متابعة الحدث
تتصاعد حدة التصريحات الإسرائيلية تجاه لبنان لتتجاوز التهديدات العسكرية التقليدية، منتقلة إلى مرحلة التبشير بنماذج تدمير شاملة سبق تنفيذها في قطاع غزة. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، لترسم ملامح قاتمة لما قد تؤول إليه الأوضاع في الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث لم يكتفِ بالتلويح بالقوة، بل عقد مقارنة صريحة ومباشرة بين ما حل بمدينة خان يونس الفلسطينية وما ينتظر العمق اللبناني. هذا الخطاب لا يعكس فقط توجهاً سياسياً متطرفاً، بل يكشف عن استراتيجية عسكرية تعتمد "كي الوعي" عبر التدمير الممنهج، في محاولة لفرض واقع سياسي وأمني جديد بالمنطقة.
استنساخ نموذج الأرض المحروقة
يرى مراقبون أن استحضار سموتريتش لمشهد الدمار في خان يونس وتوعده بأن تصبح الضاحية الجنوبية نسخة مكررة منها، يمثل ذروة الانفلات في الخطاب الرسمي الإسرائيلي. إن هذه المقاربة لا تتعامل مع الأهداف العسكرية بمعزل عن محيطها المدني، بل تعتبر أن كلفة الدمار الشامل هي الأداة الوحيدة لردع الخصوم. ومن خلال هذا المنطق، يسعى اليمين الإسرائيلي المتطرف إلى نقل صورة "النصر" من أزقة غزة المدمرة إلى شوارع بيروت، معتبراً أن غياب الخطوط الحمراء في الجبهة الجنوبية لابد أن ينسحب على الجبهة الشمالية.
تأتي هذه التهديدات في وقت تشهد فيه الحدود اللبنانية الإسرائيلية تصعيداً غير مسبوق، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على القواعد العسكرية أو التحصينات الحدودية، بل امتدت لتطاول البنية التحتية والمناطق المأهولة. إن تصريح سموتريتش ليس مجرد زلة لسان أو اندفاع عاطفي، بل هو تعبير عن تيار عريض داخل الحكومة الإسرائيلية يرى في استمرار الصراع فرصة لإعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للمنطقة، مستنداً إلى دعم عسكري وتغطية سياسية تسمح بتجاوز كافة المعايير الدولية المتعلقة بحماية المدنيين.
الضاحية في مرمى الاستراتيجية العقابية
تمثل الضاحية الجنوبية لبيروت في الوجدان العسكري الإسرائيلي رمزاً للقوة والندّية، ومن هنا تأتي الرغبة الإسرائيلية في تحويلها إلى ساحة لتطبيق "عقيدة الضاحية" التي ولدت أصلاً في حرب تموز 2006، ولكن هذه المرة بنسخة أكثر فتكاً استلهمت أدواتها من الحرب الحالية على غزة. إن الحديث عن تحويل الضاحية إلى "خان يونس ثانية" يحمل في طياته إقراراً إسرائيلياً بأن تدمير الحجر هو الوسيلة الوحيدة لمواجهة القوة البشرية والتنظيمية للطرف الآخر، وهي سياسة تعتمد على التهجير القسري وتحويل المناطق الحيوية إلى مساحات غير قابلة للحياة.
هذا التوجه يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي، إذ إن الصمت تجاه تحويل مدن بأكملها إلى أنقاض في غزة هو ما شجع القادة الإسرائيليين على التلويح بتكرار السيناريو نفسه في عواصم عربية أخرى. إن المقارنة التي عقدها الوزير الإسرائيلي تهدف إلى زرع الرعب في بيئة الخصم، ومحاولة تأليب الحاضنة الشعبية عبر إظهار حجم الكلفة التي قد تدفعها في حال استمرار المواجهة. ومع ذلك، فإن هذه السياسة أثبتت تاريخياً أنها قد تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يولد الدمار مزيداً من الإصرار على المواجهة ويرفع من سقف التحدي.
الحسابات السياسية خلف طبول الحرب
لا يمكن فصل تصريحات سموتريتش عن الصراعات الداخلية في إسرائيل، حيث يتنافس أقطاب اليمين على تقديم الرؤى الأكثر تشدداً لإرضاء القاعدة الانتخابية التي باتت تميل بشكل جارف نحو القوة المفرطة. إن سموتريتش، بصفته أحد أبرز ممثلي الصهيونية الدينية، يحاول دائماً تصدير صورة القائد الذي لا يخشى العواقب الدولية، والداعي إلى حسم الصراعات بدلاً من إدارتها. هذا الخطاب يضغط بشكل مباشر على المؤسسة العسكرية ورئاسة الحكومة لاتخاذ خطوات أكثر عدوانية، مما يقلص مساحة الدبلوماسية ويزيد من احتمالات الانزلاق نحو حرب شاملة.
وفي الجانب الآخر، تدرك القوى اللبنانية أن هذه التهديدات ليست مجرد حرب نفسية، بل هي نوايا معلنة يتم التأسيس لها ميدانياً عبر الغارات المتواصلة التي تستهدف العمق اللبناني. إن الانتقال من مرحلة التهديد إلى مرحلة المقارنة بمدن مدمرة تماماً يعني أن القيادة الإسرائيلية قد اتخذت قراراً مبدئياً بكسر قواعد الاشتباك القديمة، وأنها لم تعد تكترث بالتبعات القانونية أو الإنسانية لأفعالها، طالما أن ذلك يخدم أهدافها في إضعاف القدرات العسكرية واللوجستية لخصومها.
تداعيات إقليمية ومخاوف من الانفجار الكبير
إن تحويل التهديد بتدمير العواصم والمدن إلى مادة يومية في الخطاب السياسي الإسرائيلي ينذر بانهيار كامل للمنظومة الأمنية في المنطقة. فإذا ما نفذت إسرائيل وعيدها تجاه الضاحية الجنوبية، فإن ذلك لن يتوقف عند حدود لبنان، بل سيمتد ليطاول الاستقرار الإقليمي برمته. إن نموذج "خان يونس" الذي يتغنى به سموتريتش يمثل في المنظور العربي والدولي مأساة إنسانية كبرى، بينما يراه اليمين الإسرائيلي "إنجازاً" يجب تعميمه.
المصدر:
الحدث