آخر الأخبار

المسجد الأقصى مغلق في عيد الفطر لأول مرة منذ 1967

شارك



القدس- محمد أبو خضير- وكالات-
في مشهد حزين ومؤلم، يودع المقدسيون شهر رمضان المبارك هذا العام، ليس ككل الأعوام، بل بقلوب مثقلة بالغصة والعيون دامعة على فراق المسجد الأقصى المبارك. فبعد إغلاق دام لأيام طويلة شملت الجمعة الأخيرة وليلة القدر والعشر الأواخر، تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي فرض إجراءاتها المشددة بإغلاق المسجد الأقصى بشكل كامل أمام المصلين، محرمة عشرات الآلاف من أداء صلاة عيد الفطر السعيد في رحاب القبلة الأولى للمسلمين، في قرار وُصف بالجائر والتعسفي.
منذ اللحظات الأولى لشن الاحتلال الإسرائيلي عدوانه على إيران، استغل هذا التصعيد العسكري ذريعة لفرض إجراءات استثنائية في مدينة القدس المحتلة. وأعلنت سلطات الاحتلال حالة الطوارئ، وبدأت منذ السبت الأسود بإغلاق المسجد الأقصى المبارك بشكل كامل، ومنعت الصلوات الخمس والجمعة والتراويح والاعتكاف. ويأتي هذا القرار ليمدد حتى الأربعاء المقبل، ليشمل أول أيام عيد الفطر، في حرمان غير مسبوق للمصلين من أداء الشعائر الدينية في أهم أيام السنة.
انتهاك صارخ لاتفاق الوضع القائم
يشكل قرار الإغلاق انتهاكاً صارخاً لاتفاق الوضع القائم في المسجد الأقصى المبارك، المعمول به منذ احتلال القدس عام 1967. فالمسجد الأقصى يتبع إدارياً لدائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية، ويحق للمسلمين وحدهم الصلاة فيه. وأكدت مصادر في دائرة الأوقاف الإسلامية أن سلطات الاحتلال أغلقت المسجد بشكل تعسفي، ولم تسمح إلا لخمسة موظفين فقط من حراس وسدنة المسجد بالدخول.
وقد حذرت محافظة القدس من تصعيد خطير في التحريض الذي تقوده الجماعات المتطرفة بحق المسجد الأقصى، مؤكدة أن "ما يحدث لا يمكن اعتباره إجراءات أمنية مؤقتة، بل يندرج ضمن أجندة سياسية وأيديولوجية تهدف إلى تغيير الوضع القائم الديني والتاريخي والقانوني في المسجد الأقصى المبارك". وأشارت إلى أن هذا الإغلاق يمثل المرة الأولى منذ عام 1967 التي تُمنع فيها صلاة التهجد والاعتكاف في المسجد الأقصى.
آلاف المصلين يصلون في الشوارع والأسوار.. والاحتلال يفرقهم بالضرب
ورغم قرار الإغلاق الجائر، يصر المرابطون والمرابطات من أبناء القدس وفلسطينيي الداخل (48) على الوصول إلى أقرب نقطة من المسجد الأقصى. فمنذ أكثر من أسبوع، يتوافد المصلون إلى أبواب البلدة القديمة، في باب الساهرة وباب العامود وفي فناء سوق المصرارة وعند الأبواب الخارجية للمسجد الأقصى، يؤدون صلوات المغرب والعشاء والتراويح في تحدٍ صامد لقرار الاحتلال.
لكن قوات الاحتلال تفرق هذه التجمعات الإيمانية بوحشية. فقد فرقت مساء أمس حشداً كبيراً من المصلين في منطقة المصرارة قرب باب العامود، مستخدمة الهراوات والضرب المبرح والقنابل الصوتية لليوم الثالث على التوالي، ومنعتهم من إكمال صلاتهم. وتواصل قوات الاحتلال حصارها للمصلين وتراقبهم عن بعد، وتعتقل بشكل انتقائي من ترى فيه الخشوع والإصرار على الوصول إلى الأقصى.
إغلاق الأقصى في ليلة القدر جريمة
أثار إغلاق المسجد الأقصى في ليلة السابع والعشرين من رمضان، والتي تعتقد أنها ليلة القدر المباركة، موجة استنكار واسعة في العالمين العربي والإسلامي. ووصفت مصادر فلسطينية ودينية هذا الإغلاق بأنه "صدمة موجعة لكل قلب مسلم، ورمز صارخ لاستمرار الخضوع للأعداء والاحتلال رغم كل الدعوات والحقوق الثابتة".
وكانت هيئة الأمم المتحدة، التي لا تعترف بضم الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية، قد أدانت في مناسبات سابقة أي محاولة لتغيير الوضع القائم في المدينة المقدسة. كما أدانت منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية مراراً الاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة، واعتبرتها انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
ضرب اقتصادي واجتماعي في أهم شهور السنة
لم يقتصر العدوان على الجانب الديني فقط، بل امتد ليطال النسيج الاقتصادي والاجتماعي لمدينة القدس العربية المحتلة. فشهر رمضان المبارك كان يشكل موسماً حيوياً للتجارة والاقتصاد المقدسي، حيث تنشط الأسواق وتزدهر حركة البيع والشراء مع توافد آلاف المصلين من داخل الخط الأخضر ومن المدن الفلسطينية الأخرى.
إغلاق المسجد الأقصى ومنع المصلين من الوصول إليه يعني ضربة قاسية لأصحاب المحال التجارية والتجار والباعة المتجولين الذين كانوا يعتمدون على هذا الموسم لتحسين أوضاعهم الاقتصادية. كما أن منع صلاة العيد يحرم العائلات المقدسية من بهجة العيد وتواصلها الاجتماعي المعتاد، حيث كانت صلاة العيد في الأقصى تشكل ملتقى للأحبة والأهل والأصدقاء.
تاريخ من الإغلاقات: من "هبة السكاكين" إلى توظيف الأوبئة والحروب
لم يكن إغلاق المسجد الأقصى في رمضان 2025 حدثاً معزولاً، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من محاولات الاحتلال لفرض سيادته على المقدسات الإسلامية. وفي هذا السياق، قال زياد ابحيص، مدير مركز القدس الدولي، في تصريح خاص لـ(القدس): "أُغلق المسجد الأقصى أربع مرات في السنوات القريبة الماضية، الأولى في 2015 حين حاول الاحتلال فرض إغلاق الأقصى أمام المسلمين في الأعياد اليهودية وتخصيصه للمستوطنين، فانطلقت هبة السكاكين واضطر الاحتلال لسحب تلك الفكرة، بل وتوقف عن اقتحامات أعضاء الحكومة والكنيست لمدة عامين تقريباً".
وأضاف ابحيص: "الثانية في 2017 عقب عملية أبناء الجبارين الثلاثة، حين حاول الاحتلال فرض البوابات الإلكترونية، لكنه اضطر للتراجع عنها وتفكيكها بعد أسبوعين من الغضب الشعبي. أما في 2020 فقد أعلن مجلس الأوقاف تعليق الصلاة في الأقصى بسبب وباء كورونا، ثم ضغط الاحتلال لتمديد هذا الإغلاق حتى ما بعد رمضان والعيد ليوظف الوباء لعزل الأقصى، تماماً كما يوظف الحرب الآن".
وتابع ابحيص كاشفاً تبعات تلك السياسة: "ولأن الاحتلال تُرك ليملي الضغوط، فقد فرض فتح الأقصى في يوم أحد بخلاف ما تقتضيه طبيعة الحال بأن يفتح الجمعة، وفرض فتحه يوم الأحد 31-5-2020 حتى يؤكد أنه بات مقدساً مشتركاً، وأن المستوطنين يقتحمونه بعد ساعتين فقط من دخول المسلمين، وتم له ذلك بكل أسف وأسى".
الإغلاق الرابع.. واستباحة جديدة
ويؤكد ابحيص أن ما يجري الآن هو الإغلاق الرابع، قائلاً: "في 2025 كان الإغلاق الرابع في حرب الإثني عشر يوماً على إيران، حيث أغلق الأقصى صباح الجمعة 13-6 وبقي مغلقاً حتى مغرب يوم 25-6-2025. ولأن الاحتلال هو من أملى شروط فتحه، فقد قرر بن غفير في اليوم التالي مباشرة، في 26-6-2025، أن يأمر شرطة الاحتلال بتمكين المقتحمين من الرقص والغناء والتصفيق والصراخ في الأقصى، فحول الأقصى من ساحة مستهدفة بالطقوس إلى ساحة مناسبات اجتماعية للمستوطنين، وهو ما أدى لاستباحة كاملة للأقصى ولقدسيته في الاقتحامات التالية".
ويختتم ابحيص تصريحه بسؤال تحذيري: "فهل ننتظر أن يقرر الاحتلال فتح الأقصى بإرادته فيقرر وقتاً جديداً للاقتحامات، أو يقرر تقسيم ساحة الأقصى بين المصلين والمستوطنين المقتحمين؟!".
في الختام، يبقى المسجد الأقصى المبارك شاهداً على معاناة شعب أعزل يتعرض لأبشع أشكال القمع والتنكيل، بينما يصمت العالم ويتفرج. وتبقى قلوب الملايين من المسلمين معلقة بالقدس والأقصى، داعية الله أن يعيده لأهله ومصليه عاجلاً غير آجل.


القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا