القدس- أحمد جلاجل- غيب الموت المربية الفاضلة سماح زكي نسيبة يوم الاربعاء، الرابع من آذار 2026، بعد مسيرة طويلة من العطاء والتفاني في خدمة التعليم والعمل المجتمعي في القدس.
رحلت نسيبة، التي نذرت حياتها للعمل التطوعي التربوي والتعليمي، تاركة وراءها إرثًا كبيرًا في مجال التعليم والعمل الاجتماعي في القدس. في عام 1977، أسست الراحلة روضة ومدرسة “أم عمارة المازنية”، التي تولت إدارتها، ليكون لها دور بارز في تطوير التعليم في المدينة المقدسة. بعد عام 1967، أصبحت هذه المؤسسة التعليمية واحدة من أهم المدارس الابتدائية في القدس.
كما تولت الراحلة رئاسة جمعية السيدات العربيات في القدس، التي تأسست عام 1929، لتكون أول جمعية نسائية عربية في المدينة.
ومن خلال عملها التطوعي المجتمعي، سعت نسيبة إلى توثيق الروابط بين أبناء الشعب الفلسطيني من المسلمين والمسيحيين، وعملت بلا كلل على تقديم الدعم للفئات المهمشة والمستضعفة.
وكانت الراحلة نسيبة من المدافعين عن التعليم وسبل تطويره، حيث كانت تشجع على تعليم الأجيال المقدسية الفلسطينية وتحفزهم على التمسك بهويتهم الوطنية الفلسطينية، كما عملت على دمج التعليم المدرسي مع الأنشطة غير المنهجية الفنية والثقافية، ما ساعد في بناء جيل مقدسي أصيل قادر على مواجهة التحديات.
رحيل المربية الفاضلة سماح زكي نسيبة يمثل خسارة كبيرة للقدس وأهلها، الذين سيظلوا يتذكرون جهودها وإرثها الكبير في خدمة مجتمعهم وتعليم أجيالهم.
من جهته، قال المهندس سامر نسيبه ابن شقيق الراحلة سماح نسيبه لـ"ے" إن عمته كانت مثالاً للمرأة الفلسطينية المكافحة والمناضلة التي وهبت حياتها للتعليم والخدمة العامة، فقد بدأ نضالها منذ ستينيات القرن الماضي، وكان لها دور متميز في قيادة العديد من التظاهرات الرافضة لاحتلال القدس العربية عام 1967، حيث كانت ترفع شعارات مثل: "القدس لنا" و"القدس عربية"، معبرةً عن روح الانتماء والتمسك بالهوية الوطنية، وكانت تظهر شجاعة كبيرة خلال تلك التظاهرات والمواجهات على الرغم من القمع التي تعرضت له.
وأضاف نسيبة: في حقبة السبعينيات، ومع تأسيس مدرسة "أم عمارة المازنية"، ابتكرت نموذجًا خاصًا ومتميزًا في التعليم، جمع بين التعليم الأكاديمي والتربية الوطنية، فعلى سبيل المثال، قامت بتعيين أستاذ للموسيقى، هو الراحل الأستاذ سميح مراد، وكان دوره لا يقتصر على تعليم الموسيقى للطلاب والطالبات، بل كان يعمل أيضًا على كتابة وتلحين الأغاني الوطنية عن القدس وفلسطين، وتدريب طلبة المدرسة على أدائها كل صباح عبر الإذاعة المدرسية أو خلال الاحتفالات والمهرجانات التي كانت تنظمها المدرسة، وكذلك كان الحال في الأنشطة المسرحية والفعاليات الفنية، سواء تلك التي كانت تُقام ضمن حصص الفن أو خلال الاحتفالات الوطنية، حيث كانت هذه المسرحيات تحمل دائمًا رسائل وطنية وتربوية وأخلاقية ودينية، مما ساهم في رفع مستوى الوعي وتعزيز المناعة الوطنية لدى أجيال من الطلبة الذين أصبح كثير منهم اليوم من القيادات الوطنية في القدس.
وأكد نسيبة أن الراحلة الحاجة سماح أولت اهتمامًا كبيرًا بالمناسبات الوطنية باعتبارها جزءًا من بناء الهوية الوطنية والثقافة الفلسطينية، فكانت المدرسة تحيي باستمرار ذكرى يوم الأرض، وتنظم فعاليات بمناسبة عيد الاستقلال الفلسطيني، إضافة إلى مهرجانات وفعاليات تحيي ذكرى النكبة و غيرها من المناسبات، ما ساهم في ترسيخ الوعي الوطني لدى الطلبة وربطهم بتاريخهم وقضيتهم.
كما قامت أيضًا بتأسيس كشاف أم عمارة المازنية، الذي كان يضم طلابًا وطالبات من المدرسة، إضافة إلى مشاركين من خارجها، وكان لهذا النشاط الكشفي دور مهم في المشاركة في المسيرات الكشفية خلال المناسبات الدينية، مثل المولد النبوي الشريف وذكرى الإسراء والمعراج، إضافة إلى دوره في تنمية روح التطوع لدى المنتسبين إلى الكشاف وتعزيز قيم العمل الجماعي والخدمة المجتمعية.
وإلى جانب ذلك، كانت المرحومة تولي اهتمامًا كبيرًا ببناء وتطوير الشخصية القيادية لدى الطلبة والطالبات، من خلال تشجيعهم على تنمية مهارات متعددة، مثل فن الإلقاء والتعبير أمام الجمهور وغيرها من المهارات القيادية التي تساعدهم على بناء شخصيات واثقة وقادرة على تحمل المسؤولية في المجتمع
وقد تركت الراحلة بصمة متميزة ورؤية واضحة في بناء بيئة تعليمية نموذجية نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى استلهامها وتبنيها ونشرها، حتى نتمكن من حماية طلابنا وطالباتنا وتحصينهم تربويًا ووطنيًا بالشكل السليم.
ويقول المهندس نسيبة: إن العمة سماح كانت مثالًا للناشطة النسوية الأصيلة التي سعت إلى تحقيق التوازن بين حقوق المرأة وواجباتها في المجتمع العربي، فقد كان عملها في المجال النسوي والعمل المجتمعي عمومًا نابعًا من البيئة العربية المقدسية والفلسطينية، ولم يكن مستوردًا أو غريبًا عن قيم مجتمعنا وتقاليده. وهذا النموذج من العمل النسوي الأصيل هو أيضًا مما نحن في أمسّ الحاجة إليه اليوم في مجالات العمل المجتمعي و النسوي
واعتبر المهندس سامر نسيبه في نهاية حديثه لـ "ے" أن "المرحومة لم تكرم في حياتها كما يليق بحجم إنجازاتها و تضحياتها، غير أن عزاءنا الأول يتمثل في أن أبناءها وبناتها من طلاب مدرسة أم عمارة المازنية استذكروا واستحضروا، بكل حب وتقدير، الكثير من تجاربهم وذكرياتهم مع مديرتهم المربية سماح فور سماعهم خبر وفاتها، أما عزاؤنا الثاني فهو أن أثرها ما زال حاضرًا ومستمرًا اليوم من خلال طلابها وطالباتها، الذين أصبح كثير منهم نشطاء وقادة في مجتمعنا. وأخيرًا، نتمنى أن يتم تكريمها وتخليد عملها ومسيرتها من خلال المؤسسات الوطنية الرسمية بما يليق بمكانتها وإسهامها الكبير في خدمة القدس وأجيالها".
المصدر:
القدس