آخر الأخبار

تحريك حاملة الطائرات شارل ديغول: رسائل فرنسية استراتيجية

شارك

د. جمال حرفوش: إعلان ماكرون تأكيد لمكانة فرنسا كقوة قادرة على العمل خارج حدودها والدفاع عن مصالحها لكنه لا يعني الدخول المباشر بالحرب

نبهان خريشة: فرنسا تسعى للتأكيد على أنها شريك لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية مع حماية مصالحها وضمان حصتها بالنفوذ الإقليمي

محمد الرجوب: فرنسا تحاول التموضع كلاعب مستقل نسبياً عن واشنطن قادر على المناورة وإعادة تثبيت دور أوروبي فاعل في الشرق الأوسط

د. ولاء قديمات: التدخل العسكري المباشر يظل مرهوناً بمدى تعرض المصالح الفرنسية لخطر فعلي أو بفشل تشكيل تحالف دولي لحماية أمن الملاحة

محمد هواش: إرسال فرنسا حاملة الطائرات لحماية مصالحها خصوصاً المرتبطة بمصادر الطاقة حيث تُعد الحرب تهديداً لها ولإمدادات النفط العالمية

عوني المشني: المساهمة الأوروبية في هذه الحرب ستقتصر على الضغط السياسي والاقتصادي على إيران وليس الانخراط العسكري المباشر

رام الله – خاص بـ"القدس"-

يثير إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توجيه حاملة الطائرات "شارل ديغول" إلى الشرق الأوسط تساؤلات حول مدى احتمال انخراط باريس في الحرب الدائرة ضد إيران، وما إذا كانت الخطوة تمهد لدخول عسكري مباشر أم تندرج في إطار الردع السياسي والعسكري فقط لحماية مصالحها.

ويجمع كتاب ومحللون سياسيون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، على أن التحرك الفرنسي يحمل رسائل قوة واضحة، لكنه لا يعني بالضرورة قراراً بالمشاركة في الحرب، مشيرين إلى أن إرسال حاملة الطائرات يعكس تموضعاً استراتيجياً يهدف إلى تثبيت الحضور الفرنسي في لحظة إقليمية مفصلية، مع تصاعد احتمالات المواجهة الواسعة.

ويرون أن الحاملة تمثل أداة ردع متقدمة وقاعدة جوية عائمة، وتحريكها يؤكد جاهزية باريس لحماية مصالحها، خاصة في ملفات الطاقة وأمن الملاحة، دون أن يشكل إعلان حرب مباشر.

ويرجحون أن السيناريو الأقرب يتمثل في بقاء الدور الفرنسي ضمن إطار الردع والاحتواء، أو المشاركة المحدودة في مهام حماية الملاحة والدعم اللوجستي والاستخباري، مع الإبقاء على هامش دبلوماسي يسمح لباريس بلعب دور سياسي في أي تسوية محتملة، وتمهيداً لتقاسم محتمل إن حدث بعد الحرب، أما انخراط باريس في حرب إقليمية واسعة، فيظل احتمالاً ضعيفاً ومرهوناً بتعرض المصالح الفرنسية الحيوية لخطر مباشر، أو بفشل الجهود الدولية في منع توسع الصراع، في ظل حرص أوروبي واضح على تجنب كلفة عسكرية واقتصادية جديدة.



أبعاد جيوسياسية واستراتيجية متعددة


يعتبر أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل د.جمال حرفوش أن إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توجيه حاملة الطائرات إلى الشرق الأوسط يحمل أبعاداً جيوسياسية واستراتيجية متعددة، تتداخل فيها رسائل الردع، وإعادة التموضع الأوروبي، ومحاولة إعادة تعريف الدور الأوروبي في المنطقة التي لطالما شكلت مسرحاً لتوازنات القوى الدولية.

ويوضح أن القرار الفرنسي يحمل رسالة ردع استراتيجية، مشيراً إلى أن حاملات الطائرات ليست مجرد قطع بحرية، بل منصات قوة عائمة قادرة على إسقاط القوة الجوية والبحرية في آن واحد، وعندما تتحرك حاملة الطائرات إلى منطقة ما، فهذا يعني أن الدولة المرسلة تريد التأكيد على حضورها وقدرتها على التأثير في مسار الأحداث.


تثبيت حضور فرنسا كقوة فاعلة


ويشير حرفوش إلى أن إرسال "شارل ديغول" يُظهر أن باريس تسعى لتثبيت حضورها كقوة فاعلة في معادلات الأمن الإقليمي، ولا تريد البقاء متفرجة على التطورات في الشرق الأوسط.

ويرى أن التحرك الفرنسي يعكس محاولة أوروبية لاستعادة استقلالية سياسية وعسكرية نسبية عن الولايات المتحدة، فقد بقيت أوروبا خلال العقود الماضية في كثير من الملفات على مستوى الشرق الأوسط في موقع تابع للقيادة الأمريكية، إلا أن التحولات الدولية، خاصة التنافس بين القوى الكبرى، تدفع بعض العواصم الأوروبية للبحث عن مساحة أوسع من الاستقلالية الاستراتيجية.

وبحسب حرفوش، يُمكن قراءة التحرك الفرنسي أيضاً كرسالة مفادها أن أوروبا لا تريد أن تختزل دورها في المراقبة فقط، بل تسعى لضمان مصالحها المباشرة في ملفات الأمن والطاقة والهجرة ومواجهة الإرهاب واستقرار الجوار المتوسطي.

ويشير إلى البُعدين الرمزي والسياسي الداخلي للقرار، مشدداً على أن فرنسا، كدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن وذات تاريخ استعماري طويل في المنطقة، تحرص على إبقاء حضورها في الشرق الأوسط حيّاً عبر الدبلوماسية والقوة العسكرية على حد سواء.

ويعتبر حرفوش أن تحريك حاملة الطائرات يُعد تأكيداً لمكانة فرنسا الدولية كقوة قادرة على العمل خارج حدودها والدفاع عن مصالحها الاستراتيجية، لكنه لا يعني بالضرورة نية الدخول المباشر في حرب.


سيناريو الردع والاحتواء


ويلفت حرفوش إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو سيناريو الردع والاحتواء، حيث تبقى الحاملة جزءاً من إظهار القوة والجاهزية دون الانخراط في عمليات قتالية مباشرة، بهدف منع توسع الصراع واحتواء أي تهديد للملاحة الدولية أو المصالح الأوروبية.

أما السيناريو الثاني، وفق حرفوش، فهو المشاركة المحدودة في عمليات عسكرية تشمل حماية الملاحة، أو تقديم دعم استخباراتي ولوجستي، مما يسمح لأوروبا بالمساهمة في إدارة الأزمة دون تحمل كلفة حرب شاملة.

أما السيناريو الثالث، بحسب حرفوش، فهو الأقل رغبة وخطورة، فيتعلق بتوسع الصراع إلى حرب إقليمية واسعة، قد تضطر فيه القوى الأوروبية للانخراط بشكل أوسع إذا تعرضت مصالحها الاستراتيجية المباشرة، مثل أمن الطاقة وخطوط الملاحة في البحر الأحمر وشرق المتوسط للخطر.

ويوضح حرفوش أن السيناريو الرابع يتمثل في الدور السياسي والدبلوماسي، حيث تسعى فرنسا لاستثمار وجودها العسكري لتعزيز الوساطة السياسية، من خلال الجمع بين أدوات القوة الصلبة والناعمة لضمان دورها كوسيط أو ضامن لأي تسوية محتملة.

وبحسب حرفوش، فإن تحرك حاملة الطائرات الفرنسية يعكس حقيقة أساسية في العلاقات الدولية: الفراغ الاستراتيجي لا يبقى فراغاً، وعند تصاعد الأزمات تتسابق القوى الدولية لإعادة ترتيب مواقعها لحماية مصالحها وضمان ألا يُعاد رسم خرائط النفوذ دون مشاركتها. ويعتقد حرفوش أن الخطوة الفرنسية تشير إلى عودة أوروبا تدريجياً إلى المسرح الاستراتيجي في الشرق الأوسط بطريقة حذرة ومتوازنة، تجمع بين الحضور العسكري والرهان على الحلول السياسية، مؤكداً أن الشرق الأوسط ليس مجرد ساحة صراع بل مفترق طرق لمصالح العالم، وأن كل تحرك فيه يحمل رسائل تتجاوز حدود المنطقة إلى النظام الدولي بأسره.


قوة فاعلة في معادلات الأمن الإقليمي


يرى الكاتب الصحفي نبهان خريشة أن قرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توجيه حاملة الطائرات نحو الشرق الأوسط يمثل خطوة استراتيجية تتجاوز بعدها العسكري المباشر، مؤكداً أن باريس تسعى منذ سنوات لإعادة تثبيت موقعها كقوة فاعلة في معادلات الأمن الإقليمي، خصوصاً في ظل احتمال اندلاع حرب مفتوحة على إيران وإعادة رسم خرائط النفوذ في الإقليم سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

ويوضح خريشة أن تحريك الحاملة يأتي كرسالة متعددة الاتجاهات، تجمع بين البعد السياسي والرمزي والعسكري.

وبحسب خريشة، فإن السؤال الرئيسي يكمن في ما إذا كانت هذه الخطوة تمثل مساهمة فعلية في الجهد الأمريكي–الإسرائيلي لإسقاط النظام الإيراني، أم أنها مساهمة رمزية تهدف إلى حجز موقع لفرنسا في ترتيبات ما بعد الحرب.


معسكر الضغط على إيران


ويشير خريشة إلى أن الحاملة الفرنسية تمتلك قدرات جوية وبحرية متقدمة، لكنها لا تضاهي الثقل العسكري الأمريكي المنتشر في المنطقة، ما يجعل دورها في أي سيناريو لإزالة النظام الإيراني محدوداً.

ومع ذلك، يرى خريشة أن وجود الحاملة الفرنسية يعكس انخراط باريس في معسكر الضغط على إيران، مع الحفاظ على هامش دبلوماسي يميز فرنسا عن واشنطن، إذ تميل باريس تاريخياً إلى الجمع بين العصا والوساطة.

ويلفت خريشة إلى أن البعد الرمزي الاستراتيجي لا يقل أهمية، ففرنسا تسعى للتأكيد على أنها شريك أوروبي لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية، مع حماية مصالحها في شرق المتوسط والخليج، بما في ذلك أمن الطاقة وإعادة ترتيب التحالفات، مؤكداً أن المشاركة الفرنسية تهدف إلى ضمان حصتها في النفوذ الإقليمي أكثر من كونها اندفاعاً لإسقاط النظام الإيراني مباشرة.


تعبير عن قلق أوروبي


ويتطرق خريشة إلى السيناريوهات الدولية المحتملة للحرب على إيران، مشيراً إلى ثلاثة مسارات رئيسية: الأول، سيناريو الضربات المحدودة والمضبوطة، حيث تقتصر العمليات على استهداف البنية العسكرية والنووية مع تجنب الانزلاق إلى احتلال بري، وقد تلعب القوى الأوروبية دوراً في ضبط الإيقاع ومنع الانفجار الشامل.

ويلفت خريشة إلى السيناريو الثاني، وهو سيناريو الحرب الإقليمية الواسعة، مع انخراط أطراف غير مباشرة واتساع رقعة المواجهة إلى الخليج وشرق المتوسط وربما البحر الأحمر، حيث يصبح انتشار القطع البحرية الأوروبية جزءاً من معادلة ردع متبادل وحماية خطوط الملاحة والطاقة.

وبحسب خريشة، فإن السيناريو الثالث، هو سيناريو التدويل الكبير، في حال تدخل قوى كبرى مثل روسيا أو الصين سياسياً أو لوجستياً، ما يحول النزاع إلى صراع نفوذ عالمي، ويبرز الوجود الفرنسي كحركة لتثبيت موقع مستقل داخل الاستقطاب الدولي.

ويعتبر خريشة أن تحريك "شارل ديغول" ليس تفصيلاً عابراً، بل تعبير عن قلق أوروبي من التهميش ومحاولة لإعادة تثبيت الحضور الفرنسي في لحظة مفصلية، مشدداً على أن فرنسا قد لا تكون في طليعة مشروع إسقاط النظام الإيراني، لكنها بالتأكيد لن تكون خارج معادلة ما بعد الحرب مهما كانت نتائجها.


توازنات القوى في لحظة إقليمية حساسة


يوضح الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن إعلان الرئيس الفرنسي توجيه حاملة الطائرات إلى الشرق الأوسط يحمل دلالات استراتيجية عميقة تتصل بتوازنات القوى والرسائل السياسية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

ويشير الرجوب إلى أن الدول الكبرى لا تحرك حاملات الطائرات بدافع الانفعال، بل وفق حسابات جيوسياسية وعسكرية دقيقة، مشيراً إلى أن حاملة الطائرات ليست مجرد قطعة بحرية، بل قاعدة جوية عائمة قادرة على تنفيذ عشرات الطلعات يومياً، ومزودة بأنظمة إنذار ورادارات ومرافقة بحرية متقدمة، ما يجعل تحريكها إعلان حضور عسكري محسوب يهدف أساساً إلى الردع.

ويبيّن الرجوب أن الخطوة الفرنسية تعكس رغبة في تثبيت الحضور بمسرح تتصاعد فيه الحرب على إيران، مؤكداً أن الردع هنا لا يعني بالضرورة التمهيد للحرب، بل قد يكون أداة لمنعها عبر رفع كلفة أي انزلاق نحو مواجهة أوسع.


التموضع كلاعب مستقل عن واشنطن


ويشير الرجوب إلى أن القرار يحمل أيضاً بعداً يتعلق بالاستقلالية الاستراتيجية التي يروّج لها ماكرون منذ سنوات، إذ تسعى باريس إلى ترسيخ صورتها باعتبارها القوة العسكرية الأوروبية الأكثر قدرة على العمل خارج حدود القارة الأوروبية، في ظل تراجع أدوار أوروبية تقليدية أخرى.

ويلفت إلى أن فرنسا تحاول التموضع كلاعب مستقل نسبياً عن واشنطن، قادر على المناورة بين المحاور، وإعادة تثبيت دور أوروبي فاعل في معادلات الشرق الأوسط، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.

وفي ما يتعلق باحتمال انخراط عسكري مباشر لفرنسا، يعتبر الرجوب أن سيناريو الحرب الواسعة يبقى ضعيفاً في المدى المنظور، لافتاً إلى أن أوروبا، بما فيها فرنسا، تواجه إرهاقاً سياسياً واقتصادياً بعد أزمات متلاحقة من جائحة كورونا إلى حرب أوكرانيا، فضلاً عن أن الرأي العام الأوروبي لا يبدو مهيأً لخوض حرب جديدة في منطقة معقدة.

ويرجّح الرجوب أن يقتصر أي تدخل محتمل فرنسي، إن حدث، على مهام محدودة مثل حماية الملاحة، والدعم اللوجستي والاستخباراتي، أو عمليات الإجلاء عند الضرورة، معتبراً أن التمركز البحري يمنح باريس مرونة التصعيد أو الانسحاب وفق تطورات المشهد.


حماية المصالح الحيوية


ويشير الرجوب إلى البعد الاقتصادي المرتبط بأمن الطاقة والممرات البحرية، موضحاً أن أي اضطراب واسع في المنطقة سينعكس مباشرة على الاقتصاد الأوروبي عبر أسعار النفط وتعطيل سلاسل الشحن، ما يجعل التحرك العسكري الفرنسي جزءاً من استراتيجية حماية المصالح الحيوية.

ويرى الرجوب أن فكرة الدخول في حرب جماعية تبدو بعيدة بسبب التباينات العميقة بين الدول الأعضاء في مقاربات السياسة الخارجية، ما يجعل التحرك الأوروبي الموحد رهناً بتوافق سياسي معقد.


سياق تضامني دفاعي لا هجومي


تعتبر الكاتبة والباحثة السياسية د.ولاء قديمات أن التحرك الفرنسي الأخير في الشرق الأوسط وما أعلنه الرئيس ماكرون يأتي في سياق تضامني دفاعي لا هجومي، مؤكدة أن باريس لا تسعى إلى توسيع نطاق الحرب أو الانخراط المباشر فيها كقوة مؤثرة، بل تحاول تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تجرّها إلى كلفة سياسية واقتصادية باهظة.

وتوضح قديمات أن فرنسا دُفعت إلى هذا التحرك بفعل التصعيد المتسارع في المنطقة، وما نتج عنه من تهديد مباشر لمصالحها، إضافة إلى ما تعرض له حلفاؤها وشركاؤها الإقليميون.


الحضور الفرنسي المبكر


وتشير قديمات إلى أن باريس تدرك طبيعة التحولات التي قد تفرزها الحرب، سواء على مستوى توازنات القوى الإقليمية أو شكل النظام الدولي، ما يفسر حرصها على تأكيد حضورها مبكراً لضمان حماية مصالحها وعدم إقصائها عن ترتيبات ما بعد الحرب.

وترى قديمات أن الرئيس الفرنسي يتحرك ضمن استراتيجية واضحة قوامها حماية المصالح الوطنية والتضامن مع الحلفاء، مع إدراك المخاطر الاقتصادية المحتملة، خصوصاً ما يتعلق بأمن الملاحة وتهديد مضيق هرمز، وانعكاسات ذلك على الاقتصادين الفرنسي والأوروبي.

وتبيّن قديمات أن فرنسا تسعى لفرض تواجدها في منطقة ستُعاد صياغة مستقبلها بفعل الحرب، لكنها تشدد على أن التدخل العسكري الفرنسي المباشر يظل مرهوناً بمدى تعرض المصالح الفرنسية لخطر فعلي، أو بفشل الجهود في تشكيل تحالف دولي قادر على حماية أمن الملاحة خلال المرحلة المقبلة.


حماية مصالح فرنسا وعلاقاتها القديمة


يوضح الكاتب والمحلل السياسي محمد هواش أن إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحريك حاملة الطائرات "شارل ديغول" إلى منطقة الشرق الأوسط يعكس موقف باريس المعقد بين الدفاع عن مصالحها ومصالح حلفائها وعدم الانجرار إلى حرب مباشرة مع إيران.

ويؤكد هواش أن فرنسا تمتلك تاريخاً طويلاً من التواجد العسكري والمصالح الاقتصادية والسياسية في الخليج وشرق البحر الأبيض المتوسط، ولها علاقات قوية مع عدة دول في المنطقة، ما يجعلها حريصة على البقاء نشطة هناك، لكن دون المشاركة الفعلية في أي صراع مسلح.

ويشير هواش إلى أن تحرك فرنسا يأتي في إطار حماية مصالحها وعلاقاتها القديمة، موضحاً أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حدد موقفه بوضوح بعدم الموافقة على شن حرب ضد إيران، لكنه في الوقت نفسه لم يستبعد احتمال تدخل فرنسا للدفاع عن مصالحها إذا اقتضت الضرورة.


الحفاظ على الأمن الأوروبي


ويرى هواش أن هذه الخطوة تتعلق أيضاً بالحفاظ على الأمن الأوروبي، خاصة بعد استهداف قاعدة "أكروتيري" في قبرص، وهي قاعدة تقع على أراضٍ أوروبية.

وحول إمكانية انخراط فرنسا فعلياً في الحرب، يؤكد هواش أن الموقف السياسي الفرنسي يتسم بترك مسافة واضحة عن السياسة الأمريكية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تحتاج إلى دعم سياسي وغطاء دولي أكثر من الحاجة إلى دعم عسكري أوروبي مباشر.


عدم الانجرار خلف المغامرات


ويلفت هواش إلى أن فرنسا الدولة النووية الوحيدة في القارة الأوروبية التي تحتفظ بسياسة مستقلة نسبياً عن الولايات المتحدة وتسعى لتعزيز مكانتها الدولية في ظل توترات إقليمية متصاعدة.

وبحسب هواش، فإن فرنسا تعزز من خلال خطوة تحريك حاملة الطائرات موقفها الاستراتيجي، إذ ستدخل الحرب فقط إذا اضطرّت لحماية مصالحها الحيوية في المنطقة، وهو ما يعكس حرص ماكرون على عدم الانجرار خلف مغامرات إسرائيلية أو أمريكية.

ويلفت هواش إلى وجود تباين في المواقف الأوروبية، حيث وصف ألمانيا بأنها تاريخياً أكثر تبعية للولايات المتحدة وتقترب من الموقف الأمريكي، بما في ذلك دعمها لإسرائيل، فيما تسعى فرنسا لموازنة النفوذ الأوروبي والسياسي في المنطقة.

ويوضح هواش أن بعض الدول الأوروبية، مثل إسبانيا، ترفض التعاون العسكري مع الولايات المتحدة في نزاعات مثل إيران وفلسطين، في حين تبدي بريطانيا بعض الاستقلالية في سياساتها الإقليمية، ما يعكس انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي حول المشاركة في الصراعات الإقليمية.

ويرى هواش أن إرسال فرنسا حاملة الطائرات لا يهدف لشن حرب، بل لحماية مصالحها الحيوية، خصوصاً تلك المرتبطة بمصادر الطاقة، التي تُعد الحرب تهديداً مباشراً لها ولإمدادات النفط العالمية.

ويوضح هواش أن باريس تسعى من خلال هذه الخطوة لضمان أن أي تصعيد في المنطقة لا يمس مصالحها، مع الحفاظ على وزنها السياسي والعسكري على الصعيد الدولي، بما يعكس إرثها الاستراتيجي والإمبراطوري في الشرق الأوسط.


اجتناب تورط أوروبا في حرب لا تخدم مصالحها


يعتبر الكاتب والمحلل السياسي عوني المشني أن اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لن يدفع أوروبا للانخراط العسكري، مؤكداً أن آخر ما تتمناه القارة الأوروبية هو تورطها في حرب لا تخدم مصالحها، خصوصاً في ظل العلاقة المتوترة حالياً بين واشنطن والاتحاد الأوروبي.

ويوضح أن الموقف الفرنسي، رغم إعلان التضامن اللفظي مع الولايات المتحدة، لا يتجاوز التعبير السياسي التقليدي، ومن غير المرجح أن تشارك باريس فعلياً في أي عمليات قتالية، ما لم يكن الأمر مرتبطاً بمجاملة سياسية لواشنطن، إلا إذا تعرضت مصالح باريس لأي خطر.

ويشير المشني إلى أن أوروبا تركز في المقام الأول على النزاع الروسي الأوكراني، معتبرة أنه الحرب الأولى لأوروبا حالياً، فيما تتصرف الولايات المتحدة بشكل مختلف، إذ لا تُعطي الحرب الروسية الأوكرانية أولوية، وهو ما يخلق شعوراً لدى الأوروبيين بأن السياسات الأمريكية أحياناً تضر بمصالح القارة الأوروبية.

ويرى المشني أن أوروبا، رغم استعدادها لدفع ثمن اقتصادي بسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز جراء الحرب، لكنها لن تدفع الثمن العسكري، معتبرة أن الحرب المفروضة عليها لن تحقق مصالحها.


الحرب وتعميق الأزمة الأوروبية الأمريكية


ويشير المشني إلى أن هذه الحرب قد تعمق الأزمة بين أوروبا والولايات المتحدة، مستشهداً بالموقف الإسباني الأخير الذي رفض السماح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها في الحرب ضد إيران، ما أثار موقفاً أمريكياً ثأرياً قد يصل إلى توتر العلاقات.

ويعتبر المشني أن المساهمة الأوروبية في هذه الحرب ستقتصر على الضغط السياسي والاقتصادي على إيران، وليس على الانخراط العسكري المباشر.

ويشير المشني إلى أن أوروبا، بقيادة فرنسا وألمانيا، ستسعى لموازنة التضامن السياسي مع واشنطن دون أن تُلزم نفسها بالمشاركة في حرب قد تكلفها اقتصادياً وسياسياً، مؤكداً أن الهدف الأوروبي الأساسي يتمثل في حماية مصالح القارة الأوروبية وضمان عدم دفع ثمن صراعات لا تحقق أهدافها الاستراتيجية.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا