تواجه الساحة التونسية حالة من الفراغ المعلوماتي فيما يخص توجهات الرأي العام، رغم صدور القانون الأساسي رقم 1 لسنة 2020 المنظم لقطاع سبر الآراء. وقد أُحدثت بموجب هذا التشريع هيئة عمومية مستقلة لمراقبة نسب المشاهدة والاستهلاك، إلا أنها بقيت بعيدة عن السجالات الكبرى المتعلقة بالقضايا الإقليمية والدولية الحساسة.
يبرز هذا الغياب المؤسساتي بشكل جلي عند تناول ملف الصراع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى. فرغم متانة العلاقات الدبلوماسية بين تونس وطهران في عهد الرئيس قيس سعيد، لم تسعَ مؤسسات سبر الآراء لتقديم قراءات علمية تدعم التوجهات الرسمية أو ترصد نبض الشارع بدقة.
في ظل هذا الصمت الإحصائي، تظل الادعاءات حول طبيعة 'الرأي العام' مجرد تخمينات ذاتية تفتقر للموضوعية العلمية. ومع ذلك، يمكن رصد ملامح عامة تشير إلى أن الغالبية العظمى من التونسيين تعارض أي هجوم عسكري يستهدف إيران، وهو موقف يتماهى مع البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية.
يعكس هذا الموقف الأغلبي تقاطعاً بين عائلات أيديولوجية متنوعة، حيث تلتقي قوى اليسار الماركسي والقومي مع تيارات أخرى في رفض الهيمنة الإمبريالية. وتعتبر هذه القوى أن استهداف إيران يصب مباشرة في مصلحة المشروع الصهيوني الساعي لتصفية قوى المقاومة في المنطقة العربية.
على جانب آخر، يبرز تيار داخل الرأي العام التونسي يتبنى موقفاً مركباً، يجمع بين انتقاد سياسات إيران الإقليمية ودعم دورها العسكري. ويشمل هذا التيار قطاعات واسعة من القواعد الإسلامية التي لا تزال تستحضر التدخل الإيراني في الأزمة السورية بمرارة واضحة.
ورغم تلك التحفظات، يرى هؤلاء أن إيران تمثل ظهيراً أساسياً لفصائل المقاومة الفلسطينية، وتحديداً حركتي حماس والجهاد الإسلامي. ومن هذا المنطلق، يعتبرون أن هزيمة طهران ستؤدي بالضرورة إلى تقوية محور التطبيع والثورات المضادة في المنطقة، مما يهدد مستقبل القضية الفلسطينية.
في المقابل، يظهر تيار معارض صريح للمشروع الإيراني، ينطلق من سرديات تاريخية وأيديولوجية تعتبر طهران عدواً وجودياً. وتستند هذه الرؤية إلى معجم طائفي يرى في 'ولاية الفقيه' خطراً يفوق خطر المشروع الصهيوني، مستحضرين صراعات الهوية التاريخية بين السنة والشيعة.
تتداخل في هذه السردية المعارضة أطياف تتجاوز الفكر الوهابي التقليدي لتشمل مواطنين ونخباً يرون في إيران عائقاً أمام 'الاستئناف الحضاري'. هؤلاء يعتبرون أن أي مشروع نهضوي سني يجب أن يتصادم مع النفوذ الإيراني الذي يتهمونه بتخريب النسيج الاجتماعي في دول عربية عدة.
يلاحظ المراقبون أن كثافة السجال التونسي حول الملفات الخارجية تعود جزئياً إلى كونها تمثل 'منطقة أمان' للتعبير الحر. فالمشاركة في هذه النقاشات عبر منصات التواصل الاجتماعي لا تحمل كلفة سياسية أو أمنية مباشرة مقارنة بالخوض في الملفات الوطنية الداخلية الشائكة.
تمثل هذه النقاشات وسيلة للتنفيس النفسي وإثبات الذات بالنسبة لعموم المواطنين، بينما تستخدمها النخب كأداة للتموضع السياسي. فإما أن يكون الهدف إسناد السلطة الحالية في مواقفها السيادية، أو نقدها من خلال بوابة السياسة الخارجية والتحالفات الإقليمية.
إن الانقسام الحاد في مواقف التونسيين تجاه إيران يكشف عن غياب التجانس القيمي والأيديولوجي حتى داخل الحزب الواحد. وهذا التشتت في الرؤى تجاه القضايا الخارجية يعكس في جوهره انقسامات بنيوية أعمق تخص الشأن المحلي التونسي وتصورات بناء الدولة.
وبالرغم من إدراك النخب التونسية أن مواقفها لن تغير من موازين القوى الدولية، إلا أن الحرص على إعلان الموقف يظل قائماً من باب 'إبراء الذمة'. فالمسألة تتعلق بشهادة أخلاقية أو سياسية يرى التونسيون ضرورة تسجيلها في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها المنطقة.
يبقى الموقف التونسي الرسمي والشعبي محكوماً ببوصلة القضية الفلسطينية التي تظل المعيار الأول لتقييم التحالفات. فبقدر ما تقترب أي قوة إقليمية من دعم الحق الفلسطيني، بقدر ما تحظى بقبول شعبي يتجاوز الخلافات المذهبية أو السياسية العميقة.
في الختام، يظهر المشهد التونسي كمرآة للصراعات الكبرى في الشرق الأوسط، حيث تتصارع الهويات والمصالح فوق أرضية من التضامن العاطفي. ويظل غياب الدراسات العلمية الدقيقة عائقاً أمام فهم حقيقي لتحولات هذا الرأي العام الذي يتحرك بين المبدئية السياسية والواقعية الجيوسياسية.
المصدر:
القدس