آخر الأخبار

تأثير الضربات ضد إيران على جماعة الحوثي في اليمن

شارك

تشكل الضربات العسكرية المكثفة التي استهدفت العمق الإيراني من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل تحولاً دراماتيكياً في موازين القوى الإقليمية. ولا تقتصر تداعيات هذه الهجمات على الداخل الإيراني فحسب، بل تمتد لتلقي بظلالها على حلفاء طهران في المنطقة، وفي مقدمتهم جماعة الحوثي في اليمن التي تعتمد بشكل عضوي على الدعم الإيراني.

أدت العمليات العسكرية الأخيرة إلى مقتل شخصيات محورية في هرم السلطة الإيرانية، وعلى رأسهم المرشد الأعلى، وهو ما يضعف مركز القيادة والسيطرة للمشروع الإقليمي الإيراني. وفي المقابل، تسببت الردود الإيرانية العشوائية بالصواريخ والمسيرات في أضرار طالت دولاً عربية، مما زاد من حدة الإدانات الدولية والإقليمية ضد نظام طهران وحلفائه.

يرى مراقبون أن إضعاف إيران سيؤدي حتماً إلى تآكل قدرة الحوثيين على المناورة في اليمن، خاصة وأن الجماعة تسيطر على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة منذ أكثر من عقد. ويرتبط مصير الجماعة بمدى استمرارية تدفق الدعم المالي والعسكري الذي كان يصلها عبر قنوات الحرس الثوري الإيراني التي باتت اليوم تحت مجهر الاستهداف المباشر.

على الصعيد الميداني، سبق وأن تلقت الجماعة ضربات موجعة تمثلت في مقتل رئيس حكومتها أحمد الرهوي وعدد من وزرائه في غارات إسرائيلية. ورغم تأكيدات زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي على الجاهزية القتالية، إلا أن الواقع الاقتصادي المتردي في مناطق سيطرتهم يحد من قدرتهم على الانخراط في مواجهة إقليمية واسعة وطويلة الأمد.

يشير الباحث الدكتور عادل دشيلة إلى أن الانعكاسات ستكون كبيرة على كافة الأطراف الموالية لطهران في العراق ولبنان واليمن على حد سواء. ويرى أن توسع الحرب بشكل مباشر قد يدفع الحوثيين للتدخل لخلط الأوراق، لكن ذلك سيجعل الخيار العسكري لإخراجهم من المشهد مطلباً إقليمياً ودولياً ملحاً ومدعوماً من قوى محلية متربصة.

في حال اختارت الجماعة عدم التصعيد العسكري المباشر والاكتفاء بالمواقف السياسية، فإنها ستجد نفسها في موقف تفاوضي ضعيف للغاية في أي عملية سياسية قادمة. فمخرجات الصراع الحالي، وفقاً للقراءات السياسية، لن تسمح للمشروع الإيراني بالتمدد مجدداً، مما يعني أن الحوثيين سيفقدون قدرتهم على فرض الشروط التي اعتادوا عليها سابقاً.

من جانبه، يربط الصحفي المتخصص في الشؤون العسكرية عدنان الجبرني حجم التأثر بمدى الضرر الذي سيلحق ببنية الحرس الثوري الإيراني تحديداً. فالحوثيون يعتمدون بشكل كلي على طهران في مجالات التكنولوجيا العسكرية المعقدة، ونقل الخبرات الفنية اللازمة لتشغيل وتطوير منظومات الصواريخ والمسيرات بعيدة المدى.

مستقبل جماعة الحوثي مرتبط بمخرجات هذه الحرب التي لن تكون في صالح المشروع الإيراني، مما يعني خروجهم من السلطة سلماً أو حرباً.

إن توقف عمليات تهريب الأسلحة أو تراجع الدعم المالي المباشر سيؤدي إلى استنزاف المخزون التسليحي للجماعة بشكل سريع. ورغم امتلاكهم قدرة على القتال الذاتي في الحروب الداخلية، إلا أن طموحاتهم الإقليمية ستصطدم بغياب الدعم اللوجستي والتقني الذي كان يوفره الخبراء الإيرانيون المتواجدون في غرف العمليات.

تتجه الأنظار الآن نحو القيادة الإيرانية الجديدة ومدى قناعتها بجدوى الاستمرار في تمويل الأذرع الإقليمية بعد الضربات القاسية التي تلقتها. فإذا انشغلت طهران بأزماتها الداخلية ومحاولات الحفاظ على بقاء النظام، فإن الحوثيين سيجدون أنفسهم معزولين سياسياً وعسكرياً أمام ضغوط دولية ومحلية متزايدة.

على مستوى الشارع اليمني، يسود القلق من انجرار البلاد إلى صراع إقليمي جديد يضاعف من معاناة المواطنين المستمرة منذ 11 عاماً. فاليمنيون يطمحون لاستعادة الأمن والاستقرار بعيداً عن سياسة المحاور، ويرون أن مصلحة البلاد تكمن في تحييدها عن التجاذبات التي تخدم أجندات خارجية على حساب السيادة الوطنية.

يعتقد مواطنون في صنعاء أن أي مغامرة حوثية جديدة لدعم إيران ستكون انتحاراً سياسياً وعسكرياً للجماعة في ظل الرفض الدولي الواسع. فالأولوية الشعبية تتركز على تحسين الظروف المعيشية المنهارة، وليس الدخول في حروب بالوكالة تزيد من عزلة اليمن وتدمر ما تبقى من بنيته التحتية المتهالكة.

إن الارتباط الوثيق بين الحوثيين وطهران جعل من مستقبل الجماعة رهينة للتحولات الجيوسياسية الكبرى التي تعصف بالمنطقة حالياً. فكلما تراجعت قوة المركز في طهران، كلما فقدت الأطراف التابعة لها قدرتها على التأثير، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات جديدة قد تعيد تشكيل الخارطة السياسية في اليمن بشكل جذري.

في نهاية المطاف، يبدو أن الجماعة أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما التصعيد والمخاطرة بمواجهة عسكرية شاملة قد تنهي وجودهم، أو الانكفاء السياسي وقبول تسوية لا تمنحهم 'نصيب الأسد'. وكلا المسارين يؤديان في المحصلة إلى إضعاف نفوذهم الذي استمدوه لسنوات من الزخم الإيراني في المنطقة.

تؤكد المصادر أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد هوية الدولة اليمنية القادمة، حيث أن ضعف المحور الإيراني سيقلل من جموح الحوثيين. وسيكون على الجماعة التكيف مع متغيرات دولية لا تقبل بوجود كيانات مسلحة تهدد الملاحة الدولية أو أمن الجوار، مما يضع مشروعهم أمام اختبار البقاء الحقيقي.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا