تتصاعد التساؤلات داخل الأوساط السياسية في واشنطن حول القوى المحركة التي دفعت الولايات المتحدة نحو الانخراط في مواجهة عسكرية جديدة مع إيران. وفي هذا السياق، نشرت مجلة 'فورين بوليسي' تحليلاً للأكاديمي المرموق ستيفن وولت، أشار فيه إلى أن هذه الحرب لا تسير وفق التوقعات، مما يفتح الباب أمام محاسبة الجهات التي روجت لها.
يرى وولت أن هناك مؤشرات قوية تدعم الاعتقاد بأن هذه الحرب تُشن بالنيابة عن المصالح الإسرائيلية في المقام الأول. ويستشهد بتصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو التي أكدت أن الإدارة الأمريكية كانت على دراية كاملة بالخطط الإسرائيلية للهجوم، بل واختارت المبادرة بالهجوم رغم توقعها لردود فعل إيرانية ضد القوات الأمريكية.
يشير التحليل إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان المحرك الأساسي لهذا التوجه، حيث مارس ضغوطاً مكثفة لأشهر طويلة لجر واشنطن إلى الصراع. ورافق ذلك حملة إعلامية من محللين مؤيدين لإسرائيل، مثل بريت ستيفنز، الذين دأبوا على الدعوة لضرب إيران وتبرير العمليات العسكرية الحالية.
يوضح وولت ضرورة تعريف 'اللوبي الإسرائيلي' بدقة، مؤكداً أنه ليس كياناً دينياً أو عرقياً، بل هو تحالف سياسي يضم أفراداً وجماعات تهدف للحفاظ على 'علاقة خاصة' مع إسرائيل. هذه العلاقة تضمن تقديم دعم عسكري ودبلوماسي غير مشروط لتل أبيب، بغض النظر عن تداعيات سياساتها على المصالح الأمريكية.
شدد الكاتب على خطورة تحميل اليهود الأمريكيين ككل مسؤولية هذه الحرب، واصفاً ذلك بالخطأ التحليلي والأخلاقي. وأوضح أن استطلاعات الرأي التاريخية أثبتت أن اليهود الأمريكيين غالباً ما يكونون أقل حماساً للحروب في الشرق الأوسط مقارنة بغيرهم، كما حدث في حرب العراق عام 2003.
انتقد وولت بشدة بعض المعاهد الإسرائيلية التي تنشر استطلاعات رأي تزعم تأييد أغلبية اليهود الأمريكيين للحرب الحالية، معتبراً إياها نتائج 'مزيفة' ومستقاة من عينات غير ممثلة. وحذر من أن مثل هذه التقارير غير المسؤولة تساهم في تأجيج مشاعر معاداة السامية التي يسعى الجميع لتجنبها.
في المقابل، برزت أصوات يهودية أمريكية معارضة للحرب بقوة، مثل منظمة 'جيه ستريت' الليبرالية، وحركات تقدمية أخرى كـ 'الصوت اليهودي من أجل السلام'. هذه الجماعات أصدرت بيانات رسمية تدين التصعيد العسكري وتدعو إلى حلول دبلوماسية بدلاً من الانجرار إلى صراعات دموية جديدة.
يحمل التحليل الرئيس دونالد ترامب المسؤولية المباشرة عن اتخاذ قرار الحرب، تماماً كما فعل جورج بوش الابن في العراق. ويرى وولت أن ترامب محاط بدائرة من المستشارين والموالين الذين يضعون مصالح إسرائيل في مقدمة أولوياتهم، مما أثر بشكل حاسم على صياغة السياسة الخارجية الحالية.
تبرز أسماء مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف ومايك هاكابي كأعمدة أساسية في الإدارة الحالية تدعم التوجهات الإسرائيلية بشكل مطلق. هؤلاء المسؤولون، إلى جانب ماركو روبيو، يمثلون تياراً يرى في حماية إسرائيل ركيزة أساسية، وغالباً ما يرتبطون بعلاقات وثيقة مع كبار المتبرعين المؤيدين لتل أبيب.
لعب المال السياسي دوراً محورياً في هذا المشهد، حيث أشار وولت إلى تأثير ميريام أديلسون، أكبر متبرعة في الانتخابات الأخيرة. وقد اعترف ترامب علناً بتقديره لدور عائلة أديلسون، مما يعكس مدى تغلغل نفوذ كبار الممولين في توجيه قرارات الحرب والسلم في الإدارة الأمريكية.
لم تكن الحرب وليدة اللحظة، بل هي نتاج سنوات من عمل جماعات ضغط مثل 'أيباك' ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات. هذه الجهات عملت بشكل دؤوب على تشويه صورة إيران وإفشال أي محاولات سابقة لتحسين العلاقات، بما في ذلك الضغط لإلغاء الاتفاق النووي عام 2018 رغم التزام طهران به.
يرى وولت أن تمكين نتنياهو من ممارسة 'قيادة متهورة' في المنطقة كان نتيجة مباشرة لعدم قدرة الرؤساء الأمريكيين على ممارسة ضغوط حقيقية على إسرائيل. هذا الوضع سمح لتل أبيب بتوسيع رقعة استهدافاتها لتشمل غزة ولبنان وسوريا واليمن، وصولاً إلى المواجهة المباشرة مع إيران.
رغم أن الإدارة الأمريكية انخرطت في هذه الحرب 'طواعية وبحماس'، إلا أن دور اللوبي في تهيئة البيئة السياسية والدفاع عن 'العلاقة الخاصة' لا يمكن تجاهله. فبدون هذا الغطاء السياسي والمؤسساتي، كان من الصعب على واشنطن تبرير تورطها في صراعات مكلفة بعيدة عن حدودها.
يختتم وولت تحليله بالدعوة إلى محاسبة المسؤولين عن هذه 'الكارثة'، بدءاً من رأس الهرم وصولاً إلى أصغر المخططين. ويؤكد أن أمريكا ستظل تبدو كـ 'متنمر متوحش' في الساحة الدولية ما لم يتم تقليص نفوذ جماعات الضغط والوصول إلى علاقة طبيعية ومتوازنة مع إسرائيل تخدم المصالح الأمريكية الحقيقية.
المصدر:
القدس