آخر الأخبار

أزمة النزوح في لبنان والمجاعة في غزة: تقرير ميداني

شارك

تتكشف في بيروت وقطاع غزة كلفة إنسانية باهظة للحرب الإقليمية الدائرة، حيث لا تتوقف الخسائر عند حدود المواجهات العسكرية، بل تمتد لتطال مئات الآلاف من المدنيين الذين وجدوا أنفسهم مقتلعين من بيوتهم. وترصد التقارير الميدانية اتساع موجة النزوح في لبنان تحت وطأة القصف، بالتزامن مع عودة شبح المجاعة إلى غزة نتيجة إغلاق المعابر الحيوية.

في العاصمة اللبنانية بيروت، وثقت مصادر صحفية مشاهد قاسية للنزوح الجماعي من الضاحية الجنوبية عقب الإنذارات الإسرائيلية المتكررة. واضطرت آلاف العائلات لمغادرة منازلها على عجل، حيث تحولت الملاعب الرياضية والمدارس إلى مراكز إيواء مؤقتة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة، وسط حالة من الهلع أصابت كبار السن والمرضى.

وتشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن السلطات المحلية في لبنان إلى مقتل ما لا يقل عن 570 شخصاً منذ بدء الضربات الجوية المكثفة. كما أجبر التصعيد نحو 700 ألف شخص على النزوح من مناطقهم، سجلت المصادر نزوح 100 ألف منهم خلال أربع وعشرين ساعة فقط، مما وضع ضغطاً هائلاً على البنية التحتية المتهالكة.

مراكز الإيواء في بيروت لم تعد قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة، ما دفع الكثير من العائلات لافتراش الشوارع والساحات العامة والواجهة البحرية. وتعبر شهادات النازحين عن فقدان كامل للأمل، حيث تروي مريم، وهي أم لثلاثة أطفال، كيف فقدت منزلها ومأواها المستأجر لتنتهي بها الحال في خيمة وسط ساحة الشهداء.

من جهتها، حذرت وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية من أن موجة النزوح الحالية قد تتجاوز المليون شخص، وهو رقم يفوق قدرة الحكومة على الاستجابة. ووصفت منظمة الصحة العالمية الأزمة بأنها غير مسبوقة لكونها تمتد عبر جبهات متعددة، مما يعقد وصول المساعدات الطبية والإنسانية للمحتاجين في المناطق المتضررة.

وعلى الجانب الآخر في قطاع غزة، أعاد التصعيد الإقليمي فتح أبواب الخوف من المجاعة مجدداً بعد إغلاق المعابر التجارية والحدودية. وأدى هذا الإغلاق إلى موجة هلع في الأسواق المحلية، حيث تضاعفت أسعار السلع الأساسية والخضروات لأكثر من ثلاثة أضعاف، مما فاقم معاناة السكان الذين يعيشون أصلاً تحت خط الفقر.

وتخشى العائلات النازحة في غزة أن يؤدي انشغال العالم بالصراع الإقليمي إلى تراجع الاهتمام الدولي بقضيتهم، مما يمنح الاحتلال فرصة لتشديد الحصار. وتقول شروق دواس، التي تعيش في خيمة بمدينة غزة إن الخوف من الجوع يطارد عائلتها يومياً، خاصة بعد أن فقدت والدها بسبب سوء التغذية في وقت سابق من الحرب.

نحن أناس عاديون ولا قرار لنا، ليس أمامنا سوى الانتظار والدعاء وسط هذا الصراع الكبير.

القطاع الصحي في غزة يعاني هو الآخر من شلل شبه تام، حيث ينتظر أكثر من 18 ألف مريض، بينهم 4 آلاف طفل، فرصة للإجلاء الطبي. وأدى إغلاق المعابر إلى ضياع فرص العلاج على حالات حرجة، مثل حالة الشاب أيمن سالم الذي أُلغي سفره في اللحظات الأخيرة بسبب اندلاع المواجهات الإقليمية.

وفي ظل هذه الظروف، تحاول الجهات المحلية في غزة ضبط الأسعار عبر نشر دوريات الشرطة في الأسواق، إلا أن هذه الإجراءات تصطدم بنقص التوريدات. ويؤكد تجار التجزئة أنهم لا يتحكمون في حركة الإمداد، وأن الارتفاع الجنوني في الأسعار نابع من تجار الجملة الذين استغلوا حالة عدم الاستقرار الأمني.

ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ أكتوبر 2025، إلا أن القصف الإسرائيلي لم يتوقف تماماً على قطاع غزة، حيث سقط 14 شهيداً منذ بدء التصعيد الأخير. ورفعت هذه الهجمات إجمالي عدد الشهداء منذ توقيع الاتفاق إلى 648 شهيداً، مما يثبت هشاشة الوضع الأمني الميداني وعدم التزام الاحتلال بالتهدئة.

ومن بين ضحايا القصف الأخير، برز اسم الصحفية أمل الشمالي التي استشهدت إثر استهداف خيام النازحين في منطقة السوارحة وسط القطاع. وتؤكد عائلات الضحايا أنه لا يوجد مكان آمن في غزة، وأن الموت يلاحقهم حتى في المناطق التي صُنفت سابقاً على أنها مناطق إنسانية أو آمنة.

ويرى مراقبون أن المدنيين في لبنان وفلسطين باتوا يدفعون الثمن الأكبر لصراعات تتجاوز قدراتهم على التأثير أو القرار. فبينما تنشغل العواصم الكبرى بالتحركات العسكرية والدبلوماسية، تظل العائلات في بيروت تبحث عن خيمة، بينما يطارد سكان غزة لقمة العيش وسط أنقاض منازلهم.

الخوف الأساسي لدى النازحين اللبنانيين اليوم ليس فقط من الغارات القادمة، بل من تحول النزوح إلى إقامة دائمة بلا أفق للعودة. هذا القلق يشاركه سكان غزة الذين يخشون أن يتحول الحصار الحالي إلى واقع مفروض لفترات طويلة، مما يقضي على ما تبقى من آمال في إعادة الإعمار أو الاستقرار.

في المحصلة، يرسم المشهد في بيروت وغزة لوحة مأساوية لواقع إنساني متدهور يفرضه الصراع الإقليمي المستمر. ويبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف في هذه المواجهة، حيث تضيع حقوقهم الأساسية في الغذاء والدواء والأمان وسط ضجيج الطائرات وأصوات الانفجارات التي لا تهدأ.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا