أفادت مصادر بحثية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بأن إسرائيل تسعى جاهدة لإطالة أمد المواجهة العسكرية مع إيران، بهدف الوصول إلى غاية استراتيجية غير معلنة تتمثل في تقويض أركان النظام الإيراني وإسقاطه. وتستند هذه الرؤية إلى قناعة إسرائيلية راسخة بأن طهران لن تتخلى عن طموحاتها النووية ما دام النظام الحالي قائماً، مما يجعل التغيير الجذري في هيكلية السلطة ضرورة أمنية من وجهة نظر تل أبيب.
واعتبرت ورقة تقدير موقف حديثة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو استغل التحولات السياسية الكبرى، بدءاً من تداعيات عملية 'طوفان الأقصى' وصولاً إلى عودة دونالد ترمب للبيت الأبيض، لتنفيذ مخططات تم التحضير لها على مدار عقود. ويهدف نتنياهو من خلال هذا التصعيد إلى ضمان احتكار إسرائيل للقوة النووية في المنطقة ومنع ظهور أي منافس إقليمي قادر على تهديد تفوقها العسكري.
وتشير المصادر إلى أن التحريض الإسرائيلي ضد إيران ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لسياسة تاريخية بدأت بتدمير مفاعل 'تموز' العراقي عام 1981 ومفاعل 'الكبر' السوري عام 2007. وتعمل إسرائيل حالياً كمحرك رئيسي للجهود الدولية الرامية لعزل طهران وفرض عقوبات قصوى عليها، في محاولة لإنهاكها داخلياً قبل توجيه ضربات قاصمة لبنيتها التحتية.
وتتجاوز الطموحات الإسرائيلية مجرد إضعاف القدرات العسكرية، لتصل إلى حد الرغبة في إدخال إيران في حالة من الفوضى الشاملة أو الحرب الأهلية. وتراهن تل أبيب على تحريك النزعات الانفصالية لدى الأقليات الإثنية التي تشكل نحو نصف السكان، بهدف تفكيك الدولة الإيرانية إلى دويلات صغيرة أو كانتونات متناحرة، مما ينهي دورها كقوة إقليمية موحدة.
من جانبها، تتبنى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية توجهاً يؤيد استخدام القوة المفرطة لإضعاف إيران، لكنها تدرك في الوقت ذاته تعقيدات إسقاط النظام. وترى مصادر عسكرية أن تحقيق هذا الهدف يتطلب حملة جوية واسعة النطاق تستهدف العصب الاقتصادي للبلاد، بما في ذلك منشآت النفط والغاز وشبكات الكهرباء، وهو ما يواجه تحفظات واضحة من قبل الإدارة الأمريكية الحالية.
ويبرز التباين بين واشنطن وتل أبيب في ملف الطاقة؛ حيث تخشى إدارة ترمب من أن تؤدي الضربات المكثفة للمنشآت النفطية الإيرانية إلى خروج إنتاج طهران من الأسواق العالمية. هذا السيناريو قد يتسبب في قفزات حادة بأسعار الطاقة الدولية، وهو أمر تسعى واشنطن لتجنبه بأي ثمن للحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي ومصالحها الداخلية.
علاوة على ذلك، تختلف الرؤية السياسية لترمب عن توجهات نتنياهو فيما يخص مستقبل الحكم في طهران. فبينما تدفع إسرائيل نحو الانهيار الكامل للنظام، تفضل الإدارة الأمريكية إحداث تغيير في سلوك النظام وسياساته مع الإبقاء على مؤسسات الدولة قائمة، وذلك لتفادي حدوث فراغ أمني قد يؤدي إلى فوضى غير محكومة في منطقة استراتيجية.
وفي سياق موازٍ، يواجه النظام الإيراني هذه المخططات في ظل اختلال موازين القوى لغير صالحه، خاصة مع غياب حليف دولي من القوى العظمى قادر على توفير مظلة حماية أو دعم لوجستي كافٍ للصمود. وتأتي هذه التطورات في وقت تستحضر فيه الذاكرة السياسية مواقف إيران السابقة، مثل دعمها للغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وتدخلها المباشر في الأزمة السورية.
وعلى الصعيد الشعبي والإعلامي، أدى التصعيد العسكري إلى بروز معارك فكرية واصطفافات مذهبية حادة تجاوزت الأبعاد السياسية للحدث. ويحذر مراقبون من أن تحول الصراع إلى استقطاب 'سني-شيعي' يخدم الأهداف الإسرائيلية في تفتيت المنطقة، داعين النخب والمفكرين إلى إعادة توجيه البوصلة نحو ما يصفونه بـ 'العدو الوجودي الحقيقي'.
ختاماً، يرى محللون أن نتائج هذا الصراع ستعيد رسم خارطة الشرق الأوسط لعقود قادمة. فبينما تسعى إسرائيل لحسم صراعها مع 'المشروع الإيراني' بشكل نهائي، تظل الحسابات الأمريكية والتعقيدات الميدانية حجر عثرة أمام تحقيق الطموحات الإسرائيلية الكاملة، مما يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة تتراوح بين الانفجار الشامل أو التسويات القسرية.
المصدر:
القدس