يواصل مزارعون فلسطينيون في سهل عاطوف، الواقع شرق مدينة طوباس شمالي الضفة الغربية، صمودهم وسط ظروف قاسية فرضها حصار مشدد من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي ومجموعات من المستوطنين. وتعد هذه المنطقة واحدة من أهم السلال الغذائية في الأغوار الشمالية، إلا أنها باتت اليوم مسرحاً لعمليات تجريف وإغلاق ممنهجة تهدف إلى عزل السكان عن أراضيهم ومصادر رزقهم.
وأفادت مصادر ميدانية بأن قوات الاحتلال بدأت منذ أيام بتنفيذ إجراءات عقابية شملت إغلاق الطرق الزراعية الحيوية وتجريف مساحات واسعة من الأراضي، بالتزامن مع قطع خطوط المياه الرئيسية. هذه الخطوات وضعت عشرات العائلات التي تعتمد كلياً على الزراعة وتربية المواشي في مواجهة مباشرة مع خطر العطش وفقدان الممتلكات.
وفي جولة ميدانية لرصد الانتهاكات، ظهرت اعتداءات المستوطنين بشكل جلي، حيث يقومون باستفزاز المزارعين ومنعهم من العمل في حقولهم تحت حماية جيش الاحتلال. ويؤكد الأهالي أن هذه الممارسات تكررت بشكل شبه يومي في الآونة الأخيرة، كجزء من خطة أوسع تهدف إلى دفع الفلسطينيين للرحيل القسري عن المنطقة.
المزارع نظير بشارات، الذي يمتلك مساحات واسعة مزروعة بالعنب والخضار، عبر عن قلقه العميق من ضياع استثماراته التي بلغت ملايين الشواكل. وأوضح بشارات أن جرافات الاحتلال لم تكتفِ بإغلاق المداخل، بل دمرت البنية التحتية الزراعية، مما جعل الوصول إلى المحاصيل أمراً شبه مستحيل في ظل التهديدات المستمرة.
وأشار بشارات إلى أن الخسائر المالية بدأت تتراكم بشكل مخيف، حيث خسر بعض المزارعين مئات آلاف الدولارات نتيجة تعطل الموسم الزراعي ومنع توريد المنتجات. وبالرغم من هذه الضغوط، يشدد المزارعون على تمسكهم بأرض الآباء والأجداد، مؤكدين أن البقاء في عاطوف هو معركة وجود لا تقبل التراجع.
من جانبه، حذر معتز بشارات، مسؤول ملف الاستيطان في محافظة طوباس، من كارثة إنسانية وبيئية تهدد المنطقة نتيجة تدمير خطوط المياه. وأكد أن أكثر من 17 ألف رأس من الماشية باتت مهددة بالنفوق بسبب العطش، وهو ما يمثل ضربة قاضية لقطاع الثروة الحيوانية الذي يعيل مئات الأسر في الأغوار.
وتشير التقارير إلى أن الحصار الحالي يعزل نحو 35 عائلة فلسطينية بشكل كامل عن محيطها، حيث يعاني أكثر من 250 مواطناً من نقص حاد في الغذاء والمستلزمات الأساسية. وتستخدم قوات الاحتلال السواتر الترابية والخنادق العميقة كأدوات للفصل الجغرافي، مما يحول التجمعات السكانية إلى سجون مفتوحة.
وتعمل آليات الاحتلال حالياً على حفر خندق ترابي واسع يهدف إلى عزل أكثر من 190 ألف دونم من أراضي محافظة طوباس عن امتدادها الطبيعي. ويرى مراقبون أن هذا المشروع الاستيطاني يمثل عملية ضم فعلية للأراضي، ويهدف إلى إنهاء الوجود الفلسطيني في مناطق الأغوار لصالح التوسع الاستيطاني غير القانوني.
هذه الإجراءات تأتي في سياق تصاعدي منذ بدء العدوان على قطاع غزة، حيث استغل المستوطنون والجيش الأوضاع الراهنة لتكثيف الهجمات في الضفة الغربية. وبحسب معطيات رسمية، فقد أدت هذه الاعتداءات إلى استشهاد وإصابة الآلاف، بالإضافة إلى تدمير مئات المنشآت الزراعية والسكنية في مختلف المحافظات.
ويصف خبراء في الشأن الاستيطاني ما يجري في عاطوف بأنه 'حكم إعدام' على الزراعة الفلسطينية، حيث يتم استهداف عصب الحياة الاقتصادي للفلسطينيين. إن قطع المياه في منطقة صحراوية وحارة كالأغوار يعني تلف آلاف الدونمات من المحاصيل الحساسة في وقت قياسي، مما يكبد المزارعين ديوناً لا يمكن سدادها.
ولا تقتصر المعاناة على الجانب المادي، بل تمتد لتشمل الضغط النفسي المستمر الذي يمارسه المستوطنون المسلحون الذين يتجولون بين البيوت البلاستيكية. هؤلاء المستوطنون يوجهون تهديدات مباشرة للأهالي بضرورة المغادرة، مدعين أن هذه الأراضي لم تعد ملكاً للفلسطينيين، في تحدٍ صارخ للقوانين الدولية.
وفي ظل هذا الحصار، تطلق المؤسسات الحقوقية نداءات استغاثة لتدخل دولي عاجل لفك الحصار عن سهل عاطوف وتوفير الحماية للمزارعين. إن استمرار الصمت الدولي تجاه هذه الممارسات يمنح الاحتلال الضوء الأخضر للمضي قدماً في سياسة التطهير العرقي الصامت في الأغوار الشمالية.
ويبقى المزارع الفلسطيني في عاطوف خط الدفاع الأول عن الأرض، متسلحاً بإرادة صلبة رغم قلة الإمكانيات وانقطاع سبل العيش. إن قصص الصمود التي يسطرها أهالي طوباس تعكس تمسكاً أسطورياً بالهوية الوطنية، ورفضاً قاطعاً لكل محاولات الاقتلاع والتهجير التي تنتهجها سلطات الاحتلال.
ختاماً، يمثل ما يحدث في عاطوف نموذجاً مصغراً لما تتعرض له الأغوار الفلسطينية بشكل عام، من محاولات سيطرة وإحلال. فبين مطرقة الجيش وسندان المستوطنين، يواجه الفلسطينيون معركة يومية للحفاظ على ما تبقى من سلة غذائهم، وسط آمال بأن تصل صرختهم إلى العالم قبل فوات الأوان.
المصدر:
القدس