يُصنف مضيق هرمز كواحد من أكثر الممرات المائية حساسية واستراتيجية في العالم، ليس فقط لموقعه الجغرافي الفريد، بل لكونه بؤرة تاريخية للصراعات الدولية على النفوذ والطاقة. يمثل المضيق عنق الزجاجة لإمدادات النفط العالمية، حيث يتدفق عبره نحو 20 مليون برميل يومياً، ما يمنح القوى المسيطرة عليه ورقة ضغط اقتصادية لا تضاهى.
تعود جذور الصراع في المضيق إلى القرن السادس عشر حين فرضت البرتغال سيطرتها العسكرية عام 1507، محولةً جزيرة هرمز إلى قاعدة لتحصيل الرسوم التجارية. استمر هذا النفوذ قرابة قرن من الزمان حتى نجح التحالف الصفوي الإنجليزي في طرد البرتغاليين عام 1622، ليبدأ فصل جديد من التنافس البريطاني على الممر المائي.
مع اكتشاف النفط في إيران مطلع القرن العشرين، تحول المضيق من ممر للتوابل والحرير إلى شريان حيوي للصناعة العالمية. وقد شهد عام 1951 أول مواجهة نفطية كبرى حين أمم محمد مصدق قطاع النفط، مما دفع بريطانيا لفرض حصار بحري على المضيق انتهى بانقلاب عسكري أعاد ترتيب موازين القوى لصالح الغرب.
شكلت الثورة الإيرانية عام 1979 نقطة تحول جذري، حيث تحول المضيق إلى ساحة اشتباك مباشر خلال 'حرب الناقلات' في الثمانينيات. في تلك الفترة، تبادل العراق وإيران الهجمات على السفن التجارية، مما استدعى تدخلاً عسكرياً أمريكياً واسعاً لحماية ناقلات النفط المحايدة وتأمين تدفق الطاقة.
في العقد الأخير، برزت أهمية المضيق كأداة إيرانية لمواجهة العقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة على برنامجها النووي. ولوحت طهران مراراً بإغلاق الممر المائي أمام الملاحة الدولية، معتبرة أن أمن الخليج وحدة لا تتجزأ، وأن حرمانها من تصدير نفطها سيعني بالضرورة تهديد صادرات الآخرين.
تعتمد إيران في رؤيتها القانونية للمضيق على مفهوم 'المرور البريء'، وهو ما يمنحها حق فرض قوانين صارمة على السفن العابرة لمياهها الإقليمية. وتؤكد طهران أن سيادتها تمتد لـ 12 ميلاً بحرياً من سواحلها، مما يمنحها الذريعة القانونية لاحتجاز السفن التي ترى فيها تهديداً لأمنها القومي.
شهد شهر يونيو من عام 2025 تصعيداً غير مسبوق مع انطلاق عملية 'مطرقة منتصف الليل' الأمريكية، التي استهدفت منشآت نووية إيرانية تحت الأرض. هذا العدوان دفع البرلمان الإيراني للتصويت على إغلاق المضيق، في خطوة هزت أسواق الطاقة العالمية قبل التوصل لاتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار.
عاد التوتر لذروته في 28 فبراير 2026، عقب عدوان إسرائيلي أمريكي واسع النطاق استهدف الأراضي الإيرانية وأدى لاغتيال المرشد الأعلى. هذا التطور الدراماتيكي دفع الحرس الثوري لتنفيذ عمليات عسكرية استهدفت ناقلات النفط في المضيق، مما أدى لشلل شبه كامل في حركة التصدير من دول المنطقة.
أفادت مصادر مطلعة بأن الهجمات الإيرانية الأخيرة استخدمت طائرات مسيرة وصواريخ دقيقة لاستهداف السفن المرتبطة بالولايات المتحدة وحلفائها. وقد أدى هذا التصعيد إلى توقف الصادرات النفطية من العراق والكويت والسعودية والإمارات، وسط قفزات جنونية في أسعار الخام العالمية التي بلغت مستويات قياسية.
على الصعيد الدولي، يدرس الاتحاد الأوروبي حالياً توسيع نطاق مهمة 'أسبيدس' البحرية لتشمل حماية الملاحة في مضيق هرمز. وتأتي هذه التحركات في ظل ضغوط اقتصادية هائلة تمارسها شركات الشحن والتأمين الدولية التي باتت تخشى عبور هذه المنطقة عالية المخاطر دون حماية عسكرية مكثفة.
يرى مراقبون أن الأزمة الحالية في مضيق هرمز تجاوزت كونها نزاعاً إقليمياً لتصبح تهديداً مباشراً لسلاسل التوريد العالمية. إن استمرار استهداف الناقلات يعني دخول الاقتصاد العالمي في نفق مظلم من الركود، خاصة مع فشل الجهود الدبلوماسية حتى الآن في تحييد الممر المائي عن الصراع العسكري.
تصر إيران على أن المضيق سيبقى مغلقاً أمام سفن الدول التي شاركت أو دعمت العدوان الأخير عليها، كنوع من الرد الاستراتيجي. هذا الموقف يضع المجتمع الدولي أمام خيارات صعبة، تتراوح بين التصعيد العسكري لكسر الحصار الإيراني أو الرضوخ لمطالب طهران السياسية والأمنية.
تؤكد التقارير الميدانية أن عشرات السفن التجارية باتت عالقة في مياه الخليج، بانتظار ممرات آمنة أو ضمانات دولية للعبور. وتتزايد المخاوف من وقوع كارثة بيئية في حال استهداف ناقلات نفط عملاقة في هذه المنطقة الضيقة التي لا يتجاوز عرضها الملاحي بضعة كيلومترات.
في نهاية المطاف، يظل مضيق هرمز مرآة تعكس صراع الإرادات الدولية في الشرق الأوسط، حيث تتداخل فيه مصالح الجغرافيا مع طموحات السياسة. إن أي تسوية مستقبلية للأزمة الراهنة يجب أن تضع 'أمن الممرات' كأولوية قصوى لتجنب انهيار اقتصادي عالمي شامل قد لا تحمد عقباه.
المصدر:
القدس