آخر الأخبار

وفاة وليد الخالدي حارس ذاكرة فلسطين

شارك

نائلة الوعري: برحيل وليد الخالدي تفقد فلسطين مؤرخاً ومفكراً كبيراً من جيلٍ حمل همّ الرواية الوطنية وسعى إلى تثبيتها في الوعي الأكاديمي العالمي
جوني منصور: عمل على توثيق القرى المدمرة والمهجّرة عام ١٩٤٨ من منطلق استعادة تاريخ فلسطين وجغرافيتها وتصدى للمزاعم بأنها أرض بلا شعب
رجا الخالدي: المكتبة الخالدية تعتزم إنشاء "مركز وليد الخالدي للتراث الثقافي المقدسي" في باب السلسلة تكريماً للمؤرخ الكبير ولعطائه الفكري والوطني
علي أبو حبلة: لم يكن مجرد مؤرخ يوثق الأحداث بل كان كذلك مفكراً استراتيجياً أدرك أن المعركة في الساحة الدولية هي أيضاً معركة الرواية والشرعية القانونية
د.نظمي الجعبة: آمن بضرورة مأسسة السردية الفلسطينية وتطويرها لمواجهة الكم الهائل من الكتابات الغربية والإسرائيلية حول تاريخ القضية الفلسطينية
د. عماد أبو كشك: كان الراحل الكبير ركناً أساسياً في البحث العلمي العالمي وسفيراً فوق العادة للرواية الفلسطينية ومدافعاً عنها في أهم جامعات العالم

خاص بـ "القدس" دوت كوم -

لم يكن الراحل البروفيسور وليد الخالدي (1925-2026) مجرد مؤرخ بارز للقضية الفلسطينية، بل كان أحد أبرز حراس الذاكرة الوطنية الذين أعادوا كتابة تاريخ فلسطين، مقدّماً للعالم الرواية الفلسطينية على أسس بحثية رصينة. لقد آمن منذ البداية بضرورة مأسسة السردية الفلسطينية وتطويرها لمواجهة السردية الصهيونية والكتابات الإسرائيلية والغربية عن تاريخ القضية الفلسطينية، فساهم في تأسيس مؤسسة "الدراسات الفلسطينية" في بيروت عام 1963، لتكون مستودعاً جامعاً للذاكرة الفلسطينية من خلال وضع ونشر دراسات وبحوث ومنشورات حول القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني.
وذكر أكاديميون ومؤرخون وكُتّاب في أحاديث لـ"ے" أنه برحيل وليد الخالدي، تفقد فلسطين واحداً من كبار مؤرخيها ومفكريها المعاصرين، مؤكدين أن إرثه العلمي والوطني سيبقى شاهداً على مسيرة استثنائية ومحطة مهمة تستحق التأمل ومواصلة الطريق لصون الهوية الفلسطينية في مواجهة المحاولات لطمسها وتلفيق تاريخ القضية الفلسطينية.


معركة معرفة وذاكرة وتاريخ

تقول الباحثة والمؤلفة في تاريخ القدس نائلة الوعري: برحيل المؤرخ الفلسطيني الكبير البروفيسور وليد الخالدي تفقد فلسطين واحداً من أبرز مؤرخيها المعاصرين، ومن القامات العلمية التي كرّست حياتها لتوثيق تاريخ فلسطين والدفاع عن روايتها في مواجهة محاولات الطمس والتزييف. فقد انتمى الدكتور الخالدي إلى جيلٍ من الباحثين الذين أدركوا مبكراً أن معركة فلسطين ليست معركة سياسية فحسب، بل هي أيضاً معركة معرفة وذاكرة وتاريخ.
وتضيف: إن البرفيسور وليد الخالدي كرّس حياته للبحث العلمي الرصين، وأسهم في ترسيخ تقاليد الدراسات الأكاديمية حول فلسطين، وكان من مؤسسي مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، التي أصبحت مرجعاً علمياً مهما للباحثين في تاريخ القضية الفلسطينية.

العمل الأكاديمي في الجامعات الغربية

وتؤكد الوعري أن دور الخالدي لم يقتصر على البحث والتأليف، بل امتد أيضاً إلى العمل الأكاديمي في الجامعات الغربية، حيث بدأ مسيرته الأكاديمية بالتدريس في جامعة أكسفورد بعد دراسته فيها، قبل أن يستقيل عام 1956 احتجاجاً على العدوان الثلاثي على مصر، ثم واصل مسيرته العلمية لاحقاً في الجامعة الأمريكية في بيروت، وأسهم من خلال عمله الأكاديمي وأبحاثه في تعريف الأوساط العلمية في الغرب بتاريخ فلسطين وقضيتها.
وتشير الوعري إلى أن الخالدي كان من أوائل الباحثين الفلسطينيين الذين نقلوا الرواية التاريخية الفلسطينية إلى الجامعات ومراكز البحث في أوروبا وأمريكا، في وقتٍ كانت فيه الرواية الصهيونية أكثر حضوراً في الخطاب الأكاديمي الغربي. ومن خلال محاضراته وأبحاثه ومشاركاته العلمية قدّم قراءة تاريخية موثقة للقضية الفلسطينية، مستنداً إلى المصادر والوثائق، ما جعله أحد أبرز الأصوات الأكاديمية التي أسهمت في إبراز القضية الفلسطينية في الغرب.

إرث علمي مهم في المكتبتين العربية والعالمية

وتبين الوعري أن الخالدي ترك إرثاً علمياً مهماً في المكتبتين العربية والعالمية، ومن أبرز مؤلفاته كتاب «ما قبل الشتات» الذي وثّق الحياة الفلسطينية قبل النكبة من خلال صور وشهادات تاريخية نادرة تعكس ملامح المجتمع الفلسطيني ومدنه وقراه قبل عام 1948.
وترى الباحثة المقدسية أن كتابه «لكي لا ننسى: القرى الفلسطينية التي دُمّرت عام 1948» يعد من أهم الأعمال التوثيقية عن النكبة، إذ قدّم فيه دراسة موسّعة عن القرى الفلسطينية التي دُمّرت خلال حرب عام 1948، موثقاً ما تعرّض له أهلها من تهجير ومجازر. وقد أصبح هذا الكتاب مرجعاً أساسياً، ولا تكاد تخلو مكتبة فلسطينية أو مكتبة باحث في تاريخ فلسطين من هذا العمل التوثيقي المهم.
وتقول الوعري ان هذه الاعمال وبمثل هذه الأعمال رسّخ وليد الخالدي مكانته بوصفه أحد أبرز المؤرخين الذين كرّسوا جهودهم لحفظ الذاكرة التاريخية للشعب الفلسطيني.
أما على المستوى الشخصي، تضيف الوعري تعرّفتُ إلى البروفيسور وليد الخالدي خلال زيارة قمت بها إلى مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت عام 2008، وكنت أحمل معي نسخ من كتابي الأول «دور القنصليات الأجنبية في هجرة واستيطان اليهود في فلسطين»، لإيداعية في مكتبة المؤسسة وهو في الأصل رسالتي للماجستير من جامعة بيروت العربية بإشراف المؤرخ المرحوم البروفيسور حسان حلاق.
وتستذكر تلك الفترة، وتقول: إن الخالدي كان يومها في اجتماع داخل المؤسسة، فعرّفني عليه الصديق المرحوم مازن الدجاني الذي حمل الكتاب وقدّمه له. دخلتُ للسلام عليه، وما إن عرّفتُه بنفسي حتى بادرني بابتسامة قائلاً: نائلة … أنتِ ابنة فايز الوعري الضابط. ثم أضاف مبتسماً أن والدي فايز كان صديقه، وأنهما كانا يلتقيان كلما سنحت الفرصة لشرب القهوة في فندق أمريكان كولوني في القدس، برفقة بعض الأصدقاء. وذكر أن تلك اللقاءات كانت تتم في الفترة التي كان فيها والدي يعمل ضابط ارتباط في قيادة منطقة القدس، قبل انتقاله للعمل في عمّان. وكان فندق أمريكان كولوني في تلك السنوات ملتقى لأبناء المدينة ومثقفيها، ومكاناً تلتقي فيه الشخصيات السياسية والفكرية القادمة إلى القدس.
لكن الوعري تضيف: إن السنوات حملت بعدها تحولاتٍ كبرى، فرّقت كثيراً من أبناء ذلك الجيل، وتباعدت بهم الطرق بين المنافي والعواصم، وبقيت تلك اللقاءات جزءاً من ذاكرة زمن جميل من حياة القدس وعلاقات أهلها.
ثم تناول الكتاب بين يديه وتأمّل العنوان قليلاً، وأبدى اهتماماً واضحاً بالموضوع، وقال: إ"ن اختيار البحث في دور القنصليات الأجنبية مدخل مهم لفهم مرحلة مفصلية من تاريخ فلسطين"، وأعرب عن إعجابه بعنوان الكتاب وموضوعه، وأكد لي هذه دراسة مهمه، ولم يكتب عنها احد من قبل، ثم شكرني على الإهداء، وشجعني على مواصلة البحث في هذا المجال، مؤكداً أننا ما زلنا بحاجة إلى دراسات علمية توثّق تلك المرحلة من تاريخ القضية الفلسطينية.
وتقول الوعري: إن كلماته كانت يومها تشجيعاً كبيراً لي كباحثة في بداية الطريق، وقد بقيت تلك اللحظة محفورة في الذاكرة، خصوصاً أنها صدرت عن مؤرخ كبير كرّس حياته للدفاع عن الحقيقة التاريخية لفلسطين.
وتختتم الوعري حديثها لـ"ے" بالقول: برحيل وليد الخالدي نفقد مؤرخاً كبيراً من جيلٍ حمل همّ الرواية الفلسطينية وسعى إلى تثبيتها في الوعي الأكاديمي العالمي، لكن ما تركه من مؤلفات وأبحاث سيبقى شاهداً على جهد علمي صادق في حفظ ذاكرة فلسطين. وسيظل اسمه وإرثه العلمي نبراساً يهتدي به الباحثون والمؤرخون في كتابة تاريخ فلسطين بصدقٍ وأمانة.


تفاصيل مهمة عن القرى المدمرة

يقول المؤرخ الفلسطيني جوني منصور: إن وليد الخالدي عمل على مدى عقود طويلة على توثيق القرى الفلسطينية المدمرة والمهجرة عام 1948 على يد الجيش الإسرائيلي في كتابه الشهير "كي لا ننسى"، وذلك من منطلق استعادة التاريخ والجغرافيا الخاصة بفلسطين التاريخية وإن كان ذلك بالكلمة والفكرة والصورة والخريطة. فهذه مقولة قوية في مواجهة مزاعم المشروع الصهيوإسرائيلي بأن هذه القرى والبلدات حاربت أو اعتدت على اليهود، وفي واقع الأمر فإن هذه المزاعم وغيرها كثير تؤكد نفاق الرواية الصهيوإسرائيلية وتلفيقها.
ويضيف: من طرف آخر، نقل الخالدي تفاصيل مهمة جداً عن كل قرية وبلدة جمعها من أرشيفات مختلفة ومن وثائق توفرت لديه. وهو بذلك يبين وجود هذه القرى وتاريخها القديم وصولاً إلى آلاف السنين، ووجود أهاليها قسرياً في اللجوء والمهجر.
ويشير منصور إلى أنه "في عمل آخر تصدى فيه الخالدي لمزاعم إسرائيل بأن فلسطين بدون شعب وقد أعطيت لشعب بلا أرض من خلال كتابه المعروف "قبل الشتات" الذي يحوي مجموعة كبيرة من الصور الفوتوغرافية والخرائط. ولكن الصور التي جمعها الخالدي من ألبومات العائلات والأرشيفات المختلفة فضحت التلفيق الإسرائيلي. ويلفت إلى أن فلسطين بلد عامر بأهله وبياراته وثقافاته المتعددة ودوره في الحضارة الانسانية عبر الزمن، والدليل على ذلك مجموعات الصور التي تبين سير الحياة اليومية في فلسطين. وبالتالي فإن هذا العمل يبرز وجود الشعب الفلسطيني، وأن فلسطين لم تكن خالية من شعبها.

التصدي للمزاعم الإسرائيلية

ويوضح منصور: إن الخالدي واجه في أحد بحوثه فكرة إسرائيلية بأن الفلسطينيين هم الذين تركوا فلسطين بمحض إرادتهم وان اسرائيل لم تهجرهم او تطردهم. وأثبت ذلك من خلال دراسته للخطة التي تحتوي على بنود واضحة لتنفيذ تطهير عرقي في فلسطين، من خلال طرد سكانها وإحلال مجموعات استيطانية مكانهم، وخلق واقع جديد. وشكّـل هذا البحث وما تلاه قاعدة متينة لعدد كبير من الباحثين الذين ارتكزوا على أسلوبه في البحث العلمي والمدمج بروح الانتماء والحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية.

تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية

ويضيف المؤرخ منصور: كي لا تبقى هذه الأبحاث فردية، فإن الخالدي سعى مع آخرين إلى تأسيس مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت في 1963، لتكون مستودعاً جامعاً للذاكرة الفلسطينية من خلال وضع ونشر دراسات وبحوث ومنشورات حول القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني.
ويرى منصور أن هذه المؤسسة تُشكِّـل ركيزة مهمة جداً في الحفاظ على الموروث الحضاري والثقافي الفلسطيني في مواجهة شرسة مع مؤسسات صهيونية واسرائيلية وعالمية عملت ولا تزال على إنكار التاريخ الفلسطيني والهوية التي يمثلها. ونشرت المؤسسة دراسات كثيرة جداً في مواضيع شتى تتعلق بالتاريخ والثقافة الفلسطينية مبنية على ركائز واضحة المعالم وضعها الخالدي، وأبرزها أن يكون البحث علمياً وفق كل الأسس المعمول بها، ومتسقاً مع مسألة الحفاظ على الهوية الفلسطينية.
ويختتم منصور حديثه بالقول: إن مساهمات الخالدي كان في مسارين: الأول تعريف الفلسطينيين بتاريخهم وجذورهم وأهمية تسخير هذه المعرفة لمواجهة سياسات طمس الهوية وتلفيق التاريخ، والثاني لتعريف العالم بوجود الشعب الفلسطيني.

"مركز وليد الخالدي للتراث الثقافي المقدسي"

ومع رحيل العالم الكبير، أعلن رجا الخالدي، ابن عم البروفيسور المرحوم، عزم المكتبة الخالدية إنشاء "مركز وليد الخالدي للتراث الثقافي المقدسي" في إطار "مجمع المكتبة الخالدية الثقافي" في باب السلسلة.
ويضيف الخالدي: "إن ذلك جاء تكريماً للمؤرخ الكبير، لقرن من العطاء الفكري والعلمي والوطني، الذي يفخر به جميع أبناء شعبنا الفلسطيني والشعوب العربية المحبة لقضيتنا والمحبة للعدل والسلام".
ويتابع: في إعلان تأسيس المركز أشاد متوليا الوقف الخالدي رجا وخليل الخالدي بدور وليد الخالدي في الحفاظ على المكتبة والوقف منذ ما يزيد على ٤٠ سنة: "لولا وقوفه وعزيمته الصادقة وحرصه الدائم على أن تظل المكتبة مستمرة في عطائها ودورها الذي أُسست لأجله حافظة للذاكرة والهوية والعلم، لما كان لهذا الصرح المقدسي العريق أن يصمد في وجه الحروب والاحتلال ومختلف التحديات، وأن يتطور ويواصل رسالته العلمية والثقافية"، ويضيف إعلانهما: "سيكون المركز بمثابة تجديد للمكتبة الخالدية بعد 125 سنة من تأسيسها، لتظل شاهدة على عطاء آل الخالدي في خدمة المدينة المقدسة والمحافظة على هويتها، ليحافظ عليها الجيل القادم كما فعل آباؤهم وأجدادهم".
ويضيف رجا الخالدي: إن المركز الجديد سيُنشأ في العقار التابع لوقف محمد علي الخالدي، الذي نجح متوليا الوقف بمساندة العائلة وطاقم قانوني بقيادة المحامية سناء دويك في 2024 في استعادته من العصابة الاستيطانية التي حاولت الاستيلاء عليه. وبعد أعمال ترميم العقار خلال الفترة المقبلة، سيصبح مقراً لإدارة المكتبة ومختبراتها، وتتطلع المكتبة إلى أن يصبح المركز واجهة الخالدية المعاصرة العلمية والعامة، من ناحية مضمون مقتنياته المحدثة ودوره الثقافي، وكذلك نظراً لأهمية موقعه الاستراتيجي المميز بما يليق بتراث العائلة.
ويؤكد الخالدي أن المركز الجديد سيضم عند افتتاحه العام المقبل قسمين:
القسم الأول: مجموعة الدراسات المعاصرة: غرف قراءة للطلبة والباحثين، مكونة من الكتب والمصادر المطبوعة المتخصصة بتاريخ القدس وفلسطين خلال القرن العشرين والعلوم الإنسانية المعاصرة.
القسم الثاني: مركز أبحاث الوقفيات المقدسية: وهو مركز للبحث في الوثائق المتعلقة بالعقارات والأراضي الوقفية الذرية والعامة، في البلدة القديمة وحولها، وأيضاً لتوثيق الحقوق الوقفية، وللحفاظ عليها من الاندثار والضياع.

محطة مهمة للتأمل في تجربة استثنائية

ويقول الكاتب المحامي علي أبو حبلة، رئيس تحرير صحيفة "صوت العروبة": يشكّل رحيل المؤرخ والمفكر الفلسطيني وليد الخالدي محطة مهمة للتأمل في تجربة فكرية وأكاديمية استثنائية كرّس صاحبها حياته للدفاع عن الحقيقة التاريخية للقضية الفلسطينية في مواجهة السردية الصهيونية، خاصة في الأوساط الأكاديمية والإعلامية الغربية.
ويشير أبو حبلة إلى أن الخالدي كان واحداً من أبرز المؤرخين الفلسطينيين الذين خاضوا معركة الوعي والرواية التاريخية، في زمن هيمنت فيه الرواية الإسرائيلية على جزء كبير من المؤسسات الإعلامية والفكرية في الغرب.
ويوضح: إن الخالدي ينتمي إلى العائلة المقدسية العريقة آل الخالدي، وهي من الأسر الفلسطينية التي لعبت دوراً بارزاً في الحياة الفكرية والقضائية والإدارية في فلسطين عبر قرون. وقد عُرف عن هذه العائلة إسهامها في مجالات الفقه والقانون والتاريخ والأدب، ما جعلها إحدى أبرز العائلات العلمية في التاريخ الثقافي الفلسطيني.
ويضيف: وفي العصر الحديث، واصل عدد من أبناء هذه العائلة هذا التقليد العلمي، ومنهم المؤرخ والأكاديمي طريف الخالدي، غير أن وليد الخالدي تميّز بحضوره الواسع في الأوساط الأكاديمية الدولية، وبإسهامه العميق في توثيق تاريخ فلسطين الحديث، ولا سيما مرحلة النكبة وما أعقبها من تحولات سياسية وجغرافية في المنطقة.
ويؤكد أبو حبلة أن الخالدي أدرك مبكراً أن الصراع مع المشروع الصهيوني لا يقتصر على ميدان السياسة أو المواجهة العسكرية، بل يمتد إلى ميدان الرواية التاريخية والشرعية القانونية. ومن هنا ركّز مشروعه الفكري على توثيق أحداث نكبة عام 1948، وكشف أبعادها التاريخية والسياسية، وإثبات أن ما جرى لم يكن مجرد نتيجة عفوية للحرب، بل جاء في سياق مشروع سياسي أدى إلى تهجير مئات آلاف الفلسطينيين من أرضهم.

طرح فكرة الدولة الفلسطينية في أواخر السبعينيات

ويلفت أبو حبلة إلى أنه "في إطار جهوده لإيصال الرواية الفلسطينية إلى دوائر صنع القرار في الغرب، نشر الخالدي عدداً من الدراسات المهمة في مجلة مجلة (فورين أفيرز)، وهي من أبرز المجلات الفكرية التي يتابعها صناع القرار والنخب السياسية في الولايات المتحدة. وقد طرح في إحدى مقالاته منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة، في وقت كانت فيه هذه الفكرة تبدو بعيدة عن التداول في النقاش السياسي الغربي".
ويتابع: كما خاض الخالدي مواجهة فكرية مع الخطاب الصهيوني في الإعلام الأمريكي، في ظل نفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل مثل اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (أيباك)، التي سعت لسنوات طويلة إلى الحد من ظهور الأصوات الفلسطينية في الإعلام الأمريكي.
ورغم ذلك، يرى أبو حبلة أن الخالدي استطاع أن يظهر في البرنامج التلفزيوني الشهير الذي كان يقدمه الصحفي الأمريكي تيد كوبل، حيث قدّم أمام الجمهور الأمريكي تفكيكاً علمياً للحجج التي تستند إليها الرواية الصهيونية في ادعاء الحق في فلسطين.
وفي قراءته الفكرية للصهيونية، يقول أبو حبلة: إن الخالدي تناول الأسس التي تقوم عليها هذه السردية، مشيراً إلى أنها تستند إلى أربعة مرتكزات رئيسية: الحجة الدينية القائمة على فكرة الوعد الإلهي، والحجة القانونية المرتبطة بوعد بلفور وما ترتب عليه من ترتيبات دولية في مرحلة الانتداب، إضافة إلى حجة الضرورة أو الحاجة التاريخية، وأخيراً حجة الارتباط التاريخي بالأرض.
ويشير الكاتب أبو حبلة إلى أن الخالدي أخضع هذه المرتكزات لتحليل علمي دقيق، مبيّناً أن الكثير من هذه الادعاءات لا يصمد أمام الفحص التاريخي والقانوني، وأنها تجاهلت وجود الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية والسياسية في أرضه.
ويلفت أبو حبلة إلى أنه "في أحد حواراته الإعلامية في الولايات المتحدة، حاول أحد المحاورين اختزال الصراع في معادلة القوة، بالقول إن التاريخ يثبت أن القوة هي التي تصنع الحق، غير أن الخالدي رفض هذا المنطق، مؤكداً أن القضية الفلسطينية ليست مجرد صراع قوى، بل قضية عدالة تاريخية وحقوق إنسانية لا يمكن تجاوزها.
ويرى الكاتب أبو حبلة أن فكر وليد الخالدي كان يقوم على قناعة راسخة بأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على التفوق العسكري وحده، بل على الاعتراف المتبادل بالحقوق والكرامة الإنسانية. ومن هنا دعا إلى ما أسماه "تناظر الكرامة" بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، باعتبار أن أي تسوية سياسية لا يمكن أن تستقر دون اعتراف حقيقي بحقوق الشعب الفلسطيني.
ويختتم أبو حبلة حديثه بالقول: إن قراءة تجربة وليد الخالدي اليوم تكشف أنه لم يكن مجرد مؤرخ يوثق الأحداث، بل كان مفكراً استراتيجياً أدرك أن معركة الفلسطينيين في الساحة الدولية هي أيضاً معركة الرواية والشرعية القانونية.

وضعَ أسساً علمية لسردية فلسطينية

يؤكد أستاذ التاريخ في جامعة بيرزيت د.نظمي الجعبة أن وليد الخالدي كان أكبر من مجرد مؤرخ، إذ تجاوز دور المؤرخين بمراحل، عندما وضع أسساً علمية لسردية فلسطينية في مواجهة السردية الصهيونية، وذلك في وقت مبكر جداً.
ويشير إلى أن وليد الخالدي، على الرغم من كونه فرداً، آمن منذ البداية بضرورة مأسسة السردية الفلسطينية، أي بناء مؤسسة متكاملة الأركان قادرة على تطوير هذه السردية ومواجهة الكم الهائل من الكتابات الغربية والإسرائيلية حول تاريخ القضية الفلسطينية. ولذلك أسّس مؤسسة الدراسات الفلسطينية، التي تُعد من أقدم مؤسسات الأبحاث العربية التي ما زالت مستمرة في عملها حتى اليوم.
ويضيف الجعبة: إن المؤسسة تحولت إلى مشروع فكري متكامل، إذ ضمّت نخبة من المفكرين والعلماء والمؤرخين والسياسيين الفلسطينيين والعرب، واستطاعت من خلالهم إصدار عدد من المجلات العلمية، من بينها مجلة الدراسات الفلسطينية باللغة العربية، إضافة إلى مجلة أخرى باللغة الفرنسية توقفت في السنوات الأخيرة.
ويقول الجعبة: إن المكتبة التي نشرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بمتابعة وجهد من وليد الخالدي، أصبحت مكتبة ضخمة من الدراسات والكتب حول فلسطين، تملأ رفوفاً كاملة، الأمر الذي جعل المؤسسة تُعد من أكبر دور النشر العربية في مجال الدراسات التاريخية والسياسية.
ويؤكد الجعبة أن وليد الخالدي قضى معظم حياته، ولا سيما خلال السبعين عاماً الأخيرة منها، متفرغاً للعمل في هذه المؤسسة على مدار الساعة، حيث كرّس جهده لتأسيس سردية فلسطينية متكاملة. وتمتاز هذه السردية بدرجة عالية من المصداقية، لأنها خاطبت الغرب أيضاً وليس الشرق فقط.
ويشير إلى أن غالبية كتب وليد الخالدي تُرجمت إلى اللغة الإنجليزية، في محاولة لإيصال الرواية الفلسطينية إلى الغرب الذي تأثر طويلاً بالسردية الصهيونية. ولذلك أمضى عمره في التأليف وإدارة المؤسسة، وهو عمل شاق للغاية.
ويضيف الجعبة أنه لا يعرف كيف استطاع وليد الخالدي أن يبلغ عمر المئة عام تقريباً، رغم هذا الجهد الهائل الذي حمله على عاتقه، لافتاً إلى أنه كان على علاقة بالراحل منذ أكثر من أربعة عقود، حيث تابع عمله وكان بينهما تعاون في أكثر من قضية، خاصة ما يتعلق بالمكتبة الخالدية في القدس. كما يذكر أن مؤسسة الدراسات الفلسطينية نشرت في عهد وليد الخالدي مجموعة من كتبه وعدداً كبيراً من مقالاته، معرباً عن امتنانه الشخصي له لأنه فتح له الباب للانضمام إلى هذه النخبة الفكرية التي عملت تحت قيادته.

لم ينسَ يوماً جذوره المقدسية

ونعى الرئيس التنفيذي لجامعة القدس الأستاذ الدكتور عماد أبو كشك وأسرة الجامعة رحيل شيخ المؤرخين الفلسطينيين، ابن القدس البار وليد الخالدي.
ويقول أبو كشك: كان الراحل الكبير ركناً أساسياً في البحث العلمي العالمي، وسفيراً فوق العادة للرواية الفلسطينية في أهم جامعات العالم، ومدافعاً عنها من أكسفورد إلى هارفارد.
ويضيف: لم ينسَ المرحوم الخالدي يوماً جذوره المقدسية، فكان صوتاً للحق في وجه التزييف، ورحلَ تاركاً خلفه جيلاً من الباحثين الذين نهلوا من علمه، ومكتبةً شامخة ستبقى منارةً للأجيال من داخل المدينة المقدسة.
ويؤكد أبو كشك أنه برحيل الخالدي تفقد فلسطين واحداً من أعظم حراس تاريخها وموثقي نكبتها، ويقول: عزاؤنا أن إرثه باقٍ ما استمرت جامعاتنا، وعلى رأسها جامعة القدس، في حمل رسالة العلم والحرية التي آمن بها، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.






القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا