آخر الأخبار

قضية رانيا العباسي: مصير الأطفال الستة المفقودين في سوريا

شارك

تظل قضية الطبيبة وبطلة الشطرنج السورية رانيا العباسي واحدة من أكثر ملفات الإخفاء القسري مأساوية في التاريخ السوري المعاصر. فمنذ مارس 2013، انقطعت أخبار العائلة بالكامل بعد أن اعتقلت قوات النظام السوري رانيا وزوجها عبد الرحمن الياسين، بالإضافة إلى أطفالهما الستة ومساعدتها مجدولين القاضي من منزلهم بدمشق.

وعلى مدار سنوات طويلة، لم تقدم الأجهزة الأمنية أي رواية رسمية حول مصير العائلة أو مكان احتجاز الأطفال الذين كان من بينهم رضيعة تدعى ليان. ومع سقوط النظام السوري مؤخراً، تجددت الآمال في العثور على إجابات شافية تنهي عذاب الانتظار الذي تعيشه عائلة العباسي منذ أكثر من عقد من الزمن.

برزت في الآونة الأخيرة تطورات دراماتيكية تمثلت في تداول مقطع فيديو لفتاة في مطار روما الإيطالي تشبه إلى حد كبير الابنة الكبرى ديما. الفيديو الذي يعود لسبتمبر 2024 أظهر الفتاة في حالة ذعر أثناء توقيفها بجواز سفر مزور، مما دفع العائلة للتحرك دولياً للتحقق من هويتها.

وأوضح حسان العباسي، شقيق الطبيبة رانيا، في تصريحات لمصادر إعلامية أن العائلة حصلت على المقطع في أبريل 2025 وشاركتها مع مؤسسات أممية معنية بالأطفال. إلا أن الفتاة ظهرت لاحقاً في تسجيل آخر لتنفي صلتها بالعائلة، مما دفع العائلة للتوقف مؤقتاً عن ملاحقة هذا الخيط رغم الشبه الكبير.

وبعيداً عن 'فتاة المطار'، تبرز شهادات ميدانية تشير إلى أن أطفال رانيا العباسي ربما نُقلوا إلى دور رعاية تابعة لجمعيات في دمشق. وأكد شهود عيان من أطفال كانوا في جمعية 'قرى الأطفال' (SOS) أنهم التقوا ببعض أبناء رانيا لفترة وجيزة قبل نقلهم إلى وجهة غير معلومة.

وتحدث حسان العباسي عن وجود وثيقة كانت قد نشرتها فداء الدقوري، رئيسة جمعية 'دفى'، تؤكد بالأسماء وجود الأطفال الستة في مراكز الرعاية. لكن هذه الوثيقة حُذفت لاحقاً من الموقع الرسمي، مما أثار شكوك العائلة حول تعرض الجهات الناشرة لضغوط أمنية لإخفاء الحقيقة.

وتشير تقديرات العائلة إلى سيناريوهين؛ إما أن الأطفال لا يزالون في دور رعاية بأسماء مغايرة، أو أن هناك تلاعباً جرى لإبعاد الأنظار عن مكان احتجازهم الفعلي. وتوجهت أصابع الاتهام نحو 'دار الرحمة' في دمشق كواحدة من المؤسسات التي قد تكون استقبلت الأطفال تحت هويات مزيفة.

هؤلاء الأطفال الذين انتُزعوا من عائلاتهم في سوريا، أُطلقت عليهم أسماء وكنى أخرى مغايرة لأسمائهم الحقيقية.

وفي شهادة صوتية تعود لعام 2022، أكد أنس عبد الحي، وهو صهر مديرة دار الرحمة، أنه تعرف على أربع من بنات رانيا وهن انتصار ونجاح وآلاء وليان. وأوضح عبد الحي أن هؤلاء الأطفال تم تغيير كنياتهم ومُنعوا من دخول المدارس النظامية لضمان بقائهم بعيداً عن الرصد.

ومع مرحلة ما بعد سقوط النظام، بدأت وثائق من فرع المخابرات الجوية بالظهور، تضمنت إحداها اسم رانيا العباسي بشكل صريح. ورغم هذه الإشارات، يؤكد شقيقها أن العائلة لم تتسلم حتى الآن أي دليل مادي يثبت وفاة أي من أفراد العائلة أو يحدد مكانهم الحالي بدقة.

وانتقدت عائلة العباسي ضعف التجاوب الحكومي الحالي مع القضية، مشيرة إلى أن وزيرة الشؤون الاجتماعية لم تقم بجهود جدية رغم تزويدها بكافة المعطيات. وترى العائلة أن هناك تباطؤاً في ملاحقة الخيوط التي تقود إلى دور الأيتام والجمعيات التي كانت تعمل تحت إشراف أمني سابق.

من جانبها، أعلنت لجنة الكشف عن مصير المغيبين قسراً أنها لم تعثر في الملفات التي جُمعت حتى الآن على وثائق تبرهن إيداع الأطفال في دور الرعاية الحكومية. وأكدت اللجنة استمرار عمليات البحث والتقصي بالتعاون مع فريق جمعية (SOS) الجديد للوصول إلى الحقيقة.

وتعهدت اللجنة بالعمل بشفافية تامة وتقديم الدعم القانوني والنفسي لذوي المفقودين، مشيرة إلى تعقيد الملف بسبب حجم الانتهاكات الموروثة. وشددت على أن البحث يشمل كافة السجلات الأمنية والمدنية التي خلفها النظام السابق في محاولة لفك لغز آلاف المختفين.

ويعكس ملف عائلة العباسي مأساة أوسع نطاقاً في سوريا، حيث تشير أرقام الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى وجود أكثر من 177 ألف مختفٍ قسرياً. ومن بين هؤلاء آلاف النساء والأطفال الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً رغم توقف العمليات العسكرية الكبرى.

يبقى الجرح السوري نازفاً مع استمرار آلاف العائلات في البحث عن ذويها في المقابر الجماعية والسجون السرية ودور الرعاية. وتظل قضية رانيا العباسي وأطفالها الستة رمزاً للمطالبة بالعدالة وكشف الحقائق في بلد يحاول النهوض من ركام الحرب والسرية الأمنية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا