دخلت المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، أسبوعها الثاني وسط تصعيد غير مسبوق يطال المنشآت الحيوية. وتسعى تل أبيب وواشنطن لإحداث خرق استراتيجي يحسم المعركة سريعاً، خوفاً من الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة الأمد قد تستنزف الموارد العسكرية والاقتصادية للطرفين.
وتتمثل الاستراتيجية الحالية في تكثيف الضربات ضد المنشآت النفطية الإيرانية لتقويض قدرة النظام على الصمود المالي، بالتزامن مع عمليات تهجير واسعة في البلدات اللبنانية الحدودية. وتأتي هذه التحركات في ظل رغبة مشتركة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتحقيق نصر خاطف ينهي التهديد الإيراني بشكل جذري.
ورغم الضربات الموجعة التي تلقتها طهران، بما في ذلك استشهاد المرشد الأعلى علي خامنئي وقادة عسكريين بارزين في الضربة الأولى، إلا أن مؤشرات التصدع الداخلي لم تظهر بالوضوح الذي كانت تأمله الدوائر الاستخباراتية. وتكابد إيران حالياً لمواجهة 'الجحيم' الذي يستهدف مقدراتها، وسط تحذيرات من ردود فعل صاروخية قد تشعل المنطقة بأكملها بشكل منفلت.
في الداخل الإسرائيلي، تظهر استطلاعات الرأي تأييداً واسعاً للحرب يصل إلى 79%، إلا أن أصواتاً معارضة بدأت ترتفع للتحذير من كلفة هذه المغامرة. ويحذر يائير غولان، رئيس حزب 'الديمقراطيين'، من أن نتنياهو قد يكون مدفوعاً بغايات فئوية وشخصية في إطالة أمد هذه الحرب، مما قد يعرض أمن إسرائيل القومي لخطر داهم.
من جانبه، دعا وزير التعليم الإسرائيلي يوآب كيش إلى مواصلة الضغط العسكري على كافة الجبهات، بما في ذلك حزب الله في لبنان، حتى لو تطلب الأمر حملة برية واسعة. ويرى كيش أن التراجع في هذه المرحلة سيعطي فرصة لخصوم إسرائيل لإعادة ترتيب صفوفهم وشن هجمات أكثر ضراوة في المستقبل.
وعلى الصعيد التحليلي، حذر الجنرال في الاحتياط ميخائيل ميليشتاين من الانغماس في 'أوهام' إعادة صياغة الشرق الأوسط من جديد عبر القوة العسكرية فقط. وأكد ميليشتاين أن النجاحات الاستخباراتية الباهرة التي تحققت في الأيام الأولى للحرب يجب أن تترجم إلى مسار استراتيجي واقعي، محذراً من 'فانتازيا' التطبيع الفوري مع دول المنطقة.
وفي سياق متصل، أشار المحلل السياسي شيمعون شيفر إلى أن التاريخ يثبت فشل المحاولات الأمريكية لتغيير الأنظمة بالقوة، مستشهداً بنماذج تاريخية انتهت بكوارث وفوضى. وأعرب شيفر عن قلقه من أن تنتهي هذه المغامرة بسيطرة جهات أكثر تطرفاً في حال انهيار الدولة الإيرانية دون وجود بديل سياسي جاهز ومستقر.
وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن إسرائيل تتكبد خسائر فادحة بلغت نحو 9.4 مليارات شيكل أسبوعياً منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضي. كما أن الولايات المتحدة تنفق ما يقارب مليار دولار يومياً لتغطية تكاليف عملياتها العسكرية وحماية مصالحها في المنطقة، وهو ما قد يشكل ضغطاً سياسياً على إدارة ترامب مستقبلاً.
ميدانياً، أفادت مصادر بأن الضغوط العسكرية الإسرائيلية تهدف أيضاً إلى دفع دول الخليج للانخراط بشكل مباشر في الصراع ضد طهران. وتتحدث تقارير عن احتمالية انضمام السعودية للمواجهة في حال استمرت إيران في استهداف منشآتها، خاصة بعد رصد تصدعات في هيكلية القرار الإيراني عقب الهجمات الأخيرة.
وبالتوازي مع الحرب الإقليمية، تشهد الضفة الغربية تصعيداً خطيراً في اعتداءات المستوطنين التي ارتفعت وتيرتها بنسبة 25%. وقد أسفرت هذه الاعتداءات عن استشهاد شقيقين فلسطينيين في بلدة قريوت، بالإضافة إلى عمليات تهجير قسري استهدفت تجمعات بدوية في منطقة الأغوار تحت غطاء الحرب المستعرة.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكد في تصريحاته الأخيرة أنه يسعى لـ 'استسلام كامل' وليس مجرد صفقة سياسية مع طهران، مهدداً بتوسيع بنك الأهداف ليشمل مفاصل الدولة الحيوية. ومع ذلك، تراجع ترامب عن فكرة إشراك الأكراد عسكرياً في المواجهة، وهو ما عزته مصادر إلى ضغوط تركية وتخوفات من تعقيد المشهد الإقليمي.
ويحذر مراقبون من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى فقدان إسرائيل للدعم الشعبي في الولايات المتحدة، حيث تشير التوقعات إلى تنامي المعارضة للمساعدات العسكرية. ويرى المحلل بن درور يميني أن أي انتصار عسكري لن يكون له قيمة إذا أدى في النهاية إلى عزلة دولية وتهديد وجودي طويل الأمد للدولة العبرية.
وفي ظل هذه التعقيدات، يبقى التساؤل حول قدرة الجبهة الداخلية الإسرائيلية على تحمل الرشقات الصاروخية المستمرة التي تجبر الملايين على البقاء في الملاجئ. وينتقد محللون عدم تهيئة الجبهة الداخلية بشكل كافٍ خلال سنوات حكم نتنياهو الطويلة، مما يجعل المجتمع الإسرائيلي عرضة لضغوط نفسية واقتصادية هائلة.
ختاماً، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق تاريخي، حيث تتداخل الطموحات السياسية للقادة مع الحقائق القاسية للميدان العسكري. وبينما تستمر الغارات الجوية بآلاف الأطنان من المتفجرات يومياً، تظل احتمالات الانزلاق نحو فوضى شاملة قائمة، ما لم يتم التوصل إلى مخرج استراتيجي ينهي دوامة العنف المتصاعدة.
المصدر:
القدس