د. عبد المجيد سويلم: العملية هدفها إحداث صدمة نفسية لدى المجتمع الفلسطيني وإشعاره بوجود استعداد إسرائيلي دائم للانقضاض والقتل والفتك
محمد أبو علان دراغمة: الهدف إيصال رسالة بأن الحياة في هذه البلاد أصبحت غير مجدية وهو ما يتقاطع مع شعارات تدعو الفلسطينيين إلى الرحيل
خليل شاهين: الصورة الأوسع لهذه الجرائم لا تقتصر على تكرارها بل تشمل حالة الصمت الدولي تجاهها دون اتخاذ إجراءات لوقف جرائم الحرب
سليمان بشارات: الجندي الإسرائيلي بات يشعر بغطاء رسمي جعله قادراً على إطلاق النار وقتل الفلسطينيين دون التفكير في العواقب القانونية أو الأخلاقية
عدنان الصباح: قتل عائلة بدم بارد دون تقديم أي مبرر يعكس مساراً لفرض واقع يقوم على السيطرة الكاملة على الأرض وتقليص الوجود الفلسطيني عليها
رام الله – خاص بـ"القدس" –
ثثير حادثة إعدام عائلة بني عودة (الأب والأم وطفليهما) وإصابة اثنين آخرين قبل أيام، في بلدة طمون جنوب طوباس على يد وحدات خاصة إسرائيلية "مستعربين" مخاوف من أن تكون تلك المجزرة مؤشراً على تصاعد نهج استخدام القوة المميتة في الضفة الغربية، وتكثيف العمليات التي تستهدف المدنيين في ظل ظروف إقليمية متوترة، بهدف فرض أطماع وتنفيذ سياسات تفرض التهجير.
ويشيرون إلى أن هذه العمليات تندرج ضمن استراتيجية أوسع تسعى من خلالها إسرائيل إلى تعزيز سياسة الردع وإظهار قدرتها على الوصول إلى أي مكان وفي أي وقت، حتى على حساب حياة المدنيين، كما يُنظر إلى هذه الحوادث باعتبارها جزءاً من نمط متكرر من العنف في الضفة الغربية وقطاع غزة، في ظل غياب مساءلة دولية فاعلة.
ويرون أن الجريمة تعكس توجهاً لتوسيع دائرة الضغط العسكري والنفسي على الفلسطينيين، بالتوازي مع تصاعد الاستيطان ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض بما يدفع نحو التهجير، مستفيدة من انشغال المجتمع الدولي بتطورات إقليمية، ما يثير مخاوف من مرحلة أكثر تصعيداً في الضفة الغربية خلال الفترة المقبلة.
رسائل سياسية ونفسية
يرى أستاذ العلوم السياسية د. عبد المجيد سويلم أن الهجوم الذي نفذته قوات المستعربين الإسرائيلية في بلدة طمون، وأسفر عن اغتيال عائلة فلسطينية كاملة، يحمل في جوهره رسائل سياسية ونفسية تهدف إلى بث الرعب بين الفلسطينيين وإيصال رسالة واضحة مفادها بأن القوات الإسرائيلية، بما فيها الجيش والمستوطنون ووحدات المستعربين، مستعدة لاستخدام أقصى درجات القوة في مواجهة الفلسطينيين.
ويوضح سويلم أن العملية لا يمكن تفسيرها باعتبارات أمنية، مؤكداً أن الهدف الرئيسي منها يتمثل في إحداث صدمة نفسية لدى المجتمع الفلسطيني وإشعاره بوجود استعداد دائم للانقضاض والقتل والفتك في أي لحظة.
ويؤكد سويلم أن الرسالة الأساسية التي أرادت إسرائيل إيصالها من خلال هذه الجريمة هي التأكيد على أنها لن تسمح بظهور أي مظهر من مظاهر المقاومة أو حتى بوادر حراك شعبي يمكن أن يتطور إلى انتفاضة أو هبّة جماهيرية، حتى لو كان بمجرد الاشتباه.
محاولة كسر الإرادة الوطنية
ويرى سويلم أن الجريمة التي وقعت في طمون تُعد – بكل المقاييس – عملاً دموياً لا مبرر له، مشدداً على أن الهدف منها يتجاوز الجانب الميداني ليصل إلى محاولة كسر الإرادة الوطنية للفلسطينيين، لكن تفاعل المواطنين جاء بمستوى من الوعي الوطني، ما أدى إلى إفشال الأهداف التكتيكية التي سعت إسرائيل إلى تحقيقها من خلال العملية.
ويشير سويلم إلى أن ما يجري في الضفة الغربية في هذه المرحلة يعكس استمراراً لنهج إسرائيلي يقوم على تعذيب الفلسطينيين وإخافتهم وإيصال رسالة مفادها بأن السياسات التي اتبعتها إسرائيل في قطاع غزة، القائمة على القتل والتدمير والتجويع، يمكن أن تمتد إلى الضفة الغربية أيضاً.
ويوضح أن هذه الرسائل جاءت في سياق التطورات الإقليمية الأخيرة، ولا سيما بعد اندلاع الحرب على إيران، حيث تحاول إسرائيل استثمار الظروف الإقليمية والدولية لتعزيز سياسة الردع وبث الخوف داخل المجتمع الفلسطيني، بهدف التأثير في معنوياته ومنع أي أمل بإمكانية تغيير الواقع القائم.
ويؤكد سويلم أن ما يحدث في الضفة الغربية وقطاع غزة يعكس عقلية واحدة تقوم على استخدام القوة المفرطة والضغط النفسي والمعنوي لفرض الوقائع على الأرض، في محاولة لإقناع الفلسطينيين بأن إسرائيل قادرة على فرض إرادتها وسياساتها بالقوة.
سياسة إسرائيلية متكررة
يعتبر الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة أن حادثة اغتيال عائلة في بلدة طمون جنوب طوباس على يد وحدات المستعربين التابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي لا تشكل حدثاً استثنائياً، بل تندرج ضمن سياسة إسرائيلية متكررة في التعامل مع الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، تقوم على استخدام القوة المفرطة وإطلاق النار حتى على المدنيين.
ويوضح دراغمة أن حوادث مشابهة وقعت سابقاً في البلدة ذاتها، مشيراً إلى واقعة حدثت في الأول من سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، عندما تعرض مواطن وعائلته لإطلاق نار من قبل قوات الاحتلال، ما أدى إلى إصابتهم ونجاتهم من الموت.
تعزيز نظرية الردع
ويبيّن دراغمة أن إحدى الرسائل الأساسية التي تسعى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى إيصالها من خلال مثل هذه العمليات هي التأكيد على قدرتها على الوصول إلى أي مكان وفي أي وقت، حتى لو كان ذلك على حساب حياة المدنيين، من أجل "تعزيز نظرية الردع".
ويشير دراغمة إلى أن هذه الحادثة تعكس أيضاً مدى سهولة استخدام السلاح ضد الفلسطينيين، في ظل غياب المساءلة الحقيقية.
ويلفت دراغمة إلى أن تقارير إعلامية إسرائيلية، بينها ما بثته قناة "كان" العبرية، أشارت إلى أن منفذي عملية اغتيال العائلة في طمون هم من عناصر الوحدات الخاصة الإسرائيلية، وهي وحدات مدربة للتعامل مع مثل هذه المواقف بطرق مختلفة، إلا أن ما حدث يعكس نهجاً قائماً على "القتل أولاً"، وليس على التعامل الأمني كما تدعي إسرائيل.
خلق ظروف الترحيل
ويؤكد دراغمة أن الرسائل التي تحملها هذه الجريمة الهدف منها إيصال رسالة للفلسطينيين بأن الحياة في هذه البلاد أصبحت غير مجدية، وهو ما يتقاطع مع شعارات رفعها مستوطنون في الضفة الغربية تدعو الفلسطينيين إلى الرحيل.
ويشير دراغمة إلى أن هذه السياسات لا تقتصر على العمليات العسكرية، بل تأتي ضمن منظومة متكاملة تشمل مصادرة الأراضي، وتهجير السكان، وارتكاب عمليات قتل بحق الفلسطينيين، معتبراً أن ما يجري يشكل استمراراً لنهج الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ولا سيما حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، في تكريس سياسة القتل بدم بارد، في وقت تبقى فيه جرائم الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة شاهداً على هذا النهج.
سياسة ميدانية قائمة
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن إعدام عائلة بني عودة بدم بارد في بلدة طمون يمثل تكراراً لجرائم مشابهة ارتكبتها إسرائيل سابقاً، سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية، مؤكداً أن ما جرى يندرج ضمن نمط متكرر من العمليات التي تستهدف الفلسطينيين بصورة مباشرة.
ويوضح شاهين أن وسائل إعلام إسرائيلية أشارت إلى أن الوحدة التي نفذت الجريمة في طمون هي ذاتها التي نفذت حادثة مشابهة قبل عدة أشهر، عندما أطلقت النار على شابين فلسطينيين بعد استسلامهما.
وبحسب شاهين، فإن هذا المعطى يعكس وجود نمط متكرر في سلوك هذه الوحدات الخاصة، ما يعزز الاعتقاد بأن مثل هذه الجرائم ليست حوادث فردية أو معزولة، بل جزء من سياسة ميدانية قائمة.
حالة صمت دولي مشجعة
ويشير شاهين إلى أن الصورة الأوسع لهذه الجرائم لا تقتصر على تكرارها، بل تشمل أيضاً حالة الصمت الدولي تجاهها، والاكتفاء ببيانات الشجب دون اتخاذ إجراءات فعلية لوقف جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل.
ويؤكد شاهين أن هذا الواقع ظهر بوضوح خلال ما يقارب عامين ونصف من الحرب المستمرة في قطاع غزة، حيث استمرت العمليات العسكرية دون إجراءات دولية رادعة، وكذلك في الضفة الغربية التي تشهد تصاعداً في عمليات القتل والاعتداءات من قبل الجيش الإسرائيلي وميليشيات المستوطنين.
ويرى شاهين أن عدم اتخاذ إجراءات دولية حقيقية يشير إلى وجود مستوى من النفاق السياسي لدى بعض القوى الدولية، خصوصاً في أوروبا، بل ويصل في بعض الحالات إلى حد التواطؤ، الأمر الذي يسمح لإسرائيل بالاستمرار في تنفيذ عملياتها ضد الفلسطينيين دون خشية من المساءلة.
ويلفت شاهين إلى المفارقة في ردود الفعل الدولية، حيث أظهرت بعض الدول الأوروبية استعداداً للتحرك عسكرياً في سياقات أخرى، كما حدث مع إرسال حاملات طائرات وقوات إضافية في ظل التصعيد المرتبط بالحرب على إيران، بذريعة حماية الملاحة أو مواجهة تهديدات محتملة، في حين لم تشهد الأراضي الفلسطينية تحركاً مماثلاً رغم استمرار الجرائم والانتهاكات.
سياسة إسرائيلية مرشحة للتصاعد
ويشير شاهين إلى أن السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين مرشحة للتصاعد بغض النظر عن نتائج الحرب الجارية على إيران.
ويبيّن شاهين أن التحول في المشهد الإيراني قد تكون له تداعيات كبيرة على القضية الفلسطينية وعلى المنطقة العربية عموماً، إذ قد يؤدي إلى تعزيز الهيمنة الإسرائيلية في الشرق الأوسط، وربما إحياء مشاريع إقليمية مثل ما يُعرف بمشروع الطريق الهندي الذي يربط إمدادات الطاقة عبر المنطقة.
ويشير شاهين إلى أنه حتى في حال فشل إسرائيل والولايات المتحدة في تحقيق أهدافهما في إيران، فإن الضفة الغربية وقطاع غزة سيبقيان في صلب الأولويات الإسرائيلية، خصوصاً في ظل حاجة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى تحقيق ما وصفه بـ"صورة نصر" في ساحات أخرى إذا لم تتحقق في إيران.
ووفق شاهين، فإن هذه الصورة قد تتجسد في تصعيد العمليات العسكرية في لبنان ضد حزب الله، بما في ذلك احتمالات توسيع العمليات في جنوب لبنان وربما السيطرة على مناطق جنوب نهر الليطاني، أو من خلال استئناف العمليات العسكرية المكثفة في قطاع غزة.
مقاربة تقوم على الضم والتوسع الاستيطاني
أما في الضفة الغربية، فيرى شاهين أن السياسات الإسرائيلية تسير باتجاه تبني مقاربة تقوم على الضم والتوسع الاستيطاني، وفق رؤية وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش تحت شعار "الحسم"، والتي تقوم على توسيع الاستيطان وتقطيع أوصال المدن الفلسطينية وعزلها عن محيطها الريفي، إضافة إلى إطلاق يد ميليشيات المستوطنين.
ويشير شاهين إلى تصريحات صدرت مؤخراً عن وزير الاقتصاد الإسرائيلي نير بركات تحدث فيها عن أن الخطوة التالية بعد إيران قد تكون تفكيك السلطة الفلسطينية، ما يعكس وجود نقاش داخل إسرائيل حول مستقبل السلطة وإمكانية تحويلها إلى كيانات محلية أو بلديات منفصلة تدير المدن الفلسطينية بشكل مجزأ.
ويؤكد شاهين أن هذه السيناريوهات تعني أن الفلسطينيين قد يواجهون مرحلة جديدة من السياسات الإسرائيلية القائمة على الضم وتغيير الواقع الديمغرافي وتوسيع السيطرة الميدانية، مشيراً إلى أن ذلك يترافق مع خطوات ميدانية مثل تصاعد هجمات المستوطنين، ومحاولات فرض وقائع جديدة في المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي.
بلورة حراك فلسطيني
وفي ضوء هذه التحديات، يشدد شاهين على ضرورة بلورة حراك فلسطيني مختلف يقوم على تعزيز صمود المجتمع الفلسطيني، وإطلاق حوار وطني شامل يضم الفصائل والمجتمع المدني والقطاع الخاص، بهدف بناء هياكل لإدارة الحكم في قطاع غزة ضمن رؤية فلسطينية موحدة تشمل الضفة الغربية أيضاً.
ويدعو شاهين إلى تطوير أشكال جديدة لإدارة شؤون الفلسطينيين في المناطق المصنفة (ب) و(ج) وفي القدس، عبر صيغ مشتركة تجمع بين السلطة الفلسطينية والقوى المجتمعية المختلفة تتبع لمنظمة التحرير الفلسطينية، بحيث تشكل مرجعية موحدة قادرة على مواجهة التحديات المتصاعدة والحفاظ على إدارة المجتمع الفلسطيني في ظل المتغيرات الإقليمية والسياسية الراهنة.
دلالات قانونية وسياسية وأخلاقية خطيرة
يعتبر أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل د. جمال حرفوش أن جريمة اغتيال عائلة كاملة في بلدة طمون جنوب طوباس على يد قوات خاصة إسرائيلية هي فعل مركب يحمل دلالات قانونية وسياسية وأخلاقية خطيرة.
ويوضح حرفوش أن خطورة الحادثة تنبع من طبيعتها القانونية، إذ إن استخدام قوات عسكرية وسائل تمويه مدنية والتسلل بين السكان المدنيين قبل إطلاق النار المباشر على عائلة كاملة يشكل انتهاكاً واضحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما أحكام اتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949 التي تحظر استهداف المدنيين أو تعريضهم للخطر أثناء العمليات العسكرية.
ويبيّن حرفوش أن هذه الممارسات هي جرائم يصنفها الفقه القانوني الدولي كجرائم حرب عندما تستهدف مدنيين محميين.
سياسة ردع قائمة على بث الرعب الجماعي
ويرى حرفوش أن الجريمة تعكس تحولاً خطيراً في طبيعة العمليات العسكرية التي ينفذها الاحتلال داخل الضفة الغربية، حيث لم تعد تقتصر على الاعتقالات أو عمليات الملاحقة، بل باتت تتجه نحو توسيع دائرة القتل الميداني المباشر، على نحو يشبه النموذج الذي استخدمه الاحتلال في قطاع غزة.
ويوضح حرفوش أن هذا التحول بالجرائم تندرج ضمن سياسة ردع قائمة على بث الرعب الجماعي داخل المجتمع الفلسطيني عبر استهداف البيئة الاجتماعية وليس الأفراد فقط.
ويشير حرفوش إلى أن تداعيات هذه الجرائم تتجاوز حدود الحادثة نفسها، إذ تسهم في تعميق حالة انعدام الأمن الإنساني لدى السكان المدنيين وتغذي حالة الاحتقان والغضب الشعبي، كما تقوض أي ادعاءات بوجود قواعد اشتباك أو معايير قانونية تضبط سلوك القوات العسكرية في الأراضي الفلسطينية.
نموذج الحرب المفتوحة على المدنيين
ويوضح حرفوش أن الرسائل التي تحملها الجريمة متعددة، أبرزها محاولة تعميم نموذج الحرب المفتوحة على المدنيين الذي ظهر بوضوح في قطاع غزة، إلى جانب توجيه رسالة ردع نفسي جماعي تقوم على ترسيخ فكرة أن العائلة الفلسطينية نفسها قد تصبح هدفاً مباشراً، وهو ما يندرج ضمن سياسة العقاب الجماعي المحظورة صراحة في القانون الدولي.
ويلفت حرفوش إلى أن مثل هذه الجرائم تمثل أيضاً اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المجتمع الدولي على تفعيل آليات المساءلة القانونية، سواء عبر المحكمة الجنائية الدولية أو منظومة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، مؤكداً أن استمرار الإفلات من العقاب يسهم في إعادة إنتاج هذه الجرائم وتكرارها.
ويشدد حرفوش على أن جريمة طمون ليست حادثة منفصلة، بل حلقة ضمن نمط من العنف الممنهج الذي يمارسه الاحتلال، مؤكداً أن التجارب التاريخية أثبتت أن القوة قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع إلغاء الحقوق التاريخية للشعوب أو إسكات مطالب العدالة.
القتل الخيار الأول للجنود الإسرائيليين
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن جريمة اغتيال عائلة فلسطينية في بلدة طمون تشير إلى أن خيار القتل أصبح الخيار الأول لدى الجنود الإسرائيليين قبل أي اعتبارات أخرى.
ويوضح بشارات أن ما جرى في طمون يدل على أن القرار باستخدام القوة المميتة لم يعد قراراً ميدانياً فردياً، بل هو انعكاس لسياسات تصدر عن المستويين السياسي والعسكري في إسرائيل، بحيث يُمنح الجندي الإسرائيلي صلاحيات واسعة لاستخدام القوة دون الخشية من المساءلة أو المحاسبة.
ويؤكد بشارات أن الجندي الإسرائيلي بات يشعر بغطاء رسمي كامل من القيادة السياسية والعسكرية، جعله قادراً على إطلاق النار وقتل الفلسطينيين دون التفكير في العواقب القانونية أو الأخلاقية، بل إن هذا السلوك تحول إلى جزء من الممارسة اليومية في تعامل جيش الاحتلال مع الفلسطينيين.
ويشير بشارات إلى أن هذا الواقع يعكس تنامي "نزعة الجريمة" في السلوك العسكري الإسرائيلي، مستذكراً حوادث سابقة من عمليات القتل الصامت التي كانت تحدث على الحواجز العسكرية وفي الشوارع داخل المدن الفلسطينية وخارجها.
ويلفت بشارات إلى ما جرى في قطاع غزة، من عمليات قتل استهدفت عائلات مدنية وأطفالاً ونساءً خلال الحروب المتعاقبة.
استخفاف بقيمة الإنسان الفلسطيني
ويعتبر بشارات أن الحادثة تعكس استخفافاً إسرائيلياً واضحاً بقيمة الإنسان الفلسطيني، الذي أصبح مجرد رقم في الإحصاءات بالنسبة للمؤسسة الإسرائيلية، يمكن أن يرتفع أو ينخفض دون أن يشكل ذلك أي اعتبار إنساني أو أخلاقي.
ويلفت بشارات إلى أن هذا النهج يرتبط بسياسة إسرائيلية تقوم على تقليص الوجود الفلسطيني في الأراضي المحتلة، من خلال خلق بيئة طاردة للفلسطينيين تدفعهم إما إلى الرحيل أو إلى الاستسلام للواقع الذي تفرضه إسرائيل. ويستشهد بشارات بحادثة وقعت قبل نحو عام ونصف في بلدة طمون ذاتها، عندما استشهد ثلاثة أطفال في طمون جراء قصف بطائرة مسيّرة، حيث ادعت إسرائيل حينها أنهم مسلحون قبل أن يتضح لاحقاً أنهم كانوا أطفالاً يلعبون في ساحة منزلهم.
شعور إسرائيلي بعدم الخضوع للمساءلة الدولية
ويرى بشارات أن أحد أخطر أبعاد هذه الجرائم يتمثل في شعور إسرائيل بأنها لم تعد خاضعة للمساءلة الدولية، وأن القوانين الدولية والقيم الإنسانية لم تعد بالنسبة لها سوى نصوص غير ملزمة.
ويوضح بشارات أن الجرائم الإسرائيلية باتت تمر بشكل يومي وممنهج دون ردود فعل دولية واضحة، ما يفتح المجال أمام مزيد من الانتهاكات بحق الفلسطينيين في ظل غياب المساءلة الدولية.
مخطط أوسع لتفريغ منطقة الأغوار
يوضح الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن جريمة اغتيال عائلة بني عودة في بلدة طمون يندرج ضمن مخطط أوسع تسعى إسرائيل من خلاله إلى تفريغ منطقة الأغوار من الوجود الفلسطيني، مشيراً إلى أن أهمية هذه المنطقة لا تقتصر على كونها سلة الغذاء الفلسطينية، بل تتجاوز ذلك إلى موقعها الاستراتيجي الحساس.
ويلفت الصباح إلى أن السلسلة الجبلية الممتدة بين الأغوار وعمق الضفة الغربية تمثل محوراً أساسياً في هذا المخطط، حيث تسعى إسرائيل إلى تحويل هذه المناطق إلى شريط استيطاني يفصل الأغوار عن باقي مدن الضفة.
وبحسب الصباح، فإن هذا المخطط يهدف إلى خلق عازل جغرافي وديمغرافي بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وبين الامتداد العربي في الأردن، بما يؤدي إلى قطع التواصل الجغرافي والديمغرافي، وبالتالي الحد من أي تأثير سياسي أو وطني قد يأتي من العمق العربي تجاه القضية الفلسطينية.
ويشير الصباح إلى أن الاستهدافات الإسرائيلية لا تقتصر على طمون وحدها، بل تشمل سلسلة من المناطق الواقعة على هذا الخط الجغرافي، ما يعكس تركيزاً واضحاً على هذه المنطقة في السياسات الميدانية للاحتلال.
رسائل إسرائيلية واضحة
ويرى الصباح أن الرسائل التي تسعى إسرائيل إلى إيصالها من خلال هذه الجرائم تحمل بعدين رئيسيين؛ الأول يتعلق بمحاولة ترسيخ فكرة أن ثمن المقاومة سيكون قاسياً، والثاني يتمثل في إيصال رسالة للفلسطينيين بأن وجودهم على هذه الأرض غير مرغوب فيه، وأن عليهم مغادرتها.
استغلال الظروف الإقليمية والدولية الراهنة
ويشير الصباح إلى أن إسرائيل تحاول استغلال الظروف الإقليمية والدولية الراهنة، بما في ذلك الحرب الجارية على إيران والانشغال الدولي بالصراعات في مناطق مختلفة من العالم، من أجل تعميق معاناة الفلسطينيين وتحويل حياتهم إلى واقع غير قابل للاستمرار، بما يسهم في دفعهم إلى الرحيل عن أرضهم.
ويؤكد الصباح أن ما جرى في قطاع غزة وما يحدث في لبنان من تصعيد عسكري، إضافة إلى غياب ردع دولي حقيقي، شجع إسرائيل على المضي قدماً في تنفيذ مخططاتها في الضفة الغربية أيضاً.
معادلة فرض السيادة الإسرائيلية
ويعتبر الصباح أن الرسالة التي تحاول إسرائيل ترسيخها تقوم على فرض معادلة مفادها بأن الأرض كلها خاضعة للسيادة الإسرائيلية، وأن الفلسطينيين ليسوا سوى مقيمين فيها، وعليهم إما الخضوع للواقع الذي تفرضه إسرائيل أو مغادرة البلاد.
ويرى الصباح أن الجريمة التي ارتكبت في طمون تمثل نموذجاً لهذا التوجه، إذ جرى قتل عائلة كاملة بدم بارد دون تقديم أي مبرر، ما يعكس مساراً يسعى في نهايته إلى فرض واقع يقوم على السيطرة الكاملة على الأرض الفلسطينية وتقليص الوجود الفلسطيني عليها.
المصدر:
القدس