آخر الأخبار

حرب الجزر: صراع على قطاع الطاقة العالمية

شارك

د. دلال عريقات: آبار النفط ذاتها ليست هدفاً حالياً لأن ضربها قد يؤدي إلى تصعيد اقتصادي عالمي يصعب ضبطه وقد يدفع دول الخليج إلى المواجهة
جهاد حرب: الهدف التحكم بتصدير النفط الإيراني خاصةً جزيرة خرج التي تُعد المنفذ الأهم لصادرات النفط البالغة نحو 90% من صادرات البلاد النفطية
نهاد أبو غوش: استهداف الجزر يمثل حلقة جديدة من التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي المتدرج بعد فشل أهداف الحرب والمتمثلة في إسقاط النظام الإيراني
د. رائد الدبعي: التلويح بإمكانية استهداف البنى النفطية يعكس معادلة ردع تقوم على ضربات محدودة يقابلها تهديد متبادل باستهداف قطاع الطاقة
نبهان خريشة: استهداف جزيرة خرج عقدة الطاقة الرئيسية لإيران قد يدفعها إلى تبني استراتيجية "الأرض المحروقة" في سوق الطاقة العالمية
محمد هواش: توقف إنتاج النفط أو الصناعات البتروكيماوية المرتبطة به قد يتسبب بأزمات في الزراعة والتوريدات الغذائية العالمية ما يحول دون تعمد استهدافها

رام الله - خاص ب"القدس"-

تشير التطورات الأخيرة في منطقة الخليج وإيران إلى أن الهجمات العسكرية تركز حالياً على موانئ التصدير والممرات البحرية، التي كان آخرها الضربات الأمريكية الإسرائيلية على جزيرة خرج، بعيداً عن استهداف آبار النفط مباشرة، في محاولة للضغط الاقتصادي دون التسبب بأزمة طاقة عالمية واسعة، لكن ذلك يأتي وسط مخاوف من أن تمتد الحرب إلى إمدادات النفط والطاقة.
وبحسب كتاب ومحللين سياسيين ومختصين وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "ے"، فقد أظهرت الأحداث الأخيرة، مثل قصف جزيرة خرج وحريق الفجيرة، أن الأطراف المتحاربة تعتمد على استراتيجيات تصعيد مدروسة توازن بين الضغط العسكري والتحكم في إمدادات النفط.
ووفق الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات، تتمثل أهداف التصعيد في تعطيل سلاسل التصدير وإحداث تأثير اقتصادي ملموس دون المساس بالبنية الإنتاجية، حيث يتركز الاهتمام على المرافئ وخزانات التخزين وخطوط الضخ، مع الحفاظ على المنشآت النفطية الرئيسة.
ويشيرون إلى أن السيطرة على مواقع مثل جزيرة خرج تنظر إليها الولايات المتحدة على أنها مفتاح للسيطرة على صادرات النفط الإيراني، ما يمنحها قدرة على التأثير في الأسواق العالمية، مع مراعاة أن أي استهداف مباشر للحقول قد يؤدي إلى تصعيد لا يمكن السيطرة عليه.
ويرون أن الهجمات تمثل جزءاً من مرحلة انتقالية في الصراع الإقليمي، تعكس التحولات في بنية النظام في الشرق الأوسط.
ويشيرون إلى أن صمود إيران أمام الضربات العسكرية المحدودة واستراتيجياتها الدفاعية يؤكد أن الحرب قد تتحول إلى صراع استنزاف طويل، يرفع كلفة التدخل على الأطراف المعتدية، ويؤكد قدرة طهران على حماية مصالحها الحيوية مع الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة العالمية.



إمكانية توسع الحرب

تحذّر أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية د. دلال عريقات من أن الحرب الدائرة في المنطقة قد تشهد توسعاً يستهدف منشآت الطاقة والنفط، لكنها ترجّح في المرحلة الحالية أن تبقى الهجمات في إطار ضربات انتقائية ضمن "الحرب الاقتصادية"، بدلاً من التوجه نحو تدمير شامل لآبار النفط.
وتوضح عريقات أن المؤشرات الأولية لهذا النمط من التصعيد ظهرت عقب قصف جزيرة خرج، إذ سُجل هجوم بطائرة مسيّرة وحريق بالفجيرة في الإمارات العربية المتحدة، تزامن مع توقف جزئي لبعض عمليات التحميل، في وقت لوّح فيه الحرس الثوري الإيراني باستهداف بنى مرتبطة بمصالح وحلفائها في المنطقة.

آبار النفط ليست هدفاً بحد ذاتها

وبحسب عريقات، فإن آبار النفط ذاتها ليست الهدف الأول في هذه المرحلة، لأن ضربها قد يؤدي إلى تصعيد اقتصادي عالمي يصعب ضبطه، وقد يدفع دول الخليج إلى الانخراط عسكرياً في المواجهة.
وترى عريقات أن أهدافاً مثل المرافئ النفطية وخزانات التخزين وخطوط التصدير ومحطات الضخ والمصافي تعد أكثر جدوى عسكرية وسياسية بالنسبة للأطراف المتحاربة، لأنها تؤثر مباشرة في قدرة التصدير دون تدمير شامل للبنية الإنتاجية.
وتشير عريقات إلى أن إغلاق أو شبه إغلاق مضيق هرمز قد يحقق تأثيراً واسعاً على سوق الطاقة العالمية حتى دون استهداف الحقول النفطية، لافتة إلى أن تدفقات النفط عبر المضيق تعطلت بشدة، وهو ممر يمر عبره عادة نحو خُمس تجارة النفط والغاز المسال في العالم.

سيناريوهات خمسة

وتعرض عريقات خمسة سيناريوهات رئيسية بعد قصف جزيرة خرج، أولها سيناريو "الاحتواء المضبوط"، حيث تستمر الضربات المتبادلة مع حرص نسبي على عدم تدمير البنية النفطية الإيرانية والخليجية بالكامل، وهو ما يتقاطع مع الرواية الأمريكية التي تحدثت عن استهداف مواقع عسكرية مع الحفاظ على المنشآت النفطية.
أما السيناريو الثاني وفق عريقات، فيتمثل في انتقال المواجهة إلى حرب موانئ وممرات بحرية تشمل منشآت مثل الفجيرة والرويس وجبل علي، إضافة إلى استهداف ناقلات النفط، بهدف شل التصدير والتأمين والشحن بدلاً من تدمير الآبار.
ويقوم السيناريو الثالث بحسب عريقات، على احتمال توجيه ضربة اقتصادية كبرى، في حال تعرضت خزانات ومنشآت التحميل في جزيرة خرج لأضرار واسعة قد تؤدي إلى خروج ما بين مليون ومليوني برميل يومياً من الإمدادات الإيرانية من السوق العالمية.
وتشير عريقات إلى أن السيناريو الرابع يتمثل في توسيع رقعة المواجهة جغرافياً لتشمل دولاً خليجية تستضيف قواعد أو مصالح أمريكية، في ظل تقارير عن هجمات أو تهديدات طالت الإمارات ودولاً أخرى منذ بداية الحرب.
أما السيناريو الخامس وفق عريقات، فيتعلق بإمكانية حدوث انعطافة سياسية تحت ضغط الأسواق العالمية، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة، إذ تشير تقديرات مالية إلى احتمال وصول سعر خام برنت إلى نحو 85 دولاراً وربما 100 دولار إذا استمر تعطل الإمدادات عبر هرمز لأسابيع إضافية.

الضغط على الشريان الاقتصادي لإيران

وترى عريقات أن قصف جزيرة خرج نقل المواجهة من مستوى الردع العسكري إلى مستوى الضغط على الشريان الاقتصادي لإيران، ما يطرح سؤالاً جديداً حول موقع الضربة المقبلة في خريطة الطاقة الإقليمية.
وترجح أن يتركز التصعيد المقبل على مرافئ التصدير والمصافي والناقلات وممرات العبور البحرية.
وتعتقد عريقات أن التصعيد الحالي لا يقتصر على الصراع بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بل يعكس مرحلة انتقالية في بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، محذرة من أن التحولات الجارية قد تدفع بالقضية الفلسطينية إلى هامش الاهتمام الدولي، رغم استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بوصفه أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار في المنطقة.

صراع على النفط الإيراني

يرى الكاتب والمحلل السياسي جهاد حرب أن التصعيد العسكري المتعلق بالجزر والممرات البحرية في منطقة الخليج لا يرتبط بالجزر بحد ذاتها بقدر ما يعكس صراعاً أوسع على مصادر الطاقة العالمية، وفي مقدمتها النفط الإيراني. ويشير حرب إلى أن القراءة الاستراتيجية للأحداث توحي بأن الهدف الحقيقي يتمثل في محاولة التحكم بمفاتيح تصدير النفط الإيراني، خاصة عبر جزيرة خرج التي تُعد المنفذ الأهم لصادرات النفط الإيرانية، إذ تمر عبرها نحو 90% من صادرات البلاد النفطية.

ترمب والسيطرة على موارد الطاقة العالمية

ويشير حرب إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يسعى، وفق هذا المنظور، إلى توسيع السيطرة على موارد الطاقة العالمية، خاصة بعد ما يعتبره مراقبون تعزيزاً للنفوذ الأمريكي في قطاع النفط في فنزويلا.
وبحسب حرب، فإن المهمة المحتملة وفق هذا المنظور، لقوات المارينز قد تتمثل في فرض السيطرة على جزيرة خرج، ما يمنح واشنطن قدرة مباشرة على التحكم بتدفقات النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية.
ويؤكد حرب أن مثل هذه الخطوة، إذا تحققت، قد تمنح الولايات المتحدة قدرة أكبر على التأثير في حجم المعروض النفطي عالمياً، وهو ما قد ينعكس على التوازنات الاقتصادية الدولية، بما في ذلك علاقاتها مع حلفائها في المنطقة العربية، في ظل استمرار العقوبات المفروضة على صادرات الطاقة الروسية.
ويرى حرب أن السيطرة المحتملة على الجزيرة، إلى جانب التحكم بالملاحة في مضيق هرمز، قد تجعل دولاً كبرى مثل روسيا والصين أكثر عرضة للتأثر بالسياسات الأمريكية المتعلقة بإمدادات النفط، نظراً لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من الخليج.

حلقة جديدة من التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي

يرى الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش أن ما يُعرف إعلامياً بـ"حرب الجزر" في إيران، ولا سيما استهداف جزيرة خرج والتخطيط لاستهداف جزر أخرى، يمثل حلقة جديدة من التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي المتدرج، بعد فشل الأهداف الأولى للحرب والمتمثلة في إسقاط النظام الإيراني أو القضاء على قدراته العسكرية، ما دفعهما إلى توسيع نطاق الاستهداف ليطال البنى المدنية والمنشآت الاقتصادية ومرافق الدولة الإيرانية.
ويشير أبو غوش إلى أن المبرر الذي قدمته إسرائيل ورددته واشنطن يتمثل في ادعاء استخدام هذه المنشآت لأغراض عسكرية، وهو التبرير نفسه الذي استخدمته إسرائيل في حربها على قطاع غزة عندما استهدفت المدارس والجامعات والمستشفيات والبنية التحتية للكهرباء والمياه والصرف الصحي، كما كررته أيضاً في عمليات التدمير التي طالت مؤسسات اقتصادية وجسوراً في لبنان.

إخفاق الأهداف الأساسية

وبحسب أبو غوش، فإن اتساع دائرة الحرب يعكس إخفاق الأهداف الأساسية التي وضعتها إسرائيل والولايات المتحدة في بداية المواجهة، ما دفعهما إلى محاولة تحميل المجتمع الإيراني ككل كلفة الصمود، على أمل أن يؤدي تصاعد الخسائر الاقتصادية والإنسانية إلى تأجيج التوترات الداخلية وإضعاف النظام.
ويلفت أبو غوش إلى تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي تحدث فيها صراحة عن أن إسرائيل والولايات المتحدة تمهدان الطريق أمام الشعب الإيراني للتحرك ضد النظام.
ويشير أبو غوش إلى أن بعض التحليلات الغربية أعادت التذكير بتصريحات قديمة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب تعود إلى عام 1988، دعا فيها إلى السيطرة على جزيرة خرج بسبب أهميتها الاستراتيجية، معتبراً منذ ذلك الوقت أن إيران تمثل خطراً على الولايات المتحدة، ضمن أطماع ترمب ومحاولاته للسيطرة على مقدرات دول عدة، معتبراً أن ذلك يعكس توجهاً لدى اليمين الأمريكي المحافظ لإعادة تشكيل النظام العالمي وفق موازين القوة العسكرية.

إيران واحتواء الضربة

ويؤكد أبو غوش أن إيران تمكنت حتى الآن من احتواء الضربة التي استهدفت عدداً من قياداتها السياسية والعسكرية والدينية، كما واصلت الرد عبر استهداف مواقع إسرائيلية وقواعد عسكرية أمريكية في المنطقة، مشيراً إلى أن طهران أعلنت نجاحها في ضرب محطات رادار وقواعد بحرية ومواقع تستخدمها القوات الجوية الأمريكية.
ويحذر أبو غوش من مخاطر اتساع المواجهة، خاصة إذا نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في دفع بعض دول الخليج إلى تبني رؤية تعتبر إيران الخطر المركزي، لكنه يشير في ذات الوقت، إلى وجود أصوات عربية تدرك أن الحرب تخدم الطموحات التوسعية لإسرائيل.
ويشير أبو غوش إلى أن مصلحة إيران تكمن في تجنب أي تصعيد إضافي مع دول المنطقة، وهو ما يتقاطع أيضاً مع مصلحة القوى الشعبية العربية الساعية إلى حماية السيادة الوطنية وعدم الانجرار إلى ما يصفه بالفخ الإسرائيلي.

جزيرة خرج ودورها الحيوي

يعتبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية د. رائد الدبعي أن ما يُوصف بـ"حرب الجزر" في الخليج يمثل أحد أدوات التصعيد المدروس والضغط الاستراتيجي في الحرب الجارية، مشيراً إلى أن استهداف جزيرة خرج يشكل تطوراً مهماً.
ويوضح الدبعي أن أهمية جزيرة خرج تكمن في دورها الحيوي في منظومة تصدير وتخزين النفط الإيراني، وتعد مركزاً رئيسياً لتحميل ناقلات النفط العملاقة المتجهة إلى الأسواق العالمية.
ويشير الدبعي إلى أن الجزيرة تمتلك أيضاً بعداً عسكرياً واضحاً، إذ تحتوي على أنظمة دفاع جوي وقواعد عسكرية وبنية أمنية لحماية منشآت الطاقة، ما يجعلها نقطة استراتيجية في معادلة الأمن والطاقة في الخليج.
ويلفت الدبعي إلى أن استهداف جزيرة خرج ليس سابقة تاريخية، إذ تعرضت لهجمات خلال الحرب العراقية الإيرانية.

حرب تطول الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة

ويبيّن الدبعي أن تأثير ما يُعرف بـ"حرب الجزر" يمتد إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، إذ إن أي تعطيل لصادرات النفط عبر الجزيرة قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط عالمياً، فضلاً عن احتمال ردود فعل إيرانية قد تشمل تصعيداً عسكرياً في الخليج أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز، ما قد يخلق صدمة نفطية عالمية تذكّر بأزمة الطاقة الكبرى عام 1973 وإن كانت في سياق مختلف.
ويرى الدبعي أن استهداف مواقع عسكرية ومنشآت مرتبطة بالبنية الدفاعية والصاروخية في الجزيرة، دون المساس المباشر بمنشآت النفط حتى الآن، يعكس نمطاً من التصعيد المحسوب الذي يهدف إلى ممارسة الضغط.
ويشير الدبعي إلى أن التلويح المتبادل بين طهران وواشنطن بإمكانية استهداف البنى النفطية يعكس معادلة ردع متبادل تقوم على ضربات عسكرية محدودة يقابلها تهديد متبادل باستهداف قطاع الطاقة.

عدم دقة الانتصار الحاسم لترمب

ويرى الدبعي أن استهداف جزيرة خرج يؤكد عدم دقة تصريحات ترمب بشأن تحقيق "انتصار حاسم" على إيران، لأن استهداف موقع استراتيجي بهذا الحجم يدل على أن إيران ما زالت تمتلك هامشاً من القدرة على الصمود والمناورة الاستراتيجية.

إمكانية اندلاع حرب على الطاقة

ويشير الدبعي إلى أن السيناريوهات المحتملة بعد قصف الجزيرة تتراوح بين استمرار الصراع في إطار الردع المتبادل تمهيداً لمسار تفاوضي جديد، أو تحوله إلى حرب بحرية وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وصولاً إلى احتمال اندلاع "حرب طاقة" عبر استهداف البنية النفطية بشكل مباشر داخل إيران أو في دول الخليج، وهو سيناريو قد يؤثر فوراً في الاقتصاد العالمي.
ولا يستبعد الدبعي توسيع نطاق المواجهة إقليمياً لتشمل قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة أو ساحات أخرى في الشرق الأوسط، وهو ما قد يقود إلى تطورات دراماتيكية نظراً للكلفة الاقتصادية والسياسية الكبيرة، خصوصاً بالنسبة لدول آسيا التي تعتمد بدرجة كبيرة على نفط الخليج.

إيران وتوسيع ساحة الصراع

يرى الكاتب الصحفي نبهان خريشة أن التصعيد المتدرج بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، قد يدفع المنطقة نحو صراع إقليمي واسع إذا تم تجاوز ما وصفه بالخطوط الحمراء المرتبطة بالبنية الاقتصادية الحيوية لإيران، وفي مقدمتها الجزر النفطية الاستراتيجية.
ويوضح خريشة أن جزيرة خرج تمثل الشريان الأساسي لصادرات النفط الإيرانية، إذ تمر عبرها نحو 90% من صادرات طهران النفطية، ما يجعلها هدفاً ذا حساسية استراتيجية بالغة في أي مواجهة عسكرية، مشيراً إلى أن ذلك قد يكون مقدمة لتصعيد أكبر، في ظل محاولة خنق الاقتصاد الإيراني وحرمانه من مصدر دخله الأساسي، لذلك تتعامل إيران مع هذا السيناريو بوصفه تهديداً وجودياً، وليس مجرد ضربة عسكرية عابرة.
ويلفت خريشة إلى أن أي قصف أو احتلال للجزيرة قد يدفع إيران إلى توسيع ساحة الصراع، وفق عقيدتها العسكرية القائمة على رفع كلفة المواجهة إلى أقصى حد عبر استهداف المصالح الحيوية لخصومها في المنطقة، وقد تتحول منشآت الطاقة في الخليج إلى أهداف محتملة، خصوصاً الموانئ النفطية والأرصفة البحرية في الدول التي تستضيف قواعد أو قوات أمريكية.
ويوضح خريشة أن تهديدات صدرت بالفعل من الجيش الإيراني بإمكانية استهداف موانئ في إذا استمرت الضربات الأمريكية على جزيرة خرج، وهو ما قد ينقل المواجهة من نطاقها المحدود إلى صراع يهدد البنية النفطية في الخليج بأكملها.

احتمال استهداف المنشآت النفطية

ويرى خريشة أن السيناريو الأخطر يتمثل في احتمال استهداف آبار النفط أو منشآت التصدير في دول خليجية رئيسية، إذ تدرك إيران أن الاقتصاد العالمي يعتمد بدرجة كبيرة على نفط الخليج، وأي تعطيل واسع للإنتاج قد يؤدي إلى صدمة طاقة عالمية، مع قفزات كبيرة في أسعار النفط وارتفاع التضخم وتعطل سلاسل الإمداد العالمية.
ولا يستبعد خريشة أن تتجه إيران إلى تشديد تعطيل الملاحة في مضيق هرمز عبر الألغام البحرية أو الزوارق السريعة والطائرات المسيرة، ما قد يحول أحد أهم ممرات الطاقة في العالم إلى منطقة اشتباك مفتوح، وهو ما قد يربك أسواق الطاقة حتى لو كان التعطيل مؤقتاً.

الاكتفاء بضربات محدودة

ويعتقد خريشة أن واشنطن وتل أبيب قد تحاولان تجنب الوصول إلى هذا المستوى من التصعيد عبر الاكتفاء بضربات محدودة تستهدف مواقع عسكرية أو مواقع تابعة للحرس الثوري الإيراني دون المساس المباشر بالبنية النفطية الاستراتيجية، غير أن حسابات الردع في مثل هذه الحروب قد تنهار سريعاً إذا شعر أحد الأطراف بأن مصالحه الحيوية مهددة.
ويشير خريشة إلى أن استهداف جزيرة خرج قد يشكل نقطة تحول خطيرة في مسار المواجهة، لأن الجزيرة ليست مجرد موقع جغرافي، بل عقدة الطاقة الرئيسية لإيران، وأي هجوم عليها قد يدفع طهران إلى تبني استراتيجية "الأرض المحروقة" في سوق الطاقة العالمية، بحيث لا تكون الدولة الوحيدة التي تتحمل كلفة الحرب، ما قد يحول الصراع إلى أزمة طاقة دولية تعيد رسم موازين الاقتصاد والسياسة في المنطقة والعالم.

إيران والصبر الاستراتيجي وحرب الاستنزاف

يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد هواش أن الهجوم الأخير على جزيرة خرج يشير إلى أن العمليات العسكرية حتى الآن تركزت على مواقع عسكرية وليس على المنشآت النفطية، لافتاً إلى أن النفط يبقى سلعة استراتيجية لا تهم إيران فحسب، بل الاقتصاد العالمي كله.
ويوضح هواش أن عدم استهداف المنشآت النفطية يعكس حرص الأطراف الدولية على الحفاظ على شريان الطاقة العالمي، وتجنب أي توقف في الملاحة أو التجارة يضر بالاقتصادات الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة ودول الخليج، التي تعتمد بشكل أساسي على النفط والصناعات البتروكيماوية المرتبطة به.
ويشير هواش إلى أن إيران تعتمد سياسة صبر استراتيجي وحرب استنزاف، من خلال اقتصادها في العمليات العسكرية واستخدام قدراتها بشكل محدود لرفع تكلفة العدوان الإسرائيلي والأمريكي، مؤكداً أن هذا المنحى يجعل الحرب قد تطول دون أي خارطة طريق واضحة للخروج منها.

غياب الرؤية الأمريكية الإسرائيلية لإنهاء الحرب

ويلفت هواش إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تظهرا حتى الآن أي خطة واضحة لإنهاء الحرب، لكن مستوى الخسائر العسكرية الأمريكية لا يزال محدوداً، مما يتيح لها الاستمرار في العمليات دون تأثير كبير على قدراتها العسكرية أو الاقتصادية.
ويشير هواش إلى أن أي تطوير محتمل لاستهداف المنشآت النفطية يواجه حذرًا دوليًا شديدًا، نظراً للتأثير الكبير على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك استثمارات الخليج في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة.

أزمات الزراعة والتوريدات الغذائية العالمية

ويلفت هواش إلى أن توقف إنتاج النفط أو الصناعات البتروكيماوية المرتبطة به قد يؤدي إلى أزمات في الزراعة والتوريدات الغذائية العالمية، ما يجعل الأطراف الدولية أكثر حرصاً على الحفاظ على هذه السلع الاستراتيجية دون تعمد استهدافها.
ويشدد هواش على أن الهجمات الإيرانية حتى الآن تقتصر على مواقع عسكرية محدودة، بما فيها ضربات صاروخية على إسرائيل، تركز على التأثير على المعنويات والخسائر المحدودة، دون تعطيل حركة التجارة أو سلاسل الإمداد العالمية.
ويرى هواش أن استمرار الحرب دون مخرج واضح يرفع على الولايات المتحدة وإسرائيل كلفة الحرب، في حين تحقق إيران هدفها في إطالة الصراع ورفع كلفة العدوان، مما يمنحها قدرة على إعادة بناء ما تدمره الحرب خلال السنوات المقبلة، ويثبت قدرتها على الصمود أمام الضغوط العسكرية والاقتصادية.
وبحسب هواش، فإن المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه الحرب قد تتحول إلى صراع استنزاف طويل، يفرض تكاليف متزايدة على الأطراف المعتدية، ويؤكد صمود إيران دون المساس بالمصالح الحيوية للطاقة العالمية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا