تعاني المالية العامة الفلسطينية في السنوات الأخيرة من ضغوط شديدة انعكست في عجز مالي متزايد، ارتفاع المديونية، وتأخر صرف الرواتب الجزئي أو غير المنتظم، لا سيما في ظل احتجاز إسرائيل لعائدات المقاصة واعتماد الحكومة على الاقتراض الداخلي لتغطية الالتزامات التشغيلية. يشير الوضع الحالي إلى أن التركيز التقليدي على الإيرادات الضريبية وحدها لا يكفي لضمان استدامة المالية العامة، وأن هناك ضرورة ملحة لتبني استراتيجية تنويع إيرادات القطاع العام من خلال استثمارات حكومية ذكية ومستدامة، تقل فيها المخاطر وتحقق عائداً ثابتاً.
يمكن للقطاع العام تأسيس بنية تحتية لمشاريع ذات طلب مضمون على منتجاتها أو خدماتها، مع إدارة هذه المشاريع من قبل القطاع الخاص مقابل عوائد ثابتة، بحيث تظل الأصول مملوكة للحكومة. مثال عملي على ذلك هو محطات الوقود الحكومية، حيث يمكن للحكومة بناء المحطات وطرح إدارتها للقطاع الخاص من خلال عطاءات طويلة المدى، مع التزام المستثمر بدفع مبلغ سنوي ثابت كإيراد حكومي، بينما يستفيد من الأرباح التشغيلية. هذا النموذج يضمن دخلًا ريعياً مستقراً للحكومة دون المخاطرة في التشغيل اليومي.
يمكن للقطاع العام تطوير مشاغل صناعية أو إنتاجية توفر منتجات أو خدمات يكون الطلب الأساسي عليها من قبل الحكومة نفسها؛ أمثلة واضحة تشمل:
مثل هذه المشاريع توفر للحكومة طلباً مضموناً على المنتجات، ما يقلل المخاطر ويضمن عائداً مستقراً، وفي الوقت نفسه يدعم تطوير قطاع صناعي محلي وخلق فرص عمل ويساهم في خفض البطالة وتقويض البطالة المقنعة.
يمكن للقطاع العام تنفيذ مشاريع إسكان بالتعاون مع مقاولين من القطاع الخاص، تُؤجر للموظفين العموميين، مع خصم قيمة الإيجار مباشرة من الرواتب قبل صرفها نقداً. هذا النموذج يحقق إيرادات مستقرة للحكومة، ويخفف العبء على ميزانية الأسرة العمومية، ويعزز من قدرة الدولة على توفير خدمات إسكانية بأسعار مناسبة.
إلى جانب النماذج السابقة، يمكن التفكير في استثمارات حكومية إضافية منخفضة المخاطر:
الحل الاقتصادي الحقيقي لا يكمن في السياسات الانكماشية التي تحد من الإنفاق وتحاصر الاقتصاد، بل في بناء قاعدة إيرادية منتجة وحقيقية. المشاريع المقترحة، مثل محطات الوقود الحكومية المؤجرة للقطاع الخاص، المشاغل الإنتاجية التي تبيع منتجاتها للحكومة، ومشاريع إسكان الموظفين العموميين، ليست أفكاراً نظرية، بل قابلة للتطبيق الفوري بموارد محدودة. تنفيذ هذا المسار سيؤدي إلى تقليل التبعية الاقتصادية على التمويل الخارجي، تعزيز الاستقرار المالي طويل الأمد، وتحقيق آثار تنموية واجتماعية إيجابية متزامنة، بما يضمن دخلاً ثابتاً للحكومة، دعم القطاع الصناعي المحلي، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
التحول من الاعتماد الكلي على الإيرادات التقليدية إلى استثمارات حكومية مدروسة سيكون خطوة حاسمة نحو الاستقرار المالي والتنمية المستدامة في فلسطين.
المصدر:
الحدث