د. رفعت سيد أحمد: واشنطن لن تدخل برياً بالمعنى التقليدي لأنها تدرك دروس التجارب السابقة وفي مقدمتها تجربة أفغانستان
د. خلود العبيدي: الحرب ذاهبة إلى خيارات حاسمة ما يستوجب وضع التدخل البري في الحسابات وإن كان يبدو غير واقعي
د. جمال الشلبي: طرح فكرة الحرب البرية مجرد خطاب إعلامي أو قرار عشوائي قد لا ينفذ وربما يندرج في إطار الحرب النفسية
د. أمجد شهاب: سيناريو احتلال إيران برياً بالغ الصعوبة في ظل المعطيات الراهنة وهناك عوامل عدة تجعل هذا الاحتمال مستبعداً
أمير مخول: جميع الاحتمالات واردة والدخول البري في هذه المرحلة مستبعد لأن الجيش الإيراني لا يزال متماسكاً وكذلك النظام
خاص بـ القدس-
في خضم تصاعد الحرب بين أمريكا وإسرائيل، من جهة، وإيران، من جهة أُخرى، يبرز الحديث عن احتمال التدخل البري بعد تصريحاتٍ للرئيس الأمريكي دونالد ترمب في مقابلة مع صحيفة "نيويورك بوست" الإثنين، قال فيها إنه لا يستبعد "وضع أحذية على الأرض"، في إشارة إلى القوات البرية، مضيفاً أنه "ربما لن نحتاج إليها"، ما أثار تساؤلات حول حدود هذا الخيار وإمكانية تنفيذه.
سيناريوهات متعددة
يعتقد الخبير الاستراتيجي المصري د. رفعت سيد أحمد أن الولايات المتحدة لن تدخل برياً في هذه الحرب، لأنها تدرك دروس التجارب السابقة، وفي مقدمتها تجربة أفغانستان، حيث كان الدخول البري يعني في كثير من الأحيان خروجاً مكلفاً ومأزوماً.
ويشير سيد أحمد إلى أن السيناريو الآخر المحتمل قد يتمثل في دخول بري محدود من جهات أخرى، مثل أذربيجان، وليس من جهة الخليج، عبر قوات خاصة وعمليات لوجستية ممتدة زمنياً، بهدف الاستيلاء على كميات اليورانيوم المخصب، التي تقدّر بنحو 460 كيلوغراماً، والمخزنة وفق تقديرات في مناطق بعيدة عن الخليج.
عملية محدودة ومركزة
ويوضح أن هذا النوع من التدخل، إن حدث، سيكون عملية محدودة ومركزة تهدف إلى السيطرة على المواد النووية وليس إلى تدميرها، لافتاً إلى أن هذه الكمية قد تكفي نظرياً لإنتاج عدد من القنابل النووية إذا جرى تخصيبها بمستويات أعلى.
ويقدر سيد إحمد أن "الولايات المتحدة تعمل منذ فترة على تتبع أماكن تخزين هذه المواد عبر جهود استخبارية دقيقة"، معتبراً أن هذا هو السيناريو المرجح لأي تحرك بري محتمل، وليس الغزو الشامل.
وفي المقابل، يشدد الخبير المصري على أن الدخول البري التقليدي يبقى مستبعداً، لأن إيران دولة كبيرة مترامية الأطراف، قادرة على إلحاق أذى كبير بالقوات المهاجمة، خاصة في المدى المتوسط، عبر استنزافها وإرباك خطوط إمدادها.
ويضيف سيد أحمد: إن الانتصار الأمريكي الكامل أو الحاسم ليس وارداً بسهولة في مثل هذا الصراع، موضحاً أن الضربات الجوية لا تعني بالضرورة تحقيق نصر استراتيجي، ويرجح في نهاية المطاف الوصول إلى صفقة سياسية تُبقي النظام الإيراني قائماً، نظراً لصعوبة إسقاطه عسكرياً من دون غزو بري واسع، وهو خيار لا يبدو متاحاً.
ويشير سيد أحمد إلى أن أخطر أدوات الضغط التي قد تلجأ إليها إيران تتمثل في رفع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها، مثل التهديد بإغلاق مضيق هرمز، ما قد يؤدي خلال فترة قصيرة إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة عالمياً، وإلحاق أضرار اقتصادية بدول الخليج، بهدف ممارسة ضغط مضاعف على واشنطن لوقف الحرب.
ويحذر سيد أحمد من سيناريو بالغ الخطورة يتمثل في انحراف صاروخ نحو أهداف حساسة، مثل مفاعل ديمونة، ويعتبر أن مثل هذا التطور قد يفتح الباب أمام مواجهة واسعة ذات أبعاد كارثية، تتجاوز الحسابات التقليدية للحرب، وتدخل المنطقة في مرحلة غير مسبوقة من التصعيد.
الحرب ضد إيران مختلفة
تقول المختصة في العلوم السياسية والقانون الدولي د. خلود العبيدي: "عوّدتنا إسرائيل والولايات المتحدة على شن حروب في المنطقة . وكأن قدرنا أن نعيش حرباً جديدة. حروب المنطقة دافعها واحد: القضاء على أي نهوض أو قوة لدول المنطقة، كي تبقى إسرائيل تسيطر على شعوب هذه المنطقة، وهذه معادلة لا يمكن أن تدوم".
وتشير إلى أن "إسرائيل أنشأتها القوى العظمى لتكون أداتها لفرض هيمنتها على المنطقة. فإذا بهذه الحروب تستنزف الولايات المتحدة، بل هي أهم أسباب تدهور مكانة الولايات المتحدة كقوة دولية".
وترى العبيدي أن "حروب أمريكا ومنها تجربة الحرب ضد العراق كانت قاسية ومكلفة. كانت خطأ كبيراً دمر الولايات المتحدة مثلما دمر دول المنطقة. الرئيس الأمريكي الحالي كان من أول الأصوات المنتقدة للحرب ضد العراق وأفغانستان. وإذا به يشن حرباً جديدة هذه المرة ضد إيران".
وتضيف العبيدي: إن التقارير أشارت في البداية إلى أن الحرب ضد إيران ستكون مختلفة. أهم نقاط الاختلاف فيها أنها لن تكون حرباً برية كالحرب العراقية وحرب أفغانستان لأن التجربتين السابقتين كانتا مكلفتين وغير ناجعتين.
وتوضح العبيدي أنه في الحرب الأمريكية ضد العراق حشدت الولايات المتحدة أكثرمن 30 دولة ولم تستطع إنهاء عملياتها العسكرية إلا بعد أكثر من شهر. وتشير إلى أن الولايات المتحدة واجهت مقاومة، ولم تستطع فرض سيطرتها بسبب وجود المقاومة التي استمرت بعد ذلك، وكبدت الأمريكيين خسائر فادحة.
وتبين العبيدي أن مساحة إيران ستة أضعاف مساحة العراق، وتضاريس إيران جبلية وعرة، وعدد سكان إيران أكثر من ٨٠ مليون نسمة، بينما عدد سكان العراق كان عشرين مليوناً، ما يؤشر إلى أن الحرب البرية غير ممكنة ومستحيلة. في يوم الإثنين الماضي كان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يقول إن "إرسال قوات برية سيكون غير ضروري".
وتؤكد العبيدي أنه منذ بداية الحرب خلال الأيام الثلاثة الماضية بدأت تصريحات للرئيس ترمب ومسؤولين في الادارة الأمريكية تتحدث عن حرب برية. يكرر الرئيس ترمب أنه قد يرسل قوات برية للمشاركة في الحرب. وجاءت تصريحات ترمب بعد ساعات قليلة من قول وزير الخارجية ماركو روبيو إن إدارة ترمب ترى أن أهدافها ضد إيران يمكن تحقيقها من دون قوات برية". وقال روبيو للصحفيين في مبنى الكابيتول هيل: "ينصب تركيزنا على تدمير منصات إطلاق الصواريخ الباليستية لدى إيران ومخزوناتهم من الصواريخ البالستية وقدرتهم على تصنيع الصواريخ البالستية وكذلك طائراتهم المسيرة الهجومية وبحريتهم".
تعديل خطط الحرب
وتقول العبيدي: مع تصاعد الموقف نجد أن هناك تعديلاً لخطط الحرب، فقد صرح ترمب لشبكة CNN أنه لايستبعد إرسال قوات برية أمريكية إلى إيران إذا دعت الحاجة. وقال إنه ليس متردداً بشأن إرسال قوات.. "ربما لن نحتاج إليها، لكن إذا لازم الأمر فلن أرفض"، كما قال.
وتلاحظ العبيدي أن هذه التصريحات بدأت تظهر مع تصعيد الموقف خلال الضربات التي وجهتها إيران إلى دول الخليج العربي.
ونقلت صحيفة نيويورك بوست أيضاً عن الرئيس ترمب قوله إنه لا يستبعد إرسال قوات أمريكية برية إلى إيران في حالة الضرورة.
وتشير العبيدي إلى أن مسألة التواجد البري أكدها أيضاً وزير الحرب الأمريكي بيتر هيغست الذي قال "لا وجود لنا على الأرض في إيران، لكننا مستعدون للذهاب إلى أي مدى نحتاجه لتحقيق النصر".
وتوضح العبيدي أن "هناك من بدأ يفكر في الغزو البري، ويعود ذلك بسبب الرد الإيراني الذي يستهدف القواعد العسكرية ودول الخليج العربي".
وبرأيها، فإن هذا التطور سببه التوسع الإقليمي الذي قامت به إيران في الحرب بسبب شنها هجمات على دول الخليج العربي وإغلاق مضيق هرمز، مشيرة إلى أن "هناك تصريحات أيضاً عن احتمالات حرب برية تحتل فيها إيران أجزاء مثل الكويت وإمارات عربية أُخرى. هذه السيناريوهات، وإن كانت تبدو غير واقعية، يجب أن تؤخذ بشكل جدي".
وتقول العبيدي: إن الرئيس ترمب يتوقع أن تستمر الحرب من أربعة أسابيع إلى خمسة لتحقيق أهدافها وأكد أن الولايات المتحدة ستواصل شنها هجمات على إيران إلى حين القضاء على جميع أشكال التهديد، مشيراً إلى أنها قد تستمر مدة تتجاوز خمسة أسابيع إذا تطلب الأمر.
وتضيف: إن التأكيد الذي جاء أكثر من مرة إذن يجب أن نأخذه بعين الجد، ورغم صعوبة تصور تحققه إلا أن هذه الحرب ذاهبة إلى خيارات حاسمة. لذلك يجب أن نضع في الحسابات الحرب البرية. المحللون استبعدوا فكرة حرب برية شاملة لاحتلال إيران، ورجحوا أن تكون الحرب البرية قد تعني إنزال قوات خاصة في حالات محددة، مثل مساعدة حركات انفصالية أو جماعات سياسية في حالة تغيير النظام.
وترى العبيدي أن الحرب القائمة حرب لإعادة التوازن الإقليمي لصالح إسرائيل التي لا تخفي نواياها ومشاريعها. الحل هو أن نقف صفاً واحداً، وكما الكثير من دول العالم الآن إسبانيا وإيطاليا، ضد الحرب وندين العدوان الإسرائيلي الأمريكي.
فكرة متسرعة وربما غير مدروسة
يقول أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الهاشمية في عمان د. جمال الشلبي إن هذه الفكرة طرحت من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في خضم حرب صعبة ومتسعة وخطيرة على الشرق الأوسط ككل، مشيراً إلى أن طرحها بعد أربعة أيام فقط من بدء المواجهة والهجوم على إيران يفتح الباب أمام كثير من التساؤلات والسيناريوهات.
ويوضح الشلبي أن أبرز هذه التساؤلات تتمثل في: هل تريد الولايات المتحدة خوض حرب طويلة الأمد؟ وهل تسعى إلى استحضار تجربة تدخلها وغزوها لأفغانستان؟ وهل يعكس هذا الطرح عجزاً عن تحقيق الأهداف عبر سلاح الجو وحده؟
ويضيف: إن هذه الأسئلة تعزز الانطباع بأن الفكرة متسرعة وربما غير مدروسة، ولا تقل خطورة عن قرار الحرب نفسه، الذي لم يُحلل بما يكفي في ضوء طبيعة المنطقة وتعقيداتها الدينية والسياسية والعسكرية والاقتصادية.
الحرب ستؤثر في إيقاع الاقتصاد العالمي
ويؤكد الشلبي أن المنطقة لا تمثل فقط كياناتها السياسية القائمة، مثل دول الخليج وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بل تمثل أيضاً شرايين التجارة العالمية، بما في ذلك مضيق هرمز والبحر الأحمر وغيرهما، ما يعني أن مسار الحرب سيؤثر في إيقاع الاقتصاد العالمي واتجاهاته.
ويرجح الشلبي أن يكون طرح فكرة الحرب البرية، مجرد خطاب أو قرار عشوائي قد لا ينفذ، وربما يندرج في إطار الحرب النفسية التي برع فيها ترمب، في محاولة لكسب المواجهة معنوياً أمام الإيرانيين.
ويتساءل عن السيناريوهات المحتملة، ومنها: هل يمكن إسقاط النظام بعد قصفه لأسابيع عبر تدخل بري أمريكي؟ ويعرب عن شكوكه حيال ذلك. كما يشير إلى احتمال الاستعانة بمرتزقة من دول مختلفة، لكنه اعتبر هذا الخيار معقداً وصعب التنفيذ، نظراً لما يتطلبه من تنظيم وتدريب وتخطيط عملياتي طويل.
ويطرح الشلبي احتمالاً ثالثاً يتمثل في إقناع بعض الدول العربية المتضررة من الضربات الإيرانية بالمشاركة في الحرب عبر إرسال قوات، على أن تكون مدعومة بقوات أمريكية من الخلف. لكنه يرى أن هذا السيناريو أيضاً ليس سهل التحقيق، وإن كان يظل احتمالاً قائماً إذا طال أمد الحرب.
ويؤكد أنه يستبعد شخصياً أن تقدم الولايات المتحدة على تطبيق هذه الفكرة ميدانياً أو إدراجها ضمن استراتيجية فعلية لإسقاط النظام، ويلفت إلى أن أي تدخل بري سيمنح إيران دافعاً أكبر للدفاع عن أراضيها، وسيجعلها أكثر شراسة في المواجهة، ما يعني كلفة بشرية عالية على الجانب الأمريكي.
ويشير الشلبي إلى أن إيران دولة كبيرة تتجاوز مساحتها مليونين وستمائة ألف كيلومتر مربع، ما يطرح تساؤلات عملية حول مسارات الدخول البري وحدوده. ويضيف: إن الوصول إلى طهران يتطلب عبور مسافات طويلة، وإن إسقاط أي نظام مركزي يرتبط بالسيطرة على العاصمة، وهو أمر شديد التعقيد في ظل وجود قوات عسكرية كبيرة تشمل الجيش والحرس الثوري وقوات أخرى، ما يجعل فكرة الحرب البرية غير صائبة أو قابلة للتطبيق على أرض الواقع.
تنفيذ سيناريو الدخول البري لا يزال مبكراً
يؤكد د. بلال الشوبكي، رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل، أن تنفيذ سيناريو دخول بري إلى إيران لا يزال مبكراً، وإن كان قد طرح في وسائل الإعلام وعلى ألسنة بعض المسؤولين الأمريكيين.
ويشير الشوبكي إلى أن هذا الطرح يعيدنا إلى سؤال بالغ الأهمية يتعلق بمدى استعداد المنطقة برمتها، بما فيها الدول الخليجية، للعيش في ظل حالة طويلة من الترقب والتوتر الأمني؛ إذ إن الحديث عن دخول قوات برية يعني عملياً عمليات قد تمتد أشهراً على أقل تقدير.
ويضيف أنه إذا كان هذا السيناريو مطروحا فعلا، فهو يرتبط بهدف إزالة النظام، لأن إسقاط أي نظام سياسي لا يمكن أن يتحقق عبر الصواريخ أو الطائرات أو الاغتيالات وحدها، بل يتطلب وجود قوة على الأرض.
ويوضح الشوبكي أن هذه القوة قد لا تكون بالضرورة قوة عسكرية خارجية، بل ربما قوة داخلية نافذة تمتلك حاضنة جماهيرية قادرة على قيادة عملية تغيير سياسي شامل، وهو أمر يبدو حتى الآن متعذراً.
ويقول: إذا كان هدف إزالة النظام مطروحاً بجدية على طاولة صانع القرار الأمريكي أو الإسرائيلي، فإن ذلك يستلزم نظرياً دخول قوات برية لتنفيذ هذه المهمة. غير أنه يشير إلى أن هناك سيناريو آخر مختلفاً، يقوم على عدم الحاجة إلى تدخل بري، وعدم الإصرار على تغيير النظام بالكامل، بل الإبقاء عليه في حالة ضعف وهشاشة، مع إبقائه تحت ضغط داخلي دائم، ومعرضاً للتفوق الجوي الأمريكي والإسرائيلي.
وبحسب هذا التصور، يضيف الشوبكي أنه يمكن إنهاء الحرب بصيغتها الحالية مع الإبقاء على حالة توتر داخل إيران، دون توسيع رقعة المواجهة خارجها، مع استمرار الدور الأمريكي في المنطقة بوصفه عنصر حماية، في ظل نظام إيراني باقٍ، ولكن بقدرات أقل وتأثير أضعف.
ويرى الشوبكي أن هذه الرؤية قد تكون الأقرب إلى تفكير عدد من صناع القرار في الولايات المتحدة، رغم أن مسألة إزالة النظام طُرحت علناً في إسرائيل وأمريكا. ويشدد على ضرورة النظر إلى المسألة من زاوية حساب المكاسب والخسائر: ماذا ستجني الولايات المتحدة وإسرائيل من بقاء نظام ضعيف؟ وماذا ستجنيان إذا انخرطتا في حرب طويلة الأمد هدفها إسقاطه؟
ويخلص الشوبكي إلى أنه إذا كان تغيير النظام ممكنا بأقل كلفة وفي إطار زمني قصير، فقد يكون خياراً مطروحاً لدى بعض الأطراف. أما إذا كان ذلك يتطلب حرباً ممتدة وتدخلاً برياً واسعاً، مع ما يرافقه من إدخال المنطقة في حالة عدم استقرار طويلة، ومنح إيران فرصة لإرباك الإقليم ولو بإمكانات محدودة، فإن هذا الخيار قد لا يكون مقبولاً.
عوامل تجعل احتمال الدخول البري مستبعداً
يؤكد المحلل السياسي د. أمجد شهاب أن سيناريو احتلال إيران برياً يُعد خياراً بالغ الصعوبة في ظل المعطيات الراهنة، مشيراً إلى جملة من العوامل التي تجعل هذا الاحتمال مستبعداً، في مقدمتها الكلفة المادية والسياسية والعسكرية والبشرية المرتفعة جدًا.
ويوضح شهاب أن الولايات المتحدة سعت على مدى عقود إلى تفادي الانخراط في مواجهة برية مباشرة مع إيران، معتبرا أن أي توجه نحو احتلال بري سيُفسر بوصفه تحولا جذرًا في الاستراتيجية الأمريكية، التي اقتصرت حتى الآن على الضربات الجوية والاغتيالات والعمليات الاستخباراتية الدقيقة والقصف من خلال صواريخ كروز.
ويشير شهاب إلى أن لدى واشنطن تجارب قاسية في التدخلات البرية، من بينها حرب فيتنام، والحرب في العراق، وأفغانستان، وهي تجارب تركت تداعيات عسكرية وخسائر بشرية ونفسية وسياسية عميقة.
ويضيف: إن الإدارة الأمريكية الحالية تفتقر، في هذه المرحلة، إلى دعم داخلي كافٍ لتبني خيار بهذا الحجم، والمخاطرة خاصة في ظل الانقسام السياسي والتحديات الاقتصادية.
أي عملية برية عرضة لاستنزاف طويل الأمد
وأوضح شهاب أن مساحة إيران الشاسعة، التي تتجاوز مليوناً و650 ألف كيلومتر مربع، إلى جانب كثافتها السكانية التي تقارب 90 مليون نسمة، فضلاً عن تضاريسها المعقدة، خاصة السلاسل الجبلية وانتشار الأيديولوجيا الدينية الداعية لمقاومة أي احتلال، وقدراتها الدفاعية، كلها عوامل تجعل أي عملية برية عرضة لاستنزاف طويل الأمد.
ويؤكد شهاب أن العقلية العسكرية الإيرانية تُجيد إدارة حروب الاستنزاف، لافتاً إلى أنه حتى في حال إسقاط النظام أو حل الجيش على غرار النموذج العراقي، فإن القوات الغازية ستواجه حرب شوارع ومدن، في ظل صعوبة الحركة البرية والسيطرة على المراكز الحضرية الكبرى، ما يجعل القوات الأجنبية أهدافا مرئية ومعرضة للهجمات.
ويلفت شهاب الى إن أي تدخل بري سيواجه تحديات استراتيجية مركبة، تتعلق بالتضاريس، والمقاومة الشعبية ذات البعد العقدي، فضلاً عن هشاشة خطوط الإمداد التي ستبقى عرضة للاستهداف في أي لحظة، الأمر الذي يضاعف كلفة الاستنزاف البشري والمادي.
خيار الإنهاء السريع يظل ممكناً
يقدر المختص بالشان الاسرائيلي أمير مخول، مركز تقدم للسياسات، أن جميع الاحتمالات واردة فعلياً، ويتساءل: هل يعني ذلك دخولاً برياً، أم انسحاباً سريعاً وإنهاء عاجلا للحرب؟ ويرى أن خيار الإنهاء السريع يظل ممكناً أيضاً بفعل الضغوط الإقليمية وتأثيرات الحرب على الأسواق العالمية للطاقة وغيرها، ويؤكد أن المسألة تتجاوز البعد العسكري المباشر.
ويشير مخول إلى أن دخول الولايات المتحدة في هذه المرحلة يبدو مستبعداً، لأن الجيش الإيراني لا يزال متماسكاً، وكذلك النظام السياسي، ولا توجد مؤشرات على قدرة حقيقية لتحريك الداخل الإيراني في اتجاه مغاير. وحتى في حال محاولة تحريك الأكراد أو مجموعات عرقية أخرى لاتخاذ موقف انفصالي، فإن هذا السيناريو غير مرجح، نظراً لوجود عوامل إقليمية تحول دون ذلك، وفي مقدمتها تركيا التي لا تقبل بقيام كيان كردي منفصل على حدودها، أو تدفق موجات لجوء جديدة إليها.
الأمور أعقد من أن تُحسم بسهولة
ويؤكد مخول أن الأمور أعقد من أن تحسم بسهولة من جانب إسرائيل أو الولايات المتحدة، لأن أي تصعيد واسع قد يؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها، وليس مجرد تنفيذ عملية عسكرية محدودة.
ويضيف لا يضمن الدخول البري تحقيق نتائج حاسمة في هذه المرحلة، إذ إن نقطة القوة الأساسية للولايات المتحدة وإسرائيل تكمن في التفوق الجوي والتكنولوجي والاستخباري، لا في العمليات البرية التي تمثل مقامرة كبرى. كما أن الرئيس الأمريكي لا يستطيع الانخراط في حرب واسعة من هذا النوع دون موافقة الكونغرس، ما يجعل هذا الخيار أكثر تعقيداً.
ويشير مخول إلى أن هناك نوايا إسرائيلية لإدخال قوات كوماندوز أو تنفيذ عمليات خاصة، وهو أمر قد يكون وارداً أمريكياً أيضاً، لكن مثل هذه العمليات، إن حدثت، ستكون ذات طابع محدود، كتنفيذ مهمة نوعية أو اختطاف شخصية معينة، ولن تغير مجرى الحرب بصورة جوهرية.
ويحذر مخول من سيناريو آخر أكثر تعقيداً، يتمثل في نجاح الرئيس الأمريكي في تجاوز عقبة الكونغرس أو الحصول على أغلبية مؤيدة للحرب، ولو كانت ضئيلة، ما قد يدفعه إلى توسيع أهدافه لتتجاوز الملف النووي والصاروخي. ويرى أن الأهداف الأمريكية والإسرائيلية ليست متطابقة تمامًا، لكنها تشهد نوعاً من المزامنة في إدارة المعركة وفق نقاط القوة لدى كل طرف.
أمريكا تنظر إلى الصراع في إطار أوسع
ويعتبر مخول أن الولايات المتحدة تنظر إلى الصراع في إطار أوسع يرتبط بالتنافس الدولي على الطاقة والممرات التجارية العالمية، وأن إضعاف إيران قد ينعكس على مشاريع دولية منافسة.
ويقول: في حال النجاح، قد تتكرس شراكة عسكرية أعمق بين واشنطن وتل أبيب، تتجاوز مجرد الدعم التقليدي. أما في حال الفشل، فقد ينعكس ذلك سلباً على أولويات الولايات المتحدة وعلى موقع إسرائيل، وربما على الوضع السياسي للرئيس الأمريكي داخلياً.
ويشير مخول إلى أن إسرائيل نفسها ليست في وارد الانخراط في حرب برية واسعة، لأن ذلك سيستنزف جيشها وقدراتها، في ظل غياب إجماع شعبي كامل حول هذه الحرب، رغم وجود توافق سياسي بين الحكومة والمعارضة.
ويرجح مخول أنه إذا استمر التصعيد الصاروخي، فقد تتعزز فرص التوصل إلى نهاية للحرب بدلاً من التوجه نحو دخول بري، خاصة أن كلفته ستكون باهظة ونتائجه غير مضمونة، وأن التفوق النوعي الأمريكي الإسرائيلي قد يتراجع في حال الانخراط في مواجهة برية طويلة.
ويؤكد مخول أنه رغم بقاء جميع الخيارات مطروحة نظرياً، فإن احتمال الدخول البري الشامل يظل ضعيفاً في المدى المنظور.
المصدر:
القدس