آخر الأخبار

تكية خاصكي سلطان: ملاذ الفقراء قرب المسجد الأقصى

شارك

عمرها 500 عام تطعم الصائمين في زمن الحرب والحصار
تكية "خاصكي سلطان" قرب المسجد الأقصى أصبحت ملاذ الفقراء في القدس
من إسطنبول إلى القدس: قصة أيقونة خيرية لم توقف عن العطاء

القدس - "القدس" دوت كوم- محمد أبو خضير-

في زقاق ضيق بالبلدة القديمة في القدس، وعلى بعد أمتار قليلة من المسجد الأقصى المبارك، يقف صرحٌ خيريٌ عتيق شهد على خمسة قرون من العطاء المتواصل. إنها تكية "خاصكي سلطان" ثاني أقدم تكية في فلسطين بعد تكية المسجد الإبراهيمي في الخليل، والتي لا تزال منذ تأسيسها في العهد العثماني وحتى اليوم، تمد جذورها في عمق التاريخ لتطعم الفقراء والصائمين والمارة والدارسين ورواد المسجد الأقصى المبارك والعاملين فيه.... لتصبح اليوم ملاذ الفقراء في ظل الاغلاق والحصار على المدنية بعد الحرب على قطاع غزة وإيران.

إرث روكسيلانا زوجة السلطان سلمان القانوني

تعود قصة هذه التكية إلى عام 1552، عندما أمرت السلطانة خاصكي خُرَّم سلطان عام (1502-1558)، المعروفة في الغرب باسم روكسيلانا، الزوجة المفضلة للسلطان العثماني سليمان القانوني (1520-1566)، ببنائها. وتشير المؤرخة التركية الدكتورة أمينة جتين في دراستها "المرأة في العمارة العثمانية: وقفيات خاصكي سلطان" (2021) إلى أن خُرَّم سلطان كانت أول زوجة سلطانية في التاريخ العثماني تُخصص لها أوقاف ضخمة بهذا الحجم، مما يعكس المكانة الاستثنائية التي حظيت بها في البلاط العثماني.

ويصف المؤرخ الفلسطيني الكبير عارف العارف (1892-1973) في موسوعته "المفصل في تاريخ القدس" (الصادرة عام 1961) التكية بأنها "من خيرة الأماكن الخيرية التي أنشأها الأتراك العثمانيون في مدينة القدس، إذ منذ تأسيسها إلى الآن يُقدم المشرفون عليها الغذاء لعدد كبير من الفقراء مجاناً، وفي كل يوم". ويؤكد العارف أن "نفقات التكية كانت تُدفع من ريع الأملاك التي أوقفتها السلطة لصالح التكية".

مجمع وقف خاصكي سلطان: مدينة داخل مدينة

لم يكن بناء التكية مجرد مطبخ خيري عابر، بل كان جزءاً من مجمع وقف ضخم شيّد على الطراز المعماري العثماني الكلاسيكي... المنتشر في المدن التركية والإسلامية التي امتدت وانتشرت خلال الخلافة العثمانية، يوضح الباحث التركي في شؤون القدس أحمد أويصال في كتابه "الآثار العثمانية في فلسطين" (إسطنبول، 2019) أن المجمع كان يضم، بالإضافة إلى التكية، مسجد خاصكي سلطان وهو مسجد صغير وزاوية للحجاج، وضمت 55 غرفة مخصصة لإيواء الحجاج القادمين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وخان (نزل) للمسافرين وكان مربطاً للخيول أيضاً.
ويشير أويصال إلى أن تصميم المجمع يحمل بصمات المعمار الشهير معمار سنان (1489-1588)، كبير مهندسي الدولة العثمانية في عهد سليمان القانوني، حيث تظهر في أروقته وقبابه لمحات من الطراز نفسه الذي استخدمه في مجمع السليمانية بإسطنبول.

وثيقة تاريخية فريدة
يشير صك وقف خاصكي سلطان (الوقفية) المؤرخ في 964 هـ / 1556-1557 م، والمحفوظ في سجلات المحكمة الشرعية في القدس، إلى تفاصيل دقيقة حول أوقاف التكية. وقد أجرى الباحث الفلسطيني الدكتور خالد سلامة دراسة موسعة بعنوان "الوثائق العثمانية في القدس: دراسة في الوقفيات" (جامعة القدس، 2015)، كشف فيها أن الوقفية تضم 195 اسماً جغرافياً و32 تيماراً (إقطاعاً) موزعة على امتداد جغرافي واسع.
وتشمل هذه الأوقاف: "قرى فلسطينية بكاملها: بيت دجن، يازور، كفرعانة، اللد، عنابة، الجيب، بيت لحم، بيت جالا، قاقون، وغيرها.
وعقارات تجارية: محلات تجارية (حوانيت) في أسواق القدس ويافا. وحمامات عامة: من أشهرها حمام الشفا في القدس. ومصانع: خاصة بصناعة الصابون (التي اشتهرت بها فلسطين) ومعاصر الزيتون. ومطاحن للحبوب: على طول الطريق بين يافا والقدس.
الخبير في شؤون الوقفيات العثمانية الدكتور محمد حرب من جامعة الأزهر في غزة يوضح في دراسة له (2018) أن "هذه الوقفية تمثل نموذجاً فريداً للتمويل المستدام للعمل الخيري، حيث حولت العائدات الضريبية لهذه القرى (التي كانت تدفع سابقاً للخزينة العثمانية) إلى ريع دائم للتكية، مما ضمن استمراريتها لقرون طويلة دون الحاجة إلى تمويل حكومي مباشر".
روكسيلانا بين الأسطورة والتاريخ
في الدراسات الغربية، حظيت شخصية خاصكي سلطان باهتمام كبير. المؤرخة البريطانية ليزلي بيرس، أستاذة التاريخ العثماني في جامعة نيويورك، وفي كتابها المرجعي "الحريم الإمبراطوري: المرأة والسيادة في الدولة العثمانية" (Oxford University Press, 1993)، ترى أن خُرَّم سلطان "أعادت تعريف دور السلطانة في الدولة العثمانية، فلم تكن مجرد زوجة، بل كانت شريكة في الحكم، وأعمالها الخيرية الضخمة في مكة والمدينة والقدس وإسطنبول كانت جزءاً من مشروع سياسي واجتماعي لتأكيد شرعية حكم أبنائها".

بين الماضي والحاضر: عزام الخطيب يتحدث

اليوم، وبعد مرور أكثر من 470 عاماً، يبدو المشهد مختلفاً جذرياً. فمن ريع 90 قرية ومدينة، أصبحت التكية تعتمد بشكل كبير على التبرعات. ورغم ذلك، يبقى دورها الإنساني محورياً، بل يزداد إلحاحاً في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعصف بالمدينة المقدسة وسكانها.
عزام الخطيب، مدير عام دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس-التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية، يصف التكية بأنها "من المعالم الأثرية البارزة في الأزقة القدسية وبالقرب من المسجد الأقصى المبارك"، مؤكداً أن الدائرة تشرف عليها اليوم وتداوم على تقديم الطعام للفقراء طوال أيام العام وفي رمضان بشكل خاص تقدم الإفطار والسحور لرواد المسجد الأقصى والعاملين فيه والذين يقومون على صيانته وحراسته وللموظفين والسدنة.

ويقول الخطيب في حديث خاص لـ "القدس": "لا تزال التكية تقدّم وجباتها الساخنة لروادها من سكان البلدة القديمة ورواد المسجد الأقصى على مدار العام، خاصة في شهر رمضان المبارك. كانت النفقات قديماً تدفع من حساب (السلطنة العثمانية)، أما اليوم فقد صارت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس (التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية) هي المشرفة على التكية وتتكفل بها كما يتبرع للتكية العديد من المحسنين والمتبرعين الفلسطينيين والعرب ".

ويضيف الخطيب: "الحاجة إلى التكية اليوم أشد من أي وقت مضى، نظراً لارتفاع مستوى المعيشة والغلاء الضريبي، وارتفاع نسبة الفقر في المدينة. أعداد المترددين عليها ازدادت بشكل كبير، وهم لا يقتصرون على سكان القدس فحسب، بل يمتدون إلى القرى المجاورة، بل وتشمل العائلات المسيحية في المدينة أيضاً".

الحرب على غزة وإيران، والحصار: معادلة الفقر المركبة

بدوره بسام أبو لبدة، مشرف التكية في دائرة الأوقاف الإسلامية. يشرح كيف أن التكية "تكتسب زخماً خاصاً في شهر رمضان، فيزداد عدد مرتاديها أضعافاً مضاعفة"، لكنه يعزو هذا التزايد إلى أسباب مركبة ومأساوية.
وأوضح أبو لبدة ان تكية تقدم الطعام لضيوف المسجد الأقصى ولموظفي الأوقاف والسدنة والأذنة والحراس والعاملين في الصيانة والكهرباء والمرافق المختلفة بالمسجد الأقصى المبارك يقدم الى جانب الطعام الشوربة (الجريشة) وهي مشهورة في التكية منذ قديم الزمان.

وتابع أبو لبدة: "التكية أصبحت ملاذ للكثير من الفقراء نظراً لظروف الحرب والضائقة الاقتصادية التي تزداد حدة في القدس جعلت الحاجة إلى التكية أكثر إلحاحاً وخصوصاً في شهر رمضان. ما تمر به فلسطين نتيجة للحرب على أهلنا في قطاع غزة، انعكس سلباً على مدينة القدس حيث أغلقت العديد من المحال التجارية".

ويضيف شارحاً العوامل التي تدفع أكثر من 60% من الفلسطينيين في القدس (وترتفع بين الأطفال إلى مستويات أعلى) تحت خط الفقر:

الإغلاق الكامل: "الاحتلال فرض إغلاقاً مشدداً على المدينة منذ بداية الحرب على غزة، مما أوقف الحركة التجارية والدينية بشكل شبه كامل".

الضرائب الباهظة: "هناك ضرائب مرتفعة تُفرض على السكان والتجار، لا تتناسب إطلاقاً مع مستوى دخلهم الذي أصبح معدوماً في كثير من الحالات".

تراجع فرص العمل: "تفشت العنصرية وازداد رفض تشغيل العمال العرب في أماكن العمل في الداخل الفلسطيني".

انهيار السياحة الدينية: "الحرب أوقفت السياحة الأجنبية والإسلامية بشكل كامل".

أرقام صادمة: الفقر في القدس بالأرقام

ووفق إحصائيات رسمية صادرة عن معهد القدس للدراسات السياسية (Jerusalem Institute for Policy Research) في تقريره السنوي لعام 2024، يقدر عدد الفلسطينيين في مدينة القدس الشرقية المحتلة بنحو 420 ألفاً، يعيش أكثر من 65% منهم تحت خط الفقر. التقرير الذي يصدر بالتعاون مع الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني يشير إلى أن "نسبة الفقر بين الأطفال الفلسطينيين في القدس تصل إلى 76%، وهي من أعلى النسب في المنطقة".

أما برنامج الأغذية العالمي (WFP) فقد حذر في تقرير صدر في فبراير 2024 من أن "نسبة انعدام الأمن الغذائي في صفوف الفلسطينيين بالقدس الشرقية تضاعفت ثلاث مرات منذ بداية الحرب على غزة في أكتوبر 2023".

المدينة المقدسة تحت الحصار

يعلق المؤرخ والكاتب الفلسطيني الدكتور جورج حنيني على هذه الأرقام بالقول: "ما يحدث في القدس هو حرب خفية على الوجود الفلسطيني. الجدار، الحواجز، إلغاء الهوية المقدسية، وسحب البطاقات الممغنطة، كلها أدوات لدفع الفلسطينيين للخروج من المدينة. في ظل هذا الضغط، تصبح تكية خاصكي سلطان أكثر من مجرد مطعم خيري، إنها مؤسسة مقاومة اجتماعية تحافظ على صمود الناس في أرضهم".

المطبخ لا يتوقف: إفطار للصائمين وسحور للمحتاجين

وسط هذا الواقع القاسي، لا يتوقف المطبخ العثماني القديم في التكية عن العمل. ففي رمضان، يرتفع عدد الوجبات المقدمة يومياً ليصل إلى ما بين 500 وجبة ساخنة. ويوضح أبو لبدة أن التكية تقدم وجبتي الإفطار والسحور لروادها.

ويشرح أبو لبدة آلية العمل: "نقوم بتوفير وجبات ساخنة يومياً، تشمل اللحوم أو الدجاج إضافة إلى الأرز. العائلات ترسل أبناءها أو نساءها حاملين الأواني والأطباق ليأخذوا حصصهم. في بعض الأحيان، نضطر لزيادة الكميات بسبب الإقبال الشديد".
ويضم بناء التكية مطبخاً ضخماً يعمل بالحطب والغاز، وفرناً تقليدياً (تبون)، وقاعة طعام رئيسية تتسع لأكثر من 200 شخص، وغرفاً لتخزين المواد التموينية تكفي لتأمين احتياجات شهر رمضان كاملاً.

التكية: نموذج التنمية المستدامة

في الجانب الاقتصادي التاريخي، يرى الباحث التركي محمد جنجي في دراسته "الوقف العثماني: نظام التمويل الخيري" (جامعة أنقرة، 2020) أن تكية خاصكي سلطان شكلت نموذجاً للتنمية المستدامة. فقد استخدمت السلطانة عائدات الأوقاف المختلفة ليس فقط لبناء المجمع وصيانته، بل لخلق حركة اقتصادية نشطة. شملت هذه الأصول أراضٍ زراعية في القرى الفلسطينية المختلفة، ومحلات تجارية، وحمامات عامة، ومصانع صابون، ومطاحن.

تكية خاصكي في الأدب

في الأدب التركي الحديث، حظيت شخصية خاصكي سلطان وتكيتها في القدس باهتمام خاص. الروائي التركي الشهير أورهان باموق (الحائز على نوبل في الآداب 2006) يذكر في روايته "اسمي أحمر" (Benim Adım Kırmızı) بشكل عابر "تكية خُرَّم في القدس" كأحد رموز العمارة العثمانية في الولايات العربية. أما الشاعرة التركية جيجك ديلن فقد كتبت قصيدة بعنوان "خرم سلطان في القدس" تصف فيها يد الخير الممتدة من إسطنبول إلى القدس.

غابت أجواء رمضان واطفئة الزينة

يشير تقرير صادر عن وزارة السياحة والآثار الفلسطينية إلى أن القدس كانت تستقبل قبل الحرب أكثر من 3 ملايين سائح سنوياً، يشكل السياح الأتراك نسبة مهمة منهم (نحو 200 ألف سائح تركي سنوياً). وكان العديد من هؤلاء السياح يحرصون على زيارة تكية خاصكي سلطان كجزء من الجولات السياحية الدينية.
يقول أبو لبدة: "تعتمد القدس على السياحة الأجنبية والإسلامية وعلى زوار المسجد الأقصى. السياح الأتراك خاصة كانوا يفدون بأعداد كبيرة لزيارة التكية التي بناها أجدادهم. لكن الحرب أدت إلى ضرب القوة الشرائية بالكامل. عدم حضور السياح ورواد المسجد الأقصى بسبب الإجراءات الإسرائيلية وإغلاق البلدة القديمة والمسجد الأقصى أمام المصلين، ألقى بظلاله على مجمل الأوضاع الاقتصادية".
ويضيف موضحاً المشهد المرير: "توقفت الحياة في المدينة العتيقة، واقتصَر الحضور على الجيش وافراد القوات الخاصة والمستوطنين الذين يجوبون البلدة بحرية، فيما يمنع الفلسطينيون من دخول البلدة القديمة".

التمويل
أما عن تمويل هذا العطاء المتواصل، فيؤكد أبو لبدة على التحول الكبير الذي طرأ على الموارد: "التكية اليوم تعتمد على بعض المحسنين ودائرة الأوقاف الإسلامية ووزارة الأوقاف في الأردن. هناك أشخاص أو مؤسسات مجتمعية تتبرع للتكية، ونحن نستقبل أي تبرع مادي أو عيني من خلال دائرة الأوقاف الإسلامية".

فضل إطعام الطعام في الموروث الإسلامي
من الناحية الدينية، يستند العمل الخيري في التكية إلى نصوص قرآنية وأحاديث نبوية تحض على إطعام الطعام. يقول الشيخ عكرمة صبري خطيب المسجد الأقصى المبارك: "إطعام الطعام في الأماكن المقدسة له فضل عظيم، خاصة في شهر رمضان. التكية تواصل سنة حسنة بدأت قبل خمسة قرون، وتجسد معنى التكافل الاجتماعي الذي دعا إليه ديننا الحنيف".

تكية خاصكي سلطان.. أيقونة العطاء المتجدد
هكذا، تبقى تكية خاصكي سلطان شاهداً على التاريخ، ونموذجاً صامداً للعمل الخيري المستمر. تروي جدرانها الحجرية قصصاً من أيام العثمانيين، بينما تمتلئ أوانيها اليوم بحكايات الجائعين في زمن الحرب والحصار. وما بين روكسيلانا التي بنتها من ريع القرى، والمقدسيين الذين يطرقون بابها اليوم طلباً للطعام، تمتد خيوط من نور لا تنقطع، تخبر العالم أن القدس كانت وستبقى مدينة الخير والعطاء.

مصدر الصورة مصدر الصورة

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا