تواجه المرابطة المقدسة والمعلمة خديجة خويص فصلاً جديداً من فصول الملاحقة الإسرائيلية الممنهجة، حيث تسلمت مؤخراً قراراً يقضي بمنعها من السفر يحمل توقيع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ويأتي هذا الإجراء في سياق سياسة تهدف إلى تضييق الخناق على الرموز النسائية المرابطة في القدس المحتلة، بعد أسابيع قليلة من صدور قرار مماثل بحق المرابطة هنادي الحلواني.
تصف خويص هذه القرارات بأنها محاولة لتصفية وجودها المدني والاجتماعي داخل مدينة القدس، حيث لم يتوقف الأمر عند المنع من السفر أو الإبعاد عن المسجد الأقصى، بل امتد ليشمل حرمانها وأبناءها من حقوقهم الصحية والمالية الأساسية. وتؤكد مصادر أن هذه الإجراءات تهدف إلى عزل المرابطات عن محيطهن العربي والدولي ومنعهن من إيصال صوت القدس إلى الخارج.
خديجة التي ولدت في بلدة الطور عام 1977، ارتبطت حياتها بالمسجد الأقصى منذ طفولتها، حيث تلقت تعليمها الثانوي في مدرسة الأقصى الشرعية داخل ساحات المسجد. هذا الارتباط الوثيق دفعها لاحقاً للتخصص في الدراسات الإسلامية والقرآن الكريم، حتى نالت درجة الدكتوراه من جامعة النجاح الوطنية، مكرسة حياتها للعلم والرباط في أولى القبلتين.
بدأت رحلة المواجهة المباشرة مع سلطات الاحتلال في مارس 2014، عندما قررت خديجة التفرغ للرباط في المسجد الأقصى لمواجهة تصاعد الاقتحامات والاعتداءات. وترى خويص أن دور المرأة في حماية المقدسات لا يقل أهمية عن دور الرجل، خاصة في ظل التضييق المستمر على المصلين الرجال ومنعهم من الوصول إلى المسجد عبر الاعتقالات والإبعاد.
تعود ذاكرة خديجة إلى أول قرار إبعاد تسلمته في سبتمبر 2014، حين كانت تقيم حلقة علم للنساء على إحدى مصاطب الأقصى، ليتم توقيفها وتسليمها قراراً بالإبعاد لمدة 15 يوماً. كانت تلك الحادثة مجرد بداية لسلسلة طويلة من الملاحقات التي شملت عشرات قرارات الإبعاد والاعتقالات المتكررة التي لم تزدها إلا إصراراً على مواصلة طريقها.
تتحدث المرابطة المقدسية بمرارة عن العقوبات التي طالت عائلتها، حيث حُرم أطفالها من التأمين الصحي ومخصصاتهم المالية لسنوات طويلة كنوع من الضغط النفسي والمادي. كما تسبب الاحتلال في تشتيت شمل أسرتها عبر منعها من دخول الضفة الغربية التي ينحدر منها زوجها الراحل، مما أجبرهم على العيش في ظروف سكنية صعبة خلف الجدار العازل.
لم تقتصر الملاحقة على الجوانب القانونية، بل شملت مضايقات ميدانية يومية مثل ملاحقة مركبتها الخاصة وتحرير مخالفات تعسفية بحقها وإبطال ترخيصها. وأفادت مصادر بأن خديجة تعرضت خلال اعتقالاتها المتكررة لانتهاكات جسيمة شملت نزع حجابها وجلبابها قسراً، والتهديد اللفظي، والتجويع داخل الزنازين، في محاولة لكسر إرادتها وثنيها عن الرباط.
تؤكد خويص أن الاحتلال يخشى أثر النساء في تعزيز الارتباط بالمقدسات وحشد الجماهير نحو قضية القدس، ولذلك يعمد إلى ترسيخ سياسة الإبعاد الدائم. ورغم منعها من دخول المسجد الأقصى وحتى الصلاة عند أبوابه، إلا أنها تشدد على أن القرب القلبي والروحي من المكان يزداد مع كل قرار تعسفي يصدر بحقها.
وفيما يتعلق بمنع السفر، توضح خديجة أن أسفارها كانت دائماً مخصصة للعبادة أو لنشر التوعية بقضية القدس وفلسطين في المحافل الدولية. وترى أن هذه العقوبة هي ضريبة يدفعها كل من يحب الأقصى ويدافع عنه، مؤكدة أن منع جسدها من السفر لن يمنع لسانها ورسالتها من الوصول إلى كل أرجاء العالم عبر الوسائل المتاحة.
عانت خديجة ظروفاً إنسانية قاسية، لا سيما خلال فترة مرض زوجها ووفاته قبل نحو عام ونصف، حيث كان يمثل السند والظهير لها في مسيرة الرباط. ورغم فقدان السند الشخصي وتصاعد الضغوط الإسرائيلية، تصر خديجة على أن المسيرة مستمرة، وأن الحكمة تقتضي التعامل الحذر مع القيود الراهنة لضمان استمرارية العطاء.
تصف خويص الوضع الحالي في القدس بأنه "مخيف ومحفوف بالمخاطر"، خاصة بعد الحرب الأخيرة التي فرضت قيوداً مشددة على الحركة والوصول إلى البلدة القديمة. وتروي كيف تم توقيفها مؤخراً عند باب العمود واقتيادها للتحقيق لمجرد توجهها لجلسة استماع قانونية، مما يعكس حالة الترقب والملاحقة الدائمة التي تعيشها.
يبقى المسجد الأقصى بالنسبة لخديجة خويص هو العقيدة والعنوان الذي لا يمكن التراجع عنه مهما بلغت التضحيات، حيث تصف علاقتها به بأنها علاقة روحية تعيد لها شبابها. وتعبر عن حزنها العميق حين تسمع صوت الأذان ولا تستطيع تلبيته، لكنها تجد عزاءها في نية الرباط التي لا تنقطع رغم الحواجز والجدران.
عندما تنجح خديجة في انتزاع لحظات لدخول الأقصى بين قرارات الإبعاد، يكون سجود الشكر هو فعلها الأول تعبيراً عن عودة الروح إلى جسدها. وتحرص دائماً على تفقد مصلى باب الرحمة بشكل خاص، لشعورها بأنه يعاني من عزلة وظلم شديدين، مما يجعلها تشعر بمسؤولية مضاعفة تجاه كل زاوية في المسجد.
تختم المرابطة المقدسية حديثها بالتأكيد على أن الأجيال القادمة ستحمل الراية، وأن التضييق الحالي لن يؤدي إلا إلى مزيد من التمسك بالحقوق الثابتة. وتعتبر أن كل ما تقدمه من تضحيات هو جزء بسيط من الواجب تجاه المقدسات، مشددة على أن صوت الحق سيبقى مرتفعاً مهما حاول الاحتلال إسكاته بقرارات المنع والإبعاد.
المصدر:
القدس