القدس- محمد أبو خضير- وكالات- في مشهد حزين ومؤلم، يودع المقدسيون شهر رمضان المبارك هذا العام، ليس ككل الأعوام، بل بقلوب مثقلة بالغصة والعيون دامعة على فراق المسجد الأقصى المبارك. فبعد إغلاق دام لأيام طويلة شملت الجمعة الأخيرة وليلة القدر والعشر الأواخر، تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي فرض إجراءاتها المشددة بإغلاق المسجد الأقصى بشكل كامل أمام المصلين، محرمة عشرات الآلاف من أداء صلاة عيد الفطر السعيد في رحاب القبلة الأولى للمسلمين، في قرار وُصف بالجائر والتعسفي.
انتهاك صارخ لاتفاق الوضع القائم
يشكل قرار الإغلاق انتهاكاً صارخاً لاتفاق الوضع القائم في المسجد الأقصى المبارك، المعمول به منذ احتلال القدس عام 1967. فالمسجد الأقصى يتبع إدارياً لدائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية، ويحق للمسلمين وحدهم الصلاة فيه. وأكدت مصادر في دائرة الأوقاف الإسلامية أن سلطات الاحتلال أغلقت المسجد بشكل تعسفي، ولم تسمح إلا لخمسة موظفين فقط من حراس وسدنة المسجد بالدخول.
آلاف المصلين يصلون في الشوارع والأسوار.. والاحتلال يفرقهم بالضرب
ورغم قرار الإغلاق الجائر، يصر المرابطون والمرابطات من أبناء القدس وفلسطينيي الداخل (48) على الوصول إلى أقرب نقطة من المسجد الأقصى. فمنذ أكثر من أسبوع، يتوافد المصلون إلى أبواب البلدة القديمة، في باب الساهرة وباب العامود وفي فناء سوق المصرارة وعند الأبواب الخارجية للمسجد الأقصى، يؤدون صلوات المغرب والعشاء والتراويح في تحدٍ صامد لقرار الاحتلال.
إغلاق الأقصى في ليلة القدر جريمة
أثار إغلاق المسجد الأقصى في ليلة السابع والعشرين من رمضان، والتي تعتقد أنها ليلة القدر المباركة، موجة استنكار واسعة في العالمين العربي والإسلامي. ووصفت مصادر فلسطينية ودينية هذا الإغلاق بأنه "صدمة موجعة لكل قلب مسلم، ورمز صارخ لاستمرار الخضوع للأعداء والاحتلال رغم كل الدعوات والحقوق الثابتة".
ضرب اقتصادي واجتماعي في أهم شهور السنة
لم يقتصر العدوان على الجانب الديني فقط، بل امتد ليطال النسيج الاقتصادي والاجتماعي لمدينة القدس العربية المحتلة. فشهر رمضان المبارك كان يشكل موسماً حيوياً للتجارة والاقتصاد المقدسي، حيث تنشط الأسواق وتزدهر حركة البيع والشراء مع توافد آلاف المصلين من داخل الخط الأخضر ومن المدن الفلسطينية الأخرى.
تاريخ من الإغلاقات: من "هبة السكاكين" إلى توظيف الأوبئة والحروب
لم يكن إغلاق المسجد الأقصى في رمضان 2025 حدثاً معزولاً، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من محاولات الاحتلال لفرض سيادته على المقدسات الإسلامية. وفي هذا السياق، قال زياد ابحيص، مدير مركز القدس الدولي، في تصريح خاص لـ(القدس): "أُغلق المسجد الأقصى أربع مرات في السنوات القريبة الماضية، الأولى في 2015 حين حاول الاحتلال فرض إغلاق الأقصى أمام المسلمين في الأعياد اليهودية وتخصيصه للمستوطنين، فانطلقت هبة السكاكين واضطر الاحتلال لسحب تلك الفكرة، بل وتوقف عن اقتحامات أعضاء الحكومة والكنيست لمدة عامين تقريباً".
وأضاف ابحيص: "الثانية في 2017 عقب عملية أبناء الجبارين الثلاثة، حين حاول الاحتلال فرض البوابات الإلكترونية، لكنه اضطر للتراجع عنها وتفكيكها بعد أسبوعين من الغضب الشعبي. أما في 2020 فقد أعلن مجلس الأوقاف تعليق الصلاة في الأقصى بسبب وباء كورونا، ثم ضغط الاحتلال لتمديد هذا الإغلاق حتى ما بعد رمضان والعيد ليوظف الوباء لعزل الأقصى، تماماً كما يوظف الحرب الآن".
وتابع ابحيص كاشفاً تبعات تلك السياسة: "ولأن الاحتلال تُرك ليملي الضغوط، فقد فرض فتح الأقصى في يوم أحد بخلاف ما تقتضيه طبيعة الحال بأن يفتح الجمعة، وفرض فتحه يوم الأحد 31-5-2020 حتى يؤكد أنه بات مقدساً مشتركاً، وأن المستوطنين يقتحمونه بعد ساعتين فقط من دخول المسلمين، وتم له ذلك بكل أسف وأسى".
الإغلاق الرابع.. واستباحة جديدة
ويؤكد ابحيص أن ما يجري الآن هو الإغلاق الرابع، قائلاً: "في 2025 كان الإغلاق الرابع في حرب الإثني عشر يوماً على إيران، حيث أغلق الأقصى صباح الجمعة 13-6 وبقي مغلقاً حتى مغرب يوم 25-6-2025. ولأن الاحتلال هو من أملى شروط فتحه، فقد قرر بن غفير في اليوم التالي مباشرة، في 26-6-2025، أن يأمر شرطة الاحتلال بتمكين المقتحمين من الرقص والغناء والتصفيق والصراخ في الأقصى، فحول الأقصى من ساحة مستهدفة بالطقوس إلى ساحة مناسبات اجتماعية للمستوطنين، وهو ما أدى لاستباحة كاملة للأقصى ولقدسيته في الاقتحامات التالية".
ويختتم ابحيص تصريحه بسؤال تحذيري: "فهل ننتظر أن يقرر الاحتلال فتح الأقصى بإرادته فيقرر وقتاً جديداً للاقتحامات، أو يقرر تقسيم ساحة الأقصى بين المصلين والمستوطنين المقتحمين؟!".
في الختام، يبقى المسجد الأقصى المبارك شاهداً على معاناة شعب أعزل يتعرض لأبشع أشكال القمع والتنكيل، بينما يصمت العالم ويتفرج. وتبقى قلوب الملايين من المسلمين معلقة بالقدس والأقصى، داعية الله أن يعيده لأهله ومصليه عاجلاً غير آجل.
المصدر:
القدس