آخر الأخبار

قصة آية الدحدوح: صمود امرأة فلسطينية فقدت عائلتها في غزة

شارك

قبل شهرين من الموعد المحدد لولادتها، وجدت الفلسطينية آية الدحدوح نفسها تواجه آلام المخاض في ظروف قاسية أثناء رحلة نزوح قسرية داخل قطاع غزة. جسدها المنهك من تكرار الهروب وحقائبها المثقلة بذكريات العائلة لم تمنع القدر من فرض واقع جديد، حيث بدأت الولادة في وقت كانت فيه المنظومة الطبية تنهار تحت وطأة الحصار والقصف المستمر.

في عتمة البيت وبأدوات بدائية، حاولت العائلة إنقاذ آية وجنينها، إلا أن تعقيدات طبية خطيرة تمثلت في بقاء المشيمة عالقة استدعت نقلها فوراً إلى المستشفى. وصلت آية إلى مجمع الصحابة الطبي الذي كان يعاني من أضرار جسيمة، لتخضع لجراحة طارئة في غرفة تفتقر لأدنى المقومات الأساسية، وسط انقطاع تام للتيار الكهربائي وبرد قارس ينهش الأجساد.

وصفت آية تلك اللحظات القاسية لمصادر صحفية، مؤكدة أن الأطباء اضطروا لاستخدام أضواء الهواتف المحمولة لإتمام الجراحة، مع الاعتذار عن نقص التخدير الذي جعلها تشعر بكل تفاصيل الألم. كانت تلوذ بالصبر وتكتم صرخاتها أملاً في احتضان طفلها القادم، متناسية جراحها الجسدية في سبيل غريزة الأمومة التي تصارع الموت.

بينما كانت الأم تقاوم في غرفة العمليات، كان زوجها ياسر ينقل طفلهما 'عبد الهادي' إلى حضانة مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا، على أمل أن يتلقى الرعاية اللازمة. لكن الموت كان أسرع من محاولات الإنقاذ، إذ أدى اشتداد الحصار ونفاد الوقود إلى انقطاع الأكسجين عن الأطفال، ليرحل الصغير قبل أن تراه عينا أمه.

لم تكن خسارة عبد الهادي هي الأولى في مسيرة آية مع الفقد، فقد سبق وأن فقدت جنيناً توأماً إثر انفجار وقع خلال سنوات انتظار طويلة دامت ستة أعوام. هذه الدائرة من الخسارات المتلاحقة جعلت من فقدان طفلها بسبب نقص الوقود جرحاً غائراً لا يندمل، يعكس مأساة جيل كامل من أطفال غزة الذين يقتلون بصمت الحصار.

رغم الفواجع، قررت العائلة البقاء في شمال القطاع وعدم النزوح جنوباً، متمسكين بالبقاء قرب منازلهم ومقابر أحبائهم في حي الزيتون. تنقلت العائلة بين عدة أحياء هرباً من القصف المركز، وفقدت سبعة من أفرادها في هجمات متفرقة، بينما كانت آية تحاول مع زوجها وطفلهما الآخر معتصم النجاة في مدينة تحولت إلى ركام.

في ليلة دامية من شهر سبتمبر، انهار المنزل فوق رؤوس ساكنيه إثر غارة جوية مباشرة ضمن ما يعرف بـ 'الأحزمة النارية' التي ينفذها جيش الاحتلال. استيقظت آية لتجد نفسها في ظلام خانق تحت أطنان من الركام، وساقاها عالقتان بالكامل، بينما كانت تنادي بصرخات مكتومة على زوجها وابنها دون جدوى.

كنت أبكي بصمت وأقول لنفسي: تحمّلي، كي أراه وأحضنه، فكل شيء سيزول.

استمرت عمليات الإنقاذ لنحو ساعة، حيث حاول رجال الدفاع المدني الحفر بأيديهم للوصول إليها تحت تهديد القصف المتواصل. وفي لحظة حرجة، اقترح البعض بتر ساقها العالقة لتسريع إخراجها، إلا أن إصرار أحد المسعفين على المحاولة من جهة أخرى أنقذ أطرافها من البتر، رغم الكسور البليغة والتهتك الذي أصاب ساقيها.

نُقلت آية إلى المستشفى المعمداني، وهناك بدأت رحلة علاج مريرة لتثبيت كسورها بصفائح معدنية، بينما كان زوجها ياسر يصارع الموت في قسم آخر مصاباً بحروق بالغة. كانت تُنقل إليه وهي عاجزة عن المشي لوداعه، وفي آخر لحظات وعيه، شد على يدها موصياً إياها بكلمات أصبحت دستور حياتها: 'كوني جبلاً يا آية'.

بينما كان ياسر في غيبوبته الأخيرة، تم انتشال جثمان ابنهما معتصم من تحت الأنقاض، ليدفن بعيداً عن أعين والده الذي لم يفق من غيبوبته. همست آية في أذن زوجها بخبر دفن ابنهما في حضن جده، فرأت دمعة وحيدة تنحدر من عينه قبل أن يسلم الروح في 15 سبتمبر، تاركاً إياها وحيدة أمام جبال من الحزن والمسؤولية.

أصرت آية، رغم جراحها النازفة والصفائح المعدنية في ساقيها، على وداع زوجها الأخير، فجرت جسدها المثقل بالألم لتصل إلى جثمانه. وضعت رأسه في حجرها كما اعتاد دائماً، ومسحت دموعها بيده الباردة، معاهدة إياه على أن تكون 'الجبل' الذي أراده، وأن تظل واقفة رغم كل العواصف التي عصفت بحياتها.

بعد عام ونصف من هذه المآسي، قررت آية تحويل ألمها إلى طاقة للبناء، فأكملت دراسة الماجستير التي كان زوجها قد شجعها عليها قبل رحيله. رأت في إكمال تعليمها رسالة وفاء لذكراه، وتأكيداً على أن إرادة الحياة لدى المرأة الفلسطينية لا يمكن أن تكسرها آلات الحرب أو مرارة الفقد.

لم تكتفِ آية بالتحصيل العلمي، بل انخرطت في العمل التطوعي مع جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في أقسام الطوارئ، مستمدة قوتها من تجربتها الشخصية تحت الركام. تقول إنها تدرك تماماً شعور من يصرخ طلباً للنجدة ولا يسمعه أحد، لذا قررت أن تكون هي الصوت واليد التي تمتد لمساعدة الآخرين في لحظات ضعفهم.

في يوم المرأة، تقف آية الدحدوح كالجبل الذي أوصاها به زوجها، مؤكدة أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على الوقوف مجدداً بعد كل انكسار. ترى أن الجبال قد تتشقق أو تهتز، لكنها تظل شامخة، وهي اليوم تسعى لتغيير حياة الآخرين ولو بلمسة بسيطة، معتبرة ذلك قمة الانتصار على واقع الحرب المرير.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا