خيمت أجواء الحزن والنزوح على لبنان في أول أيام عيد الفطر المبارك، حيث غابت مظاهر البهجة المعتادة تحت وطأة الغارات الإسرائيلية المتواصلة. وبدلاً من الاحتفالات، انشغل مئات الآلاف من اللبنانيين بالبحث عن مأوى يحميهم من القصف والظروف الجوية القاسية التي زادت من معاناة المشردين قسراً.
وتشير الإحصاءات الميدانية إلى أن العدوان الإسرائيلي الذي استهدف مناطق واسعة في الجنوب والبقاع وصولاً إلى العاصمة بيروت، أسفر عن استشهاد أكثر من 1000 شخص. كما تسببت أوامر الإخلاء العسكرية في تهجير ما يزيد عن مليون مواطن، وجدوا أنفسهم في مراكز إيواء مؤقتة أو في خيام تفتقر لأدنى مقومات الحياة.
في قلب العاصمة بيروت، وتحديداً في محيط مسجد محمد الأمين، افترش النازحون الأرض تحت خيام هشة في محاولة للاحتماء من الأمطار الغزيرة التي تزامنت مع صلاة العيد. وبينما كان المصلون يؤدون شعائرهم، كانت العائلات النازحة تصارع من أجل البقاء جافة تحت قطع من القماش المشمع المعلق بين الشاحنات والسيارات.
وتحدثت سماح حجولا، وهي أم لطفلين تعيش في العراء، عن الفجوة الكبيرة بين أعياد الماضي والواقع الحالي، مشيرة إلى أن أطفالها كانوا يرتدون ثياباً جديدة ويحتفلون في منزلهم. وأكدت أن العيش في خيمة أو حافلة سلب منهم كل معاني العيد، وجعل الذكريات السعيدة تبدو وكأنها تنتمي لزمن بعيد لن يعود.
ولم تخلُ ساعات الصباح من التوتر الأمني، حيث اخترقت الطائرات الحربية الإسرائيلية حاجز الصوت فوق سماء بيروت، مما أحدث دوي انفجارات قوية أثارت الرعب. واعتقد الكثير من السكان والنازحين أن غارات جوية جديدة قد بدأت، مما ضاعف من حالة القلق والاضطراب النفسي في صفوف الأطفال والنساء.
وفي محاولة لكسر حدة الكآبة، نظمت فرق تطوعية عروضاً موسيقية وأنشطة ترفيهية للأطفال داخل المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء. وقام المتطوعون بتوزيع وجبات الطعام وإطلاق البالونات الملونة في فناءات المدارس، سعياً لرسم ابتسامة مؤقتة على وجوه الصغار الذين فقدوا بيوتهم وألعابهم.
ورغم هذه المبادرات الإنسانية، ظل الشعور بالانكسار مسيطراً على كبار السن والبالغين الذين فقدوا أحباءهم وممتلكاتهم في الحرب. وقال عبد الناصر، وهو نازح خمسيني إن العيد قد رحل مع رحيل الحياة الجميلة، مؤكداً أن الحزن على الشهداء والمأساة اليومية للنزوح لا تترك مجالاً لأي شعور بالراحة.
وفي مدينة صيدا الساحلية، بدت الحركة في الشوارع هادئة وحزينة على غير عادة أيام العيد، حيث اقتصرت الطقوس على زيارة القبور وتلاوة القرآن. وأفادت مصادر محلية بأن الكثير من العائلات لم تتمكن حتى من زيارة أضرحة موتاها في القرى الحدودية بسبب العمليات البرية والقصف المستمر.
وعبر سليمان يوسف، أحد سكان الجنوب، عن الغصة التي تسكن قلوب اللبنانيين، موضحاً أن الفرحة ستبقى منقوصة ما دام الأمن مفقوداً والاستقرار غائباً. وأشار إلى أن الناس يتوقون للحظة سلام واحدة تنهي هذا الكابوس وتسمح لهم بالعودة إلى قراهم التي هُجروا منها قسراً تحت تهديد السلاح.
ويبقى المشهد اللبناني في عيد الفطر شاهداً على مأساة إنسانية متصاعدة، حيث تتداخل أصوات التكبيرات مع أزيز الطائرات وصوت الرصاص. ومع استمرار العدوان، يجد النازحون أنفسهم أمام مستقبل مجهول، آملين أن يحمل العيد القادم نهاية لآلامهم وعودة إلى ديارهم التي دمرتها الحرب.
المصدر:
القدس