آخر الأخبار

اغتيال خامنئي وتداعيات العدوان على إيران: سيناريوهات الخلافة

شارك

شهدت الساعات الأولى من العدوان الإسرائيلي الأمريكي الواسع على الأراضي الإيرانية حدثاً زلزل أركان المنطقة، تمثل في اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي برفقة عدد من كبار القادة العسكريين والسياسيين. وبدا هذا الاستهداف وكأنه محاولة لكسر العمود الفقري للنظام الإيراني عبر ضرب رأس الهرم مباشرة، في وقت تصاعدت فيه أعمدة الدخان فوق طهران معلنة مرحلة جديدة من الصراع المفتوح.

وفي واشنطن، لم يخفِ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حماسته لهذا التطور، واصفاً اللحظة بأنها 'ساعة الحرية' للشعب الإيراني، بل وذهب إلى أبعد من ذلك بإبداء رغبته في التدخل المباشر في اختيار خليفة خامنئي. ومع ذلك، تبرز المعضلة القديمة حول مدى قدرة غياب الشخصية المحورية على تقويض نظام متجذر في مؤسسات عسكرية وعقائدية معقدة، لا تعتمد في بقائها على فرد واحد فقط.

ميدانياً، لم يتأخر الرد الإيراني على عملية الاغتيال، حيث أفادت مصادر بأن ضربات طالت مواقع حيوية في دول الخليج وناقلات نفط في خليج عمان، مما ينذر بتعطل إمدادات الطاقة العالمية. هذا التصعيد لم يتوقف عند الحدود الإيرانية، بل امتد ليشعل جبهة لبنان التي انزلقت نحو مواجهة شاملة، ترافقت مع أوامر إخلاء إسرائيلية غير مسبوقة لمناطق واسعة في الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع.

وعلى الصعيد السياسي الداخلي، سارعت طهران لتفعيل بروتوكولات الاستمرارية الدستورية، حيث تولى مجلس قيادة مؤقت صلاحيات المرشد، يضم الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس السلطة القضائية وشخصيات دينية بارزة. ومن المقرر أن يعمل هذا المجلس على إدارة شؤون البلاد ريثما يختار مجلس الخبراء خليفة دائماً خلال مهلة قانونية لا تتجاوز ثلاثة أشهر، وسط ترقب لدور الحرس الثوري في حسم هذا الملف.

ويرى مراقبون أن النظام الإيراني ليس 'نظام الرجل الواحد' بالمعنى التقليدي، بل هو منظومة مؤسساتية تشمل الحرس الثوري ومجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام. هذه الهياكل تمتلك قدرة عالية على امتصاص الصدمات الأمنية الكبرى، وقد تسعى لتحويل حادثة الاغتيال إلى مناسبة لتعزيز التماسك الداخلي والالتفاف حول 'الراية' بدلاً من الانهيار الذي تأمله واشنطن.

في المقابل، تتسم استراتيجية ترمب بالغموض، حيث تتأرجح تصريحاته بين الدعوة لإسقاط النظام وبين إمكانية التفاوض مع قيادة جديدة أكثر اعتدالاً، وهو ما يُعرف بنموذج 'تغيير السلوك'. وقد استشهد ترمب بالنموذج الفنزويلي، حيث أبدى سابقاً استعداداً للعمل مع نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز بعد احتجاز مادورو، مما يوحي بأنه قد يقبل بتسوية مع أجنحة داخل النظام الإيراني.

تاريخياً، يطارد سجل الإخفاقات الأمريكية في 'هندسة الأنظمة' وعود 'ساعة الحرية' التي يطلقها البيت الأبيض، بدءاً من وعود روزفلت في شمال إفريقيا عام 1942 وصولاً إلى غزو العراق عام 2003. ففي الحالة العراقية، أدت دعوات بوش الأب للانتفاضة عام 1991 إلى خذلان كبير للمتظاهرين، بينما انتهى غزو بوش الابن بسنوات من الفوضى وصعود الجماعات المتطرفة وكلفة مادية باهظة.

المسافة بين إسقاط القائد وصناعة البديل لا تزال واسعة، والسلوك الأمريكي يتأرجح بين تغيير النظام وتغيير السلوك.

ويحذر خبراء شؤون الشرق الأوسط من أن القوة الجوية وحدها، مهما كانت دقيقة وموجعة، نادراً ما تنجح في تغيير الأنظمة السياسية دون تدخل بري أو انشقاقات عسكرية واسعة النطاق. وحتى اللحظة، لا تظهر أي مؤشرات على استعداد القوات المسلحة الإيرانية أو الحرس الثوري للتخلي عن ولائهم للنظام، مما يجعل الرهان على سقوط سريع للسلطة أمراً محفوفاً بالمخاطر.

إن غياب خامنئي، الذي حكم البلاد لـ36 عاماً، يمثل بلا شك خسارة رمزية وعملية كبرى، كونه كان المرجعية النهائية التي توازن بين التيارات المتصارعة داخل الدولة. لكن المؤسسة الدينية في قم والشبكات الأمنية التي تراكمت عبر عقود تمتلك من الخبرة ما قد يمكنها من تجاوز الفراغ، خاصة في ظل وجود تهديد خارجي مباشر يوحد الجبهة الداخلية خلف القيادة المؤقتة.

وعلى مستوى الجبهات الإقليمية، يبدو أن اغتيال المرشد قد سرّع من وتيرة تمدد الحرب، حيث يرى حلفاء إيران في المنطقة أن استهداف 'رأس المحور' يتطلب رداً استراتيجياً يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية. وهذا ما يفسر الكثافة النيرانية لحزب الله في لبنان والموجات البشرية النازحة، مما يضع المنطقة بأكملها على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة.

وتشير تقارير استخباراتية إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) كانت تتبع تحركات خامنئي بدقة قبل تنفيذ الضربة صباح السبت، مما يعكس رغبة أمريكية في إحداث 'صدمة وترويع' سياسي. إلا أن المشاهد القادمة من طهران، والتي تظهر آلاف المشيعين الغاضبين، توحي بأن الصدمة قد تتحول إلى وقود لمحرك الانتقام، مما يعقد حسابات واشنطن في احتواء الصراع.

المعضلة الأمريكية تكمن في أن الخطاب السياسي لترمب يسبق دائماً بناء الخطط الواقعية لما بعد سقوط القادة، وهو ما تكرر في تجارب سابقة أدت لنتائج عكسية. فبينما يتحدث ترمب عن تدمير البرنامج النووي، يظل السؤال قائماً حول من سيوقع على أي اتفاق مستقبلي إذا ما دخلت إيران في حالة من الفوضى السياسية أو الحرب الأهلية الطويلة.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تظل فرضية 'تغيير السلوك' هي الأكثر واقعية في أروقة صنع القرار الأمريكي، رغم الغلاف الثوري الذي يحيط بتصريحات الإدارة الحالية. فالولايات المتحدة تدرك أن الكلفة البشرية والمادية لإسقاط نظام بحجم إيران ستكون أضعاف ما دفعته في العراق، وهو ما يتناقض مع شعار 'أمريكا أولاً' الذي يرفعه ترمب.

ختاماً، تبقى إيران 'ما بعد خامنئي' ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات، بين صمود المؤسسات العقائدية أو الانزلاق نحو صراع داخلي على السلطة يغذيه الضغط العسكري الخارجي. لكن الثابت الوحيد هو أن المنطقة دخلت نفقاً مظلماً، حيث لم يعد اغتيال القادة يضمن نهاية الحروب، بل قد يكون مجرد شرارة لإشعال حرائق أوسع لا يمكن السيطرة عليها.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا