ترجمة الحدث
بالرغم من التنسيق الوثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب المتواصلة على إيران منذ 19 يوماً، تكشف التقديرات الأميركية عن تباينات غير هامشية بين الطرفين، سواء في سقف الأهداف أو في مستوى الاستعداد لتحمل كلفة التصعيد. هذه الفجوات، وإن لم تنفِ متانة الشراكة العسكرية والسياسية، إلا أنها تشير إلى اختلاف في تصور شكل النهاية المطلوبة للحرب، وحدودها، والنتائج التي ينبغي التوقف عندها.
وبحسب ما أورده موقع "أكسيوس"، يجري الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو اتصالات شبه يومية منذ اندلاع المواجهات، وقد صرّح ترامب بأنهما "يعملان معاً بشكل رائع". لكن هذا الانسجام السياسي المعلن لا يلغي وجود فروقات استراتيجية كامنة، قد تبرز بوضوح أكبر كلما طال أمد الحرب وازدادت تعقيدات الميدان.
تباين في الأهداف وحدود الحرب
تفيد المعطيات التي أوردها "أكسيوس" بأن ترامب يبدو، داخل البيت الأبيض، من أكثر الدافعين نحو مواصلة العمليات، كما أنه يبدو أقرب من بعض مستشاريه إلى تبني "الأهداف القصوى" التي ينشدها نتنياهو. ومع ذلك، نقل الموقع عن ثلاثة من مستشاري الرئيس الأميركي أن ترامب قد يكون أكثر ميلاً لإنهاء العمليات العسكرية بمجرد تحقق الأهداف الأميركية الأساسية، ما يعكس اختلافاً جوهرياً في تصور "نقطة النهاية".
وينعكس هذا التباين أيضاً على طبيعة الأهداف؛ فبينما تركز الولايات المتحدة بصورة شبه حصرية على ضرب الأهداف العسكرية المباشرة —وفي مقدمتها البرنامجان الصاروخي والنووي، وتقويض القدرات البحرية وشبكات التمويل الإقليمي— تبدو إسرائيل أكثر اندفاعاً نحو أهداف أوسع تتجاوز الإضعاف العسكري، لتشمل تنفيذ اغتيالات على مستويات عليا، وتهيئة ظروف سياسية وأمنية قد تفضي في نهاية المطاف إلى تغيير النظام في طهران.
تنسيق ميداني واحتكاك عند "حدود الاستقرار" رغم التنسيق الوثيق بين المؤسستين العسكرية والاستخبارية، تكشف إدارة العمليات ميدانياً عن اختلاف في الأولويات. فبحسب التقرير، ركزت إسرائيل في "الضربة الافتتاحية" على استهداف القيادة الإيرانية، في حين انصبت الضربات الأميركية على منصات الصواريخ والطائرات المسيرة التي تشكل تهديداً مباشراً لقواعدها وقواتها في المنطقة.
كما وسعت إسرائيل نطاق تحركاتها الميدانية إلى ما هو أبعد من الضربات المباشرة، بما في ذلك محاولات تحريك مجموعات عرقية معارضة انطلاقاً من شمال العراق، وهي مساعٍ لم تؤدِّ حتى الآن إلى نتائج ملموسة. ويعكس ذلك رغبة إسرائيلية في توسيع ساحات الضغط، مقابل مقاربة أميركية تحرص على ضبط الإيقاع العسكري ومنع الانزلاق إلى فوضى إقليمية يصعب احتواؤها.
وقد تجلى هذا التباين بوضوح حين استهدفت إسرائيل منشآت لتخزين النفط الإيراني، وهي خطوة أثارت انزعاج واشنطن التي تضع استقرار أسواق الطاقة العالمية ضمن أولوياتها القصوى. ووفقاً لـ "أكسيوس"، طلب البيت الأبيض من إسرائيل عدم تكرار مثل هذه الضربات دون تنسيق مسبق، في مؤشر واضح على اختلاف المقاربات بين تعميق الضغط والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الدولي.
تقارب سياسي وتوترات داخل واشنطن
في خلفية المشهد، تبدو العلاقة الشخصية بين ترامب ونتنياهو في ذروة قوتها، لا سيما بعد مواجهات يونيو/حزيران الماضي التي استمرت 12 يوماً، واعتبرها ترامب نجاحاً كبيراً عزاه لنتنياهو. كما قدم ترامب دعماً سياسياً للأخير في ملفات داخلية، ما عمّق منسوب الثقة المتبادلة.
لكن هذا التقارب لا يحجب الحساسيات داخل الإدارة الأميركية؛ إذ أعادت استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، جو كينت، تسليط الضوء على حجم التوتر الداخلي، وسط اتهامات بأن إسرائيل جرت الولايات المتحدة إلى حرب لم تكن ضرورية. وفي هذا السياق، أقر أحد كبار مستشاري ترامب بوجود إدراك داخل الإدارة لحساسية الانطباع القائل إن واشنطن تنفذ أجندة إسرائيلية.
توازياً مع ذلك، أفادت شبكة "سي بي إس" بأن ترامب لم يحسم بعد قراره بشأن إرسال قوات أميركية للسيطرة على المواد النووية داخل إيران، وهي عملية وصفها الخبراء بأنها "عالية المخاطر". وبحسب الشبكة، يواجه البنتاغون صعوبة في تحديد هيكلية القيادة الحالية في إيران، في وقت وصف فيه ترامب الوضع هناك بأنه "حالة خارجة عن السيطرة".
ومع استمرار النزاع، تزداد التساؤلات حول كيفية إدارة هذه التباينات، خصوصاً بعد إقرار ترامب بأن أهداف إسرائيل قد تكون "مختلفة قليلاً". وفي المقابل، جاء تصريح وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث حازماً، إذ أكد أن واشنطن هي من يحدد الإيقاع وتوقيت النهاية، مشدداً على أن "أهدافنا هي أهدافنا"، في إشارة واضحة إلى تمسك أميركا بسيادة قرارها النهائي.
المصدر:
الحدث