صدر حديثاً عن مركز فينيق للبحوث والدراسات الحقلية في غزة كتاب بعنوان 'المرأة الفلسطينية زمن الحرب بين: تحديات الواقع الإنساني وتحولات الدور الاجتماعي'، للباحثين منصور أبو كريم ونورا زقوت. يقع الكتاب في 290 صفحة، ويقدم قراءة تحليلية معمقة مستندة إلى دراسة ميدانية شملت عينة واسعة من النساء في قطاع غزة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2025.
يسلط الكتاب الضوء على التناقض الصارخ في الخطاب الدولي الذي يتشدق بحقوق المرأة بينما يغض الطرف عن مأساة الفلسطينيات اللواتي يتعرضن للقتل والتهجير الممنهج. وتكشف الوقائع الواردة في الدراسة الوجه القبيح للقانون الدولي الذي يفشل في حماية الحق في الحياة، وهو أصل الحقوق وأولها، خاصة في ظل استهداف الاحتلال المباشر للنساء والأطفال.
تتناول فصول الدراسة الأربعة الحرب كزلزال بنيوي أعاد صياغة الأدوار الاجتماعية والسياسية في المجتمع الفلسطيني. وتبرز المرأة في هذا السياق كفاعل أساسي وحارسة للهوية والنسيج المجتمعي، خاصة مع انهيار المؤسسات الرسمية، حيث تحول جسدها وحياتها اليومية إلى ساحة للمقاومة والبقاء في قلب الصراع الوطني.
يؤرخ الكتاب للوعي النضالي للمرأة الفلسطينية الذي بدأ يتشكل منذ عهد الانتداب البريطاني، وتحديداً مع تأسيس أول جمعية للسيدات العربيات في القدس عام 1921. وقد تطور هذا الدور من العمل الخيري التقليدي إلى الانخراط المباشر في الثورات الشعبية، وصولاً إلى التميز النضالي الفريد إبان الانتفاضة الكبرى عام 1987.
يرصد الباحثان آثار عملية 'طوفان الأقصى' وما تلاها من عدوان إسرائيلي أدى إلى انهيار شامل في البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية بقطاع غزة. وقد فرض هذا الواقع على الأمهات أعباءً قاسية، حيث اضطررن لتقنين وجباتهن وتجويع أنفسهن لضمان بقاء أطفالهن على قيد الحياة في ظل انعدام الأمن الغذائي.
يشير الكتاب بوضوح إلى مفهوم 'الإبادة الإنجابية' التي يمارسها الاحتلال من خلال الاستهداف المركز للنساء، بهدف تصفية الوجود الديموغرافي الفلسطيني. وقد تضاعفت هذه المعاناة مع النزوح القسري الذي جرد النساء من ممتلكاتهن ووسائل إنتاجهن، ووضعهن تحت وطأة أعباء الرعاية غير المدفوعة في مراكز الإيواء المكتظة.
على الصعيد الصحي، وثقت الدراسة الانهيار التام للمنظومة الطبية، حيث توقفت أغلب المستشفيات عن تقديم خدماتها الأساسية. وأدى ذلك إلى تفاقم معاناة الحوامل اللواتي اضطررن للولادة في ظروف تفتقر للأمان الصحي، فضلاً عن انتشار الأمراض الجلدية والمعدية نتيجة غياب المياه الصالحة للشرب والنظافة العامة.
تطرقت الدراسة إلى الجانب السيكولوجي، مؤكدة ارتفاعاً ملحوظاً في اضطرابات الصدمة والقلق المزمن بين النساء الغزيات. وقد تسببت مشاهد الدمار المتكررة وفقدان الأبناء في هز أركان التوازن النفسي، في ظل غياب شبه تام للخدمات المتخصصة في الصحة النفسية والدعم الاجتماعي المستدام خلال أوقات القصف.
أظهرت النتائج الميدانية للدراسة التي شملت 400 امرأة أن 86.5% من المشاركات لم يحصلن على رعاية صحية مناسبة خلال الحرب. وتعكس هذه النسبة الكبيرة حجم الكارثة الإنسانية وانهيار منظومة الرعاية الأولية، بالإضافة إلى التقييم السلبي لعدالة توزيع المساعدات الإنسانية التي شابتها الفوضى وغياب الرقابة.
فيما يتعلق بالدور السياسي، كشفت الإحصائيات أن 69.3% من النساء يشعرن بتهميش دورهن في مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية. ويعزو الباحثان ذلك إلى انشغال المرأة التام بتدبير متطلبات البقاء اليومي وتأمين لقمة العيش لعائلاتها في ظل ظروف الحرب القاسية والمستمرة.
رغم هول التحديات، أظهرت الدراسة روحاً وثابة لدى النساء، حيث أعربت 60% من المشاركات عن رغبة قوية في تعزيز دورهن السياسي عقب انتهاء الحرب. ويشير هذا التحول إلى وعي وطني صامد يسعى للتمكين الاقتصادي الفعلي واستعادة مقومات الحياة الطبيعية والمشاركة في صنع القرار المستقبلي.
يعد هذا الكتاب وثيقة مرجعية مهمة تجمع بين التأصيل التاريخي والتحليل الميداني المعاصر لواحد من أعنف النزاعات في القرن الحادي والعشرين. وتتجلى قيمته في تحويل المعاناة الإنسانية إلى بيانات إحصائية وحقائق بنيوية تكشف الاستهداف الممنهج للمرأة الفلسطينية من قبل آلة الحرب الإسرائيلية.
قدم الباحثان في ختام دراستهما خارطة طريق واقعية للانتقال من مرحلة الإغاثة الطارئة إلى التعافي المستدام. وتركز التوصيات على ضرورة دمج النساء في كافة عمليات إعادة الإعمار، وتوفير دعم نفسي واقتصادي طويل الأمد لتمكينهن من تجاوز آثار الحرب المدمرة واستعادة دورهن الريادي.
يخلص الكتاب إلى أن صمود المرأة في غزة اليوم هو امتداد لإرث نضالي طويل، وهو صرخة في وجه نظام عالمي مختل وقيم أخلاقية مرائية. ويضع الكتاب المؤسسات الدولية أمام مسؤولياتها القانونية، مؤكداً أن استعادة عافية المجتمع الفلسطيني تبدأ من حماية المرأة وتمكينها سياسياً واجتماعياً.
المصدر:
القدس