يواجه الفلسطينيون في قطاع غزة معاناة متفاقمة جراء الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة والكهرباء المستمدة من المولدات التجارية، والتي باتت المصدر الوحيد بعد تدمير الاحتلال للشبكة العامة. وتسببت حرب الإبادة المستمرة منذ نحو عامين ونصف في شلل كامل لمنظومة الطاقة، مما دفع أسعار الكيلوواط الواحد للقفز من 2.5 شيكل إلى نحو 30 شيكلاً في بعض المناطق.
هذا الارتفاع الجنوني الذي يعادل عشرة أضعاف السعر السابق، جعل الحصول على الإنارة الأساسية عبئاً مالياً يفوق قدرة الغالبية العظمى من العائلات النازحة والمحاصرة. وتتزامن هذه الأزمة مع شح شديد في مشتقات الوقود الواردة عبر المعابر، مما أدى إلى تسجيل أرقام قياسية في تكاليف التشغيل والنقل داخل القطاع المنهك.
وفي ظل غياب غاز الطهي، عاد الغزيون إلى استخدام الوسائل البدائية كإشعال الأخشاب لطهي الطعام وتلبية احتياجاتهم اليومية الأساسية. وتنتشر في مراكز النزوح وشمال القطاع أفران طينية وحجرية تعتمد كلياً على الحطب، في محاولة لتجاوز أزمة المحروقات التي تعصف بالمنطقة منذ أكتوبر 2023.
وأفادت مصادر بأن الاحتلال الإسرائيلي يتعمد تقليص كميات الغاز والوقود الداخلة إلى القطاع، رغم وجود اتفاقات تنص على توريد كميات محددة ضمن البروتوكول الإنساني. وتؤكد الإحصائيات أن ما سمح بدخوله منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار لا يمثل سوى نسبة ضئيلة جداً من الاحتياجات الفعلية للسكان.
ويقول الشاب عبد الله جمال، الذي يعمل في فرن يدوي بشمال غزة إن أزمة الغاز المستمرة منذ أكثر من عامين أجبرت الناس على البحث عن بدائل قاسية للخبز والطهي. وأوضح أن المواطنين يحرصون على تقنين استخدام ما يتوفر لديهم من غاز بكميات محدودة جداً، خشية الانقطاع المفاجئ الذي يفرضه الاحتلال بين الحين والآخر.
وتشير البيانات الحكومية الصادرة في مارس الجاري إلى أن الاحتلال سمح بإدخال 1190 شاحنة وقود فقط من أصل 8050 شاحنة كان من المفترض دخولها خلال 161 يوماً. هذا العجز الذي يصل إلى نحو 85% يفسر الحالة الكارثية التي تعيشها المرافق الخدمية والاقتصادية التي تعتمد بشكل كلي على المحروقات.
من جانبه، أوضح إياد الشوربجي، مدير عام الهيئة العامة للبترول أن قطاع غزة يحتاج شهرياً إلى ما بين 350 و400 شاحنة من غاز الطهي لسد الرمق. إلا أن الواقع يشير إلى وصول 100 شاحنة فقط شهرياً، وهو ما يغطي أقل من ربع الاحتياج الأدنى للسكان الذين يتجاوز عددهم مليوني نسمة.
أما فيما يخص السولار التجاري، فإن الاحتياج يقدر بنحو 15 مليون لتر شهرياً، بينما لا تتجاوز الكميات الواردة حالياً 3 ملايين لتر فقط. ويتم تخصيص معظم هذه الكميات الشحيحة عبر المؤسسات الدولية للقطاعات الصحية والخدماتية الطارئة، مما يترك القطاع التجاري والخاص في حالة شلل شبه تام.
وتنعكس هذه الأزمة بشكل مباشر على حصة الأسرة الواحدة، حيث تحصل العائلة على أسطوانة غاز بسعة 8 كيلوغرامات فقط كل شهرين أو ثلاثة أشهر. وترتبط دورية التوزيع بشكل كامل بالمزاج الأمني للاحتلال والكميات التي يسمح بمرورها عبر المعابر التي يتحكم فيها بشكل مطلق.
وقبل اندلاع الحرب، كان معدل استهلاك الأسرة الفلسطينية في غزة يصل إلى 12 كيلوغراماً من الغاز كل 25 يوماً، مع توفر الإمدادات بشكل دائم. أما اليوم، فقد تحول الحصول على أسطوانة غاز إلى حلم يتطلب الانتظار في طوابير طويلة أو الاعتماد على السوق السوداء بأسعار فلكية.
وعلى صعيد المواصلات، سجل سعر لتر السولار ارتفاعات غير مسبوقة وصلت في بعض فترات الحرب إلى 90 شيكلاً، قبل أن يستقر حالياً عند ثلاثة أضعاف سعره الطبيعي. هذا الارتفاع أدى إلى زيادة مضاعفة في تكلفة التنقل بين المحافظات، مما زاد من عزلة المناطق وقطع أوصال القطاع.
ويعزو المسؤولون في قطاع الطاقة هذا الارتفاع إلى زيادة تكاليف النقل والتنسيق عبر الشركات الموردة، بالإضافة إلى سياسة الخنق التي يمارسها الاحتلال. وتؤكد المصادر أن التحكم في المعابر يمثل أداة ضغط سياسي واقتصادي تهدف إلى مفاقمة المعاناة الإنسانية ومنع استعادة أي شكل من أشكال الحياة الطبيعية.
وتفتقر معظم المنازل في غزة حالياً إلى أدنى مقومات الطاقة، حيث لا يقوى أرباب الأسر على تسديد الفواتير الباهظة في ظل انعدام الدخل وتوقف الرواتب. وباتت المشاهد اليومية في غزة تقتصر على البحث عن أغصان الأشجار أو بقايا الركام الخشبي لتأمين وقود للنار التي لا تنطفئ في مخيمات النزوح.
ويبقى تحسن الأوضاع المعيشية ووصول إمدادات الطاقة مرهوناً بمدى التزام الاحتلال بالاتفاقيات الدولية وفتح المعابر بشكل كامل. وفي انتظار ذلك، يواصل سكان غزة ابتكار وسائل بديلة للبقاء على قيد الحياة، متحدين سياسات التضييق التي طالت كل تفاصيل حياتهم اليومية.
المصدر:
القدس