آخر الأخبار

المخزون النفطي الاستراتيجي لاحتواء تداعيات الحرب

شارك

د. فادي جمعة: تحييد تأثير النفط في الأسواق قد يقلل من الضغوط الدولية التي قد تدفع لوقف الحرب ويسحب من إيران ورقة القوة بتهديد إمدادات الطاقة

أيهم أبوغوش: خطوة اللجوء إلى المخزون النفطي الاستراتيجي مهمة لتهدئة الأسواق لكن المخاطر الجيوسياسية تبقى العامل الأهم في تحديد الأسعار

د. ولاء قديمات: الخطوة محاولة واضحة للتأثير في السوق العالمية للنفط والحد من تقلبات الأسعار في ظل الحرب وتسببها باضطراب إمدادات الطاقة العالمية

د. ثابت أبو الروس: خطوة ترمب لا تضمن استقرار الأسعار على المدى الطويل مع استمرار الحرب وعدم قدرة المخزون على مواجهة أي صدمة كبرى

محمد الرجوب: هذه الخطوة تعكس إدراكاً أميركياً بأن الحرب قد تستمر لفترة طويلة لأن الدول لا تلجأ لذلك إلا عندما تتوقع استمرار الأزمة لفترة ممتدة

د. أمجد بشكار: هذه الخطوة تعكس قلقاً متزايداً من التداعيات الاقتصادية للحرب ليس فقط على الولايات المتحدة بل على الاقتصاد العالمي بأكمله

رام الله - خاص بـ "القدس"-

مع تصاعد الحرب على إيران والتوترات في منطقة الخليج، عاد المخزون النفطي الاستراتيجي إلى واجهة المشهد الدولي كأداة رئيسية لمحاولة احتواء تداعيات الصراع على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، وهو ما ظهر في تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن اللجوء لذلك المخزون.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وخبراء اقتصاديون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "ے"، أن المخاوف من اضطراب إمدادات النفط، خاصة مع التهديدات التي تطال حركة الملاحة في مضيق هرمز، أدت إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الطاقة، ما دفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى البحث عن إجراءات عاجلة لتهدئة الأسواق ومنع حدوث صدمة اقتصادية عالمية.

ويشيرون إلى أن اللجوء إلى الاحتياطي النفطي يهدف إلى زيادة المعروض في الأسواق العالمية وإرسال رسائل طمأنة للمستثمرين والدول المستهلكة بأن إمدادات الطاقة يمكن تعويضها في حال حدوث أي نقص مفاجئ نتيجة الحرب، وكذلك محاولة لاحتواء التداعيات الاقتصادية المتصاعدة للصراع، خاصة مع حساسية أسعار الوقود وتأثيرها المباشر على الاقتصاد العالمي والأسواق المالية.

وفي المقابل، تبقى المخاطر الجيوسياسية العامل الأكثر تأثيراً في تحديد مسار أسعار النفط، في ظل استمرار الحرب واحتمالات اتساع نطاقها في منطقة تعد من أهم مراكز إنتاج وتصدير الطاقة في العالم.

ويؤكد ذلك وفق الكتاب والمحللين والمختصين والخبراء وأساتذة الجامعات، أن استخدام المخزون الاستراتيجي يمثل إجراءً مؤقتاً لاحتواء الأزمة، بينما يظل استقرار الأسواق مرهوناً بمسار الحرب ومستقبل إمدادات النفط العالمية.


الحد من الارتفاع الحاد في أسعار النفط


يوضح أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العربية الأمريكية د. فادي جمعة أن لجوء الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى المخزون النفطي الاستراتيجي في ظل الحرب على إيران، هو قرار يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية واستراتيجية متشابكة ترتبط بإدارة الحرب وتداعياتها على الاقتصاد العالمي والداخل الأميركي.

ويشير جمعة إلى أن الخطوة من الناحية الاقتصادية تهدف أساساً إلى الحد من الارتفاع الحاد في أسعار النفط الناتج عن الحروب والتوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، خاصة مع تصاعد المخاوف من تهديد الإمدادات النفطية القادمة من دول الخليج، إضافة إلى المخاطر التي تواجه الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتدفق النفط في العالم.

ويلفت جمعة إلى أن ضخ كميات من الاحتياطي النفطي في السوق يرسل إشارة واضحة للأسواق العالمية بأن الولايات المتحدة قادرة على تعويض أي نقص محتمل في الإمدادات خلال المرحلة الحالية، الأمر الذي يساهم في تهدئة الأسواق والحد من تقلبات الأسعار.


محاولة احتواء الأوضاع الداخلية الأمريكية


وعلى الصعيد الداخلي، يؤكد جمعة أن القرار يحمل أهمية خاصة لأن أسعار الوقود تمثل عاملاً حساساً في المزاج السياسي والاقتصادي للناخب الأميركي، فارتفاع أسعار الوقود ينعكس سلباً على الرأي العام، وقد يؤثر على صورة الإدارة الأميركية والحزب الحاكم أمام المواطنين، خاصة مع وجود انتخابات نصفية.


أدوات لكبح أوراق الضغط الإيرانية


أما على المستوى الخارجي، فيرى جمعة أن القرار يحمل رسالة مباشرة لإيران وحلفائها مفادها بأن الولايات المتحدة تمتلك أدوات اقتصادية قادرة على تقليل تأثير أي محاولة لاستخدام النفط أو تهديد الملاحة في الخليج كسلاح ضغط.

ووفق جمعة، فإنه بذلك تسعى واشنطن إلى إضعاف ما يُعرف بـ"سلاح الطاقة"، وإظهار أن تعطيل تدفق النفط أو استهداف الملاحة في مضيق هرمز لن يكون ورقة حاسمة في الصراع.

ويشير جمعة إلى أن لهذه الخطوة تداعيات غير مباشرة على مسار الحرب، إذ إن تحييد تأثير النفط في الأسواق قد يقلل من الضغوط الدولية التي قد تدفع لوقف الحرب بسبب ارتفاع الأسعار، كما يسحب من إيران إحدى أوراق القوة المرتبطة بتهديد إمدادات الطاقة العالمية.


مساحة أوسع في إدارة الصراع


ويؤكد جمعة أن استقرار أسعار الطاقة يمنح الولايات المتحدة مساحة أوسع في إدارة الصراع، سواء في استمرار الضغط العسكري أو الانتقال لاحقاً إلى المسار الدبلوماسي.

ويشدد جمعة على أن استخدام الاحتياطي النفطي الاستراتيجي يبقى إجراءً مؤقتاً لا يمكن الاعتماد عليه لفترات طويلة، ما قد يشير إلى أن واشنطن لا تتوقع حرباً طويلة الأمد، إذ إن اللجوء إلى المخزون النفطي يُستخدم عادة كأداة قصيرة المدى لاحتواء الأزمات وليس كحل دائم لإدارة الصراعات الممتدة.


خطوة لتهدئة الأسواق


يرى الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش أن خطوة لجوء الوكالة الدولية للطاقة إلى المخزون النفطي الاستراتيجية يعد خطوة مهمة لتهدئة الأسواق، لكن المخاطر الجيوسياسية تبقى العامل الأهم في تحديد الأسعار.

ويؤكد أبو غوش أن الطاقة وخاصة النفط والغاز يلعبان دوراً كبيراً في هذه الحرب وغيرها من الأزمات باعتبارهما محركان أساسيان للصناعة العالمية، وأسعارهما تحددان بشكل ملحوظ مسار الاقتصاد العالمي وأسعار العديد من السلع والخدمات، لهذا تبرز المعطيات الاقتصادية بشكل جلي في أن تكون عنصراً ضاغطاً لإنهاء الحرب على ايران أو في استمراها.

ويشير أبو غوش إلى وجود تذبذب كبير في أسعار النفط منذ بدء هذه الحرب، حيث أن الطرف الايراني يدرك بأن لديه أوراق قوة ويقوم باستخدامها بالحدّ الأقصى في محاولة منه لرفع الكلفة على الاقتصاد العالمي، سواء من حيث السيطرة على مضيق هرمز الذي تمر من خلاله نحو 20% من واردات النفط العالمية، أو سواء في الدفع عبر خطوات عسكرية لتقليل الإنتاج، ما سيدفع الأسواق حتماً إلى قراءة تلك المخاطر بارتفاع على أسعار النفط الأمر الذي يثير التخوفات من حصول تضخم عالمي كبير بالإضافة إلى فترة ركود.


طمأنة الأسواق بخطوات عكسية


وبحسب أبو غوش، فإنه في المقابل تسعى الولايات المتحدة إلى طمأنة الأسواق بخطوات عكسية من خلال بث رسائل مفادها بأن الحرب تقترب من نهايتها أو دفع الدول المنتجة للنفط بزيادة إنتاجها أو من خلال دفع الدول إلى استخدام احتياطاتها الاستراتيجية.

ويعتقد أبو غوش أن هذه خطوة يمكن لها أن تعطي تهدئة للأسواق وتدفع أسعار النفط إلى ثبات نسبي، لكنها تدلّ في الوقت نفسه على نجاح إيراني نسبي في أن خطواتها في إدارة المعركة تؤثر فعلاً على الاقتصاد العالمي.

ويشير أبو غوش إلى أن إعلان الوكالة الدولية للطاقة بطرح (400 مليون) برميل من النفط عبر (32 دولة) يعدّ أكبر عملية إطلاق لعمليات اسراتيجية في تاريخ الوكالة، وهذا سيقود إلى تهدئة نسبية للأسواق لفترة معينة، لأن هذه الكمية تعني فقط ضخ زيادة ما يعادل استهلاك العالم بنحو (4أيام) من النفط كاملة أو(20 يوماً) من النقص الذي قد يحصل عن توقف التوريد عبر مضيق هرمز وإن كان توريدها سيتم عبر نحو (120) يوماً كما في الحالة الأمريكية.

ويوضح أبو غوش أن هذه الخطوة ستساهم في تهدئة الأسواق نسبياً، لكن الأمر سيعتمد لاحقاً أكثر على المخاطر الجيوسياسية ومدى توسع هذه الحرب وطولها، فكلما امتدت وطالت مدتها فإن الأسعار ستعاود الارتفاع، وكلما اقتربت نهايتها أو على الأقل تم تأمين الواردات النفطية والغاز بطريقة آمنة فإن الأسعار ستهبط أو تستقر.


إمكانية الاتفاق مع روسيا


ويرى أبو غوش أن الأوضاع هذه ستدفع الولايات المتحدة إلى أحد أمرين: إما التسريع في إنهاء الحرب مع ايران عبر الطرق العسكرية أو السلمية، أو إلى اتفاق مع روسيا لرفع العقوبات عنها وبخاصة فيما يتعلق بتصدير النفط والغاز لأن ذلك من شأنه أن يكون عاملاً حاسماً في تحديد الأسعار.


محاولة واضحة للتأثير في السوق العالمية للنفط


توضح الكاتبة والباحثة السياسية د. ولاء قديمات أن لجوء الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى المخزون النفطي الاستراتيجي يأتي عادة في سياق الحروب والأزمات الكبرى التي تؤدي إلى اضطرابات في أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط، مشيرة إلى أن هذه الأداة استخدمت سابقاً خلال إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن في ظل الحرب الأوكرانية، وهو الإجراء الذي كان يلقى انتقادات من ترمب وحزبه في ذلك الوقت.

وتشير قديمات إلى أن عودة الحديث عن استخدام المخزون النفطي في المرحلة الحالية تأتي في سياق مقترحات طرحتها وكالة الطاقة الدولية تدعو إلى السحب من الاحتياطي النفطي بهدف التخفيف من الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة.

وتلفت قديمات إلى أن لجوء ترمب إلى هذه الخطوة يعكس محاولة واضحة للتأثير في السوق العالمية للنفط والحد من تقلبات الأسعار، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة المرتبطة بالحرب مع إيران وما قد تسببه من اضطراب في إمدادات الطاقة العالمية.

وترى قديمات أن الهدف من هذه الخطوة لا يقتصر على البعد الاقتصادي فحسب، بل يمتد أيضاً إلى البعد الداخلي في الولايات المتحدة، حيث يسعى ترمب إلى تهدئة الرأي العام الأميركي الذي يتأثر مباشرة بارتفاع أسعار الوقود وتداعياته على الوضع المعيشي والاقتصادي.

وتشير قديمات إلى أن الإدارة الأميركية قد تلجأ إلى إجراءات إضافية إلى جانب استخدام المخزون الاستراتيجي لضمان استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية والحد من المخاوف المرتبطة بارتفاع الأسعار.


إدارة أزمة إمدادات النفط الناتجة عن الحرب


وفيما يتعلق بتداعيات هذه الخطوة على مسار الحرب، ترى قديمات أن الإدارة الأميركية تبدو وكأنها تحاول الانتقال من إدارة الحرب العسكرية المباشرة إلى إدارة أزمة إمدادات النفط الناتجة عنها، باعتبار أن أزمة الطاقة أصبحت أحد أبرز انعكاسات الصراع الدائر. وتوضح قديمات أن هذا التوجه يعكس محاولة للاستثمار في تداعيات الحرب بما يخدم الدور الأميركي ويحمي الجبهة الداخلية، خاصة أن الولايات المتحدة تمتلك واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم.

وتؤكد قديمات أن هذه الخطوة قد تُقرأ أيضاً في إطار محاولة واشنطن إدارة الصراع بوسائل مختلفة، قد تشمل الانتقال تدريجياً من المواجهة العسكرية المباشرة إلى استخدام أدوات سياسية واقتصادية أكثر مرونة، بما يتيح إعادة ترتيب المشهد الإقليمي وفق الرؤية الأميركية.


أكبر عملية سحب في تاريخ الوكالة الدولية للطاقة


يؤكد الخبير والمحلل الاقتصادي د. ثابت أبو الروس أن توجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى المخزون الاستراتيجي من النفط يأتي في ظل تصاعد الحرب على إيران وتأثيرها على ارتفاع أسعار النفط العالمية بشكل غير مسبوق، حيث تجاوزت الأسعار 120 دولاراً للبرميل، ما دفع الإدارة الأمريكية للتحرك بشكل عاجل لتهدئة الأسواق.

ويوضح أبو الروس أن الولايات المتحدة قررت ضخ نحو 400 مليون برميل من الاحتياطي النفطي، وهي أكبر عملية سحب في تاريخ الوكالة الدولية للطاقة، بهدف تشكيل شبكة أمان دولية تحمي الأسواق من ارتفاعات الأسعار المفاجئة.

لكن أبو الروس يشدد على أن القدرة الفعلية على الضخ اليومي لا تتجاوز نحو 2 مليون برميل فقط، ما يمثل 18-20% من الكمية اليومية، ما يحد من التأثير المباشر للمخزون على الأسواق بشكل كامل.


رسالة طمأنة لدول الخليج والشرق الأوسط


وحول تداعيات القرار، يشير أبو الروس إلى ثلاثة أبعاد رئيسية: البعد السياسي، إذ يمثل رسالة طمأنة لدول الخليج والشرق الأوسط بأن الولايات المتحدة قادرة على امتصاص أي نقص في الإمدادات النفطية والتحكم في الأسواق. البعد الاقتصادي، وفق أبو الروس، يهدف اللجوء إلى المخزون إلى تشكيل شبكة أمان، لكنه محدود من حيث القدرة على توفير النفط لفترات طويلة، إذ يبلغ الاحتياطي الفعلي 415 مليون برميل فقط من أصل 750 مليون برميل كإجمالي المخزون.

ويشير أبو الروس إلى البعد التجاري، حيث يجمع بين الرؤية السياسية والاقتصادية للحفاظ على التوازن النسبي في السوق.


صمود الاحتياطي بالسيطرة على الأسعار


ويتساءل أبو الروس عن قدرة الاحتياطي على صموده بالسيطرة على الأسعار لفترة طويلة، مؤكداً أن المخزون لا يكفي لمعالجة الصدمة المستمرة، خصوصاً مع استمرار الحرب واستهداف المرافق النفطية في العراق ودول الخليج، فضلاً عن المعوقات في مضيق هرمز. ويشير أبو الروس إلى أن هذه العوامل مجتمعة قد تخلق موجة ارتفاع جديدة للأسعار رغم ضخ الاحتياطي، ما يعكس هشاشة الأسواق العالمية أمام أي اضطراب مستمر في إمدادات الطاقة.

ويرى أبو الروس أن خطوة ترمب تهدف إلى تهدئة الأسواق على المدى القصير، لكنها لا تضمن استقرار الأسعار على المدى الطويل، في ظل استمرار الحرب وعدم قدرة المخزون الاستراتيجي على مواجهة أي صدمة كبرى.


تحولات أعمق في طبيعة الصراع


يرى الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن لجوء الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى المخزون النفطي الاستراتيجي في ظل الحرب المتصاعدة على إيران يكشف عن تحولات أعمق في طبيعة الصراع، مع انتقاله تدريجياً إلى ما يمكن وصفه بـ"حرب الطاقة" وتأثيره المتزايد على الاقتصاد العالمي.

ويشير الرجوب إلى أن هذه الخطوة تؤكد أن حسم المعركة لن يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل أيضاً على القدرة على إدارة الاقتصاد العالمي والتحكم في شريان الطاقة الذي يقوم عليه.


إدارة الحروب بأدوات اقتصادية


ويوضح الرجوب أن الحروب الكبرى لا تُدار فقط بأدوات ووسائل عسكرية، بل تُدار أيضاً بأدوات اقتصادية وفي مقدمتها النفط، فعندما تتعرض أسواق الطاقة للاهتزاز وتقترب أسعار النفط من مستويات مرتفعة للغاية، يصبح المخزون النفطي الاستراتيجي أداة سياسية واقتصادية لا تقل تأثيراً عن القوة العسكرية، ومن هذا المنطلق يمكن فهم قرار ترمب بهدف كبح ارتفاع أسعار الطاقة.

ويشير الرجوب إلى أن الاحتياطي النفطي الاستراتيجي يعد أحد أهم أدوات الأمن القومي الاقتصادي للولايات المتحدة، إذ يتم استخدامه عادة في حالات الطوارئ عندما تتعرض إمدادات النفط العالمية لاضطرابات كبيرة أو تهديدات جدية.

غير أن اللجوء إليه في هذا التوقيت يعكس، بحسب الرجوب، أن الحرب لم تعد مسألة خارجية فحسب، بل بدأت تنعكس بشكل مباشر على الداخل الأميركي وعلى الاقتصاد العالمي.

ويبيّن الرجوب أن التصعيد العسكري في الخليج أدى إلى اضطراب حركة الطاقة وارتفاع أسعار النفط عالمياً، مع اقتراب سعر البرميل من مستويات مرتفعة نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات، خاصة في ظل التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي.

ويرى الرجوب أن هذا الواقع دفع الإدارة الأميركية إلى البحث عن أدوات سريعة لاحتواء صدمة الأسواق وتهدئة المخاوف الاقتصادية.

ويشير الرجوب إلى أن استخدام المخزون الاستراتيجي يحمل أيضاً رسالة طمأنة للأسواق العالمية، إذ إن ضخ كميات إضافية من النفط في السوق يزيد من المعروض ويحد من تسارع ارتفاع الأسعار.

وبحسب الرجوب، فإنه غالباً ما يتم اتخاذ مثل هذه الخطوات بالتنسيق مع الحلفاء، حيث ناقشت وكالة الطاقة الدولية ودول مجموعة السبع إمكانية إطلاق كميات إضافية من المخزونات العالمية لمواجهة اضطراب السوق الناتج عن الحرب.


الحرب قد تستمر لفترة طويلة


ويرى الرجوب أن هذه الخطوة تعكس إدراكاً أميركياً بأن الحرب قد تستمر لفترة طويلة، لأن الدول لا تلجأ عادة إلى احتياطاتها الاستراتيجية إلا عندما تتوقع استمرار الأزمة لفترة ممتدة.

ويؤكد الرجوب أن القرار يعكس تحولاً في طريقة إدارة الحرب، بحيث لم تعد المواجهة عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً اقتصادية. ويوضح الرجوب أن الإدارة الأميركية باتت تدير المعركة على مستويين متوازيين: عسكرياً عبر الضربات المباشرة، واقتصادياً عبر محاولة التحكم في أسواق الطاقة ومنع إيران من استخدام النفط كسلاح اقتصادي في الصراع.

ويشير الرجوب إلى أن إيران تمتلك بالفعل قدرة مؤثرة على الاقتصاد العالمي عبر موقعها الجغرافي في مضيق هرمز، الذي تمر عبره ملايين البراميل من النفط يومياً، حيث أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه كفيل بإحداث صدمة في الأسواق العالمية.


تأثير مؤقت


ورغم أهمية المخزون الاستراتيجي، يحذر الرجوب من أن تأثيره يبقى مؤقتاً، إذ إن الكميات التي يمكن الإفراج عنها لا تمثل سوى أيام قليلة من الاستهلاك العالمي، وبالتالي فإن استخدامه قد يخفف الصدمة في المدى القصير لكنه لا يعالج السبب الأساسي للأزمة، وهو استمرار الحرب والتوترات في الخليج.


سيناريوهات ثلاثة


وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المحتملة، يطرح الرجوب ثلاثة احتمالات رئيسية؛ الأول يتمثل في نجاح واشنطن وحلفائها في ضخ كميات كافية من النفط لتهدئة الأسواق ومنع الأسعار من الوصول إلى مستويات قياسية، ما يخفف الضغط الداخلي على الإدارة الأميركية دون إنهاء الحرب.

أما السيناريو الثاني وفق الرجوب، فيتعلق بتوسع الهجمات في الخليج وربما إغلاق مضيق هرمز، وهو ما قد يدفع أسعار النفط إلى تجاوز 100 أو حتى 200 دولار للبرميل ويخلق أزمة طاقة عالمية حقيقية.

ويشير الرجوب إلى السيناريو الثالث والأكثر تعقيداً، فيتمثل في تحول الصراع إلى حرب اقتصادية شاملة، خاصة إذا فشلت واشنطن في كبح الأسعار أو حماية الملاحة في المضائق، وقد تلجأ الولايات المتحدة إلى خطوات أكثر جرأة، مثل حماية ناقلات النفط عسكرياً أو فرض ترتيبات جديدة لإمدادات الطاقة العالمية.


قلق متزايد من التداعيات الاقتصادية للحرب


يؤكد أستاذ العلوم السياسية د. أمجد بشكار أن التطورات المرتبطة بالحرب الدائرة مع إيران بدأت تنعكس بشكل واضح على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، مشيراً إلى أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن اللجوء إلى الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، تهدف بالأساس إلى طمأنة السوق العالمي والحد من ارتفاع أسعار النفط، في ظل المخاوف من تجاوز سعر البرميل حاجز 100 دولار، وهو المستوى الذي وصل إليه بالفعل في ظل التوترات العسكرية المتصاعدة في المنطقة. ويؤكد بشكار أن هذه الخطوة تعكس قلقاً متزايداً من التداعيات الاقتصادية للحرب ليس فقط على الولايات المتحدة، بل على الاقتصاد العالمي بأكمله.

ويشير بشكار إلى أن استمرار الحرب قد يفتح الباب أمام تحولات في سياسات الطاقة العالمية، لافتاً إلى وجود حديث متزايد في الأوساط الدولية حول مشروع قانون أو قرار محتمل يتعلق برفع أو تخفيف العقوبات المفروضة على روسيا في ما يخص صادرات النفط.



تعويض النقص في الإمدادات العالمية من النفط


ووفق بشكار، فإن مثل هذا التوجه قد يهدف إلى تعويض أي نقص محتمل في الإمدادات العالمية من النفط نتيجة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، خاصة أن تداعيات الصراع لا تقتصر على إيران فقط، بل تمتد إلى مجمل منطقة الخليج التي تمثل أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير الطاقة في العالم.

ويشير بشكار إلى أن ثمة أصواتاً داخل الأوساط الروسية بدأت تتعالى مطالبة بعدم زيادة صادرات النفط حتى في حال رفع العقوبات، وذلك بهدف زيادة الضغط الاقتصادي على الولايات المتحدة.

ويرى بشكار أن هذا الموقف قد يعقّد حسابات السوق العالمية للطاقة ويزيد من حدة الأزمة الاقتصادية المرتبطة بالحرب.


استراتيجية ضغط اقتصادي على المجتمع الدولي


ويلفت بشكار إلى أن استهداف إيران لحقول النفط في الخليج، وفق ما يُتداول في التحليلات السياسية، قد يكون جزءاً من استراتيجية ضغط اقتصادي على المجتمع الدولي، بحيث يتم دفع العالم للضغط على الولايات المتحدة وإسرائيل لوقف الحرب من خلال التأثير على إمدادات النفط العالمية.

ويرى بشكار أن أي تصعيد في مضيق هرمز، وهو الرئة الأساسية لحركة الطاقة في العالم، قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة على الاقتصاد الدولي.

ويوضح بشكار أن الحديث المتداول عن احتمال استخدام زوارق مفخخة أو زرع ألغام بحرية في المضيق قد يشكل تهديداً مباشراً لحركة الملاحة وإمدادات النفط، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في الأسعار وتعميق أزمة الطاقة عالمياً.

ويؤكد بشكار أن استمرار هذه التطورات قد يؤدي في النهاية إلى زيادة الضغوط الدولية على الولايات المتحدة لوقف الحرب، مرجحاً احتمال أن تتجه واشنطن إلى إعلان الانتصار من طرف واحد كصيغة للخروج من الصراع، على غرار ما حدث في اليمن عندما أوقفت الولايات المتحدة ضرباتها ضد الحوثيين من دون اتفاق أو إعلان رسمي.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا