطموحة أصحابها إلى مسارات دموية. فكما دفع الطموح الجموح ماكبث لقتل الملك واستعجال العرش، يبدو أن القادة الحاليين يحاولون فرض إرادتهم على القدر عبر القوة العسكرية المفرطة.

تاريخياً، لم تخلُ الحروب الكبرى من حضور الدين حتى في الأنظمة العلمانية، كما فعل ستالين حين استعان بالكنيسة لمواجهة النازية. واليوم، نجد أن السياسة الخارجية للدول الكبرى باتت محكومة برؤى غيبية تحاول تقديم عقارب الساعة الكونية لتحقيق غايات سياسية وتوسعية.

ميدانياً، دخلت المواجهة أسبوعها الرابع مع تصعيد غير مسبوق يهدد أمن الطاقة العالمي، حيث لوح الحرس الثوري الإيراني بإغلاق مضيق هرمز بشكل كامل. هذا التهديد يأتي رداً على تلويح ترامب بتدمير محطات الطاقة الإيرانية، مما يضع المنطقة على حافة كارثة اقتصادية وبيئية لا يمكن التنبؤ بتبعاتها.

حذر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف من أن أي استهداف للمنشآت الإيرانية سيؤدي إلى دمار لا رجعة فيه للبنية التحتية للطاقة في المنطقة برمتها. وتؤكد مصادر إيرانية أن المضيق بات مغلقاً فعلياً أمام السفن المرتبطة بإسرائيل وحلفائها، في خطوة تهدف للضغط على القوى الدولية.

في المقابل، يواجه ترامب مأزقاً يشبه مأزق جونسون في فيتنام، حيث يجد نفسه مضطراً للهروب من أزمة إلى أخرى لتثبيت سلطته. ورغم أحلامه السابقة بالحصول على جائزة نوبل للسلام، إلا أن الوقائع الميدانية في الشرق الأوسط دفعته لإشعال حرائق جديدة قد يصعب إطفاؤها مستقبلاً.

إن من يستعجل المخلص والمنتظر كأنه يطلبه 'ديلفري'، ويرى أن من حضر هو الأعور الدجال.

العبرة من التراجيديا الشكسبيرية تظل قائمة؛ فالطموح الذي يتجاوز الحدود الأخلاقية يؤدي حتماً إلى الهلاك، ومحاولة محايلة الأقدار بالشر لا تجلب سوى الكوابيس. إن القادة الذين يظنون أنهم يسيطرون على مسار التاريخ قد يجدون أنفسهم ضحايا لنفس النبوءات التي حاولوا استغلالها.

إيران من جهتها، وظفت التدخلات العسكرية في سوريا واليمن كجزء من سردية 'تعجيل الفرج'، وهو ما يعكس رغبة في تحويل الغيبيات إلى واقع جيوسياسي. هذا الاستعجال للمستقبل يعبر عن تعب القوى الإقليمية من الانتظار، ورغبتها في حسم الصراع التاريخي بين 'روما وفارس' بنسختهما المعاصرة.

على الجانب الآخر، يسعى بنيامين نتنياهو لتوظيف الأساطير الدينية، مثل قصة 'البقرات الحمراء'، لتعزيز موقفه السياسي والديني داخل إسرائيل. هذا التداخل بين الخرافة والسياسة يجعل من الصعب الوصول إلى حلول دبلوماسية عقلانية، حيث يصبح التنازل السياسي بمثابة خيانة للنبوءة.

رغم الجهود الدبلوماسية التي تقودها دول مثل عمان وروسيا وقطر لتهدئة الأوضاع، إلا أن لغة التهديد لا تزال هي السائدة. فإيران تدرس فرض رسوم عبور على السفن في مضيق هرمز كأداة ضغط مستقبلية، بينما تواصل واشنطن حشد حلفائها لتأمين الممرات المائية الدولية.

إن شبح مصير ماكبث يحوم اليوم فوق خامنئي وطبقة الحكم في طهران، كما يطارد ترامب الذي يرى في القوة العسكرية سبيلاً وحيداً للعظمة. الحروب عادة ما تأتي بوقائع خارجة عن السيطرة، ومن يبدأ الحرب ليس بالضرورة هو من ينهيها، خاصة عندما تكون الدوافع غيبية.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن التنبؤ بمواعيد 'التحرير' أو 'النصر' بناءً على حسابات غير علمية غالباً ما ينتهي بالفشل، كما حدث مع توقعات تحرير القدس عام 2022. السياسة في جوهرها هي علم التوقع المبني على المعطيات، وليست رجماً بالغيب أو استناداً إلى أساطير الشعوب القديمة.

في نهاية المطاف، يظل الصراع بين الإرادة والقدر هو المحرك الأساسي لهذه المأساة، حيث يحاول البشر صناعة 'وحوش' في مختبرات السياسة للسيطرة على العالم. لكن التاريخ يعلمنا أن من يستعجل 'المخلص' عبر الدماء والحروب، قد لا يجد في انتظاره سوى الدمار والخراب الذي طالما حذرت منه الآداب العالمية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا