آخر الأخبار

مقتل نصرالله أبو صيام يعيد فتح ملف المساءلة: ضغوط في مجلس الشيوخ على إدارة ترمب للتحقيق

شارك

واشنطن – سعيد عريقات-6/3/2026

تحليل إخباري

أعاد مقتل الشاب الفلسطيني الأميركي نصرالله أبو صيام في الضفة الغربية المحتلة فتح نقاش قديم ومتجدد داخل واشنطن حول حدود حماية الولايات المتحدة لمواطنيها في الخارج، وحول مدى استعدادها لمحاسبة حلفائها عندما يكونون متهمين في قضايا تمس حياة أميركيين. فالحادثة الأخيرة لا تُقرأ باعتبارها واقعة معزولة، بل كحلقة جديدة في سلسلة حوادث مشابهة تراكمت خلال السنوات القليلة الماضية وأثارت تساؤلات متزايدة داخل الكونغرس ودوائر السياسة الأميركية.

في هذا السياق، وقّع أكثر من ثلاثين عضوًا في مجلس الشيوخ رسالة رسمية يطالبون فيها إدارة الرئيس دونالد ترمب بفتح تحقيق مستقل في مقتل الشاب البالغ من العمر 19 عامًا، الذي قُتل بالرصاص في 18 شباط الماضي في قرية مخماس شمال القدس. وتمثل القضية، بحسب المشرعين، مثالًا واضحًا على نمط متكرر يتمثل في مقتل مواطنين أميركيين في الضفة الغربية دون أن تسفر التحقيقات عن مساءلة جنائية.

وتشير الرسالة إلى أن مقتل أبو صيام هو الحالة التاسعة لمواطن أميركي يُقتل في الضفة الغربية منذ عام 2022 على يد جنود أو مستوطنين إسرائيليين، دون أن تؤدي أي من هذه القضايا إلى إدانة جنائية حتى الآن. ويرى الموقعون أن هذا السجل المتراكم يثير أسئلة جوهرية حول جدية التحقيقات التي تُجرى في مثل هذه الحوادث، وكذلك حول الدور الذي ينبغي أن تلعبه الحكومة الأميركية عندما يكون الضحايا من مواطنيها.

وقاد الرسالة السيناتور الديمقراطي عن ولاية ماريلاند كريس فان هولين، ووجهها إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، والمدعية العامة بام بوندي، والسفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي. وطالب المشرعون بإجراء تحقيق تقوده الولايات المتحدة، إضافة إلى إعداد تقرير شامل يتناول القضايا التسع جميعها، مع تقديم إحاطة مفصلة للكونغرس حول ملابسات مقتل أبو صيام قبل الخامس من أبريل المقبل.

وجاء في الرسالة أن ما يحدث في الضفة الغربية يشير إلى نمط مقلق، حيث يُقتل أميركيون على يد مستوطنين أو جنود إسرائيليين دون أن تتحقق العدالة، رغم الوعود المتكررة من المسؤولين الأميركيين بمتابعة هذه القضايا. وأكد المشرعون أن غياب المساءلة يقوض ثقة الرأي العام في قدرة الولايات المتحدة على حماية مواطنيها في الخارج.

وكانت صحيفة الغارديان أول من كشف عن الرسالة، التي وقعها 31 عضوًا في مجلس الشيوخ بينهم شخصيات بارزة في الحزب الديمقراطي مثل باتي موراي وديك دوربين وجاك ريد، إضافة إلى السيناتور المستقل بيرني ساندرز. ويعكس هذا العدد من الموقعين اتساع دائرة القلق داخل الكونغرس إزاء التعامل الرسمي مع هذه الحوادث.

لكن اللافت في الوقت نفسه كان غياب توقيع عضوي مجلس الشيوخ عن ولاية بنسلفانيا، الديمقراطي جون فيترمان والجمهوري ديف ماكورميك، رغم أن الضحية وُلد في مدينة فيلادلفيا. ويُعد فيترمان من أبرز المدافعين عن إسرائيل داخل المجلس خلال السنوات الأخيرة، ولم يصدر عنه تعليق علني بشأن الحادثة، وهو صمت أثار انتقادات في بعض الأوساط السياسية.

قُتل أبو صيام، المولود في فيلادلفيا، عندما هاجمت مجموعة من المستوطنين الملثمين مزارعين فلسطينيين في محيط قرية مخماس. وبحسب شهود عيان، كان جنود إسرائيليون موجودين في المكان وقت الهجوم، لكنهم لم يتدخلوا لوقف الاعتداء، كما لم يقدموا إسعافات للمصابين أو يعتقلوا أيًا من المهاجمين.

ولم يصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي تعليقًا فوريًا على الحادثة. أما وزارة الخارجية الأميركية فاكتفت بتأكيد وفاة مواطن أميركي في الضفة الغربية في ذلك اليوم، وقالت إنها تتوقع تحقيقًا كاملًا وشفافًا، مشيرة إلى أن السفارة الأميركية في القدس على تواصل مع عائلة الضحية. غير أن البيان لم يتضمن أي إشارة إلى مشاركة أميركية مباشرة في التحقيق.

ولا تُعد هذه المرة الأولى التي يثير فيها الكونغرس هذه القضية. ففي تموز 2025 قاد فان هولين رسالة مشابهة طالب فيها الإدارة بتوضيحات بشأن مقتل الشاب الأميركي سيف الله مسلط من فلوريدا، الذي تعرض للضرب حتى الموت على يد مستوطنين في الضفة الغربية. وقد اكتفت الخارجية الأميركية آنذاك بالدعوة إلى المساءلة دون الإعلان عن تحقيق مستقل.

وتضم قائمة الضحايا خلال السنوات الأخيرة أسماء بارزة، أبرزها الصحفية الفلسطينية الأميركية شيرين أبو عاقلة التي قُتلت برصاصة في الرأس عام 2022 أثناء تغطيتها عملية عسكرية إسرائيلية في جنين، رغم ارتدائها سترة صحفية واضحة. وقد أثارت القضية حينها موجة واسعة من الانتقادات الدولية والدعوات لإجراء تحقيق مستقل.

كما قُتلت الناشطة الأميركية آيسنور إزجي إيجي، وهي شابة من مدينة سياتل تبلغ 26 عامًا، برصاصة في الرأس خلال احتجاجات في الضفة الغربية عام 2024. وفي حادثة أخرى توفي الفلسطيني الأميركي المسن عمر الأسد بعد أن قيده جنود إسرائيليون وعصبوا عينيه وتركوه في ظروف قاسية أدت إلى إصابته بنوبة قلبية.

وشملت الحوادث أيضًا وفاة خميس العيادة، وهو فلسطيني أميركي في الأربعين من عمره، اختناقًا بالدخان بعد أن أشعل مستوطنون النار في قريته. وكان ثلاثة من الضحايا التسعة قاصرين، بينهم فتى يبلغ 14 عامًا من ولاية نيوجيرسي وشابان يبلغان 17 عامًا.

وتأتي هذه القضية في ظل تصاعد غير مسبوق في أعمال العنف الاستيطاني في الضفة الغربية خلال العامين الماضيين. فقد أجبرت الهجمات المتكررة عشرات التجمعات الفلسطينية الصغيرة على إخلاء منازلها، في ظل تقارير حقوقية تشير إلى أن كثيرًا من هذه الاعتداءات تقع بحضور القوات الإسرائيلية أو تحت حمايتها.

وزادت هذه التوترات بعد قرار الرئيس ترمب في كانون الثاني الماضي إلغاء أمر تنفيذي كان قد أصدره الرئيس السابق جو بايدن، وفرض عقوبات على مستوطنين ومنظمات اتُهمت بالتورط في أعمال عنف ضد الفلسطينيين. وقد أدى القرار إلى شطب العقوبات عن 33 شخصًا ومنظمة دفعة واحدة.

ويرى منتقدو القرار أن هذه الخطوة أضعفت أدوات الضغط الأميركية القليلة المتبقية على الجماعات الاستيطانية المتطرفة. كما يعتقد بعض المشرعين أن الرسالة السياسية التي أرسلها القرار ساهمت في زيادة الشعور بالإفلات من العقاب، وهو ما انعكس في ارتفاع ملحوظ في عدد الهجمات.

وفي نهاية رسالتهم، طرح المشرعون سؤالًا يعكس حجم الإحباط داخل بعض دوائر الكونغرس: كم عدد الأميركيين الذين يجب أن يموتوا في الضفة الغربية قبل أن تتخذ الحكومة الأميركية خطوات جادة لضمان المساءلة؟

وتكشف هذه القضية عن توتر متزايد داخل السياسة الأميركية بين الالتزام التقليدي بدعم إسرائيل وبين الضغوط المتنامية من داخل الكونغرس والرأي العام للمطالبة بمحاسبة حقيقية عندما يتعرض مواطنون أميركيون للأذى. ومع استمرار الحوادث دون نتائج قانونية واضحة، يخشى بعض المسؤولين أن يؤدي ذلك إلى تقويض مصداقية الولايات المتحدة عندما تتحدث عن سيادة القانون وحقوق الإنسان في العالم.

القدس المصدر: القدس
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا