آخر الأخبار

معاناة النازحين في مخيمات شمال الضفة الغربية: أرقام وشهادات

شارك

في قبو ضيق أسفل مسجد ابن تيمية بضاحية شويكة في طولكرم، تحاول السبعينية عبير شحادة التأقلم مع واقعها الجديد الذي فرضته آلة الحرب الإسرائيلية. هذا المكان الذي يفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة، بات منزلاً لعائلتها المكونة من ستة أفراد بعد رحلة نزوح مريرة من مخيم نور شمس استمرت لأكثر من عام.

تصف عبير المسكن الذي تغلف الرطوبة والعفن جدرانه بأنه جرد العائلة من خصوصيتها، حيث اضطرت لاستخدام قطع القماش للفصل بين زوايا القبو لتوفير مكان لنوم أبنائها الشباب. وتؤكد أن النزوح لم يسلبهم الجدران فقط، بل سلبهم الأمان الاجتماعي والقدرة على توفير لقمة العيش الكريمة في ظل انعدام الدخل.

تغيب مظاهر الحياة الطبيعية عن مائدة إفطار العائلة، حيث تعتمد عبير اليوم على ما يقدمه المحسنون من طرود غذائية أو 'كوبونات' لم تكن تعرفها قبل تهجيرها. وتقول بمرارة إن أطفالها يشتهون الأكلات الشعبية البسيطة، لكن فقدان زيت الزيتون والمكونات الأساسية يحول دون تحضيرها، مما يجعل وصف 'نازح' ثقيلاً على قلبها.

المأساة لم تتوقف عند حدود السكن، بل امتدت لتطال الروابط الأسرية التي تمزقت بفعل التهجير القسري وتشتت الأقارب في مناطق متباعدة. فقد زوج عبير مصدر رزقه منذ بداية العدوان، مما فاقم الإحساس بالاغتراب داخل الوطن، حيث يعيشون اليوم بلا جيران أو محيط اجتماعي مألوف.

عائلة شحادة ليست سوى نموذج لمئات العائلات التي شهدت تدمير إرثها العمراني، حيث أكدت عبير أن الاحتلال هدم ثمانية منازل تعود للعائلة وسواها بالأرض بشكل كامل. هذا التدمير الممنهج أحدث شرخاً عميقاً في أرواح اللاجئين الذين كانوا يعتبرون المخيم وطناً مؤقتاً بانتظار العودة لبلداتهم الأصلية.

ومع استمرار العمليات العسكرية وتمدد الوجود العسكري الإسرائيلي، يتضاءل أمل النازحين في العودة إلى أزقة مخيماتهم التي تحولت إلى ركام. وترى عبير أن الأمل بات 'مرهقاً'، فبعد أن كانوا ينتظرون انتهاء العملية العسكرية في أسابيع، أدركوا بعد عام أن العودة باتت شبه مستحيلة لمن هُدم منزله كلياً.

وفي ضاحية إكتابا المجاورة، تروي المواطنة سهام فصلاً آخر من فصول المعاناة، حيث تتنقل بين منازل أشقائها الستة بعد أن هدم الاحتلال منازلهم جميعاً في مخيم نور شمس. سهام التي فقدت زوجها ولم تنجب، تجد نفسها اليوم بلا مأوى مستقل وبلا قدرة مالية على استئجار غرفة واحدة تأويها.

الأمل أصبح مرهقاً ويُعمّق شعورنا بالألم؛ كنا نظن أن العملية ستستمر لأسابيع، لكننا اليوم تجاوزنا العام بلا مأوى.

تستذكر سهام شقيقتها التي كانت تصارع مرض السرطان ونزحت معهم قبل أن تفارق الحياة في ديار الغربة القسرية، معتبرة رحيلها 'رحمة' كي لا تشهد جرافات الاحتلال وهي تنهش منزلها. وتؤكد أن ما يعيشه الفلسطينيون اليوم في مخيمات الشمال يفوق في قسوته ومرارته ما نقله لهم آباؤهم عن نكبة عام 1948.

وتشير المعطيات الميدانية إلى تدهور حاد في الخدمات الأساسية، حيث فقد النازحون إمكانية الوصول إلى العيادات الطبية التابعة للأونروا داخل المخيمات. سهام، التي تعاني من أمراض مزمنة كالضغط والسكري، تؤكد أنها تعجز في كثير من الأحيان عن توفير ثمن الأدوية الضرورية في ظل تضاعف المصاريف وانعدام الدخل.

أرقام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) تعكس حجم الكارثة، حيث تم تسجيل تهجير نحو 45 ألف فلسطيني منذ بدء عملية 'السور الحديدي' في مطلع عام 2025. كما وثقت الوكالة أكثر من 3140 عملية هدم وتدمير للمنشآت والمنازل في مختلف مناطق الضفة الغربية منذ أكتوبر 2023.

ويتوزع النازحون على مراكز إيواء مؤقتة، حيث هُجر قرابة 16 ألفاً من مخيم طولكرم، و11 ألفاً من مخيم نور شمس، بينما بلغت أعداد المهجرين من مخيم جنين نحو 21 ألف شخص. هذه الأعداد الضخمة تضغط بشكل هائل على البنية التحتية للمدن المضيفة التي تعاني أصلاً من تضييقات الاحتلال.

القطاع التعليمي لم يسلم من التدمير، إذ تسبب إغلاق 13 مدرسة تابعة للأونروا في حرمان 5 آلاف طفل من حقهم في التعليم المستقر داخل مخيماتهم. ويضطر الطلاب اليوم لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مدارس حكومية بديلة، مما يحمل عائلاتهم أعباءً مادية واجتماعية إضافية لا تطيقها.

وفي تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 'أوتشا'، تم التحذير من عجز الأسر النازحة عن تحمل تكاليف الإيجارات الباهظة في المدن. وأشار التقرير إلى أن معظم المهجرين يقيمون حالياً في مساكن مستأجرة بأسعار مرتفعة، بينما تكتظ مراكز الإيواء العامة بالعائلات التي فقدت كل شيء.

وتعمل الجهات الإغاثية على تجهيز مراكز إيواء إضافية في مدارس مدينة جنين وطولكرم لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المشردين قسراً. ومع ذلك، تبقى هذه الحلول 'ترقيعية' أمام حجم الدمار الهائل الذي طال 1900 شقة سكنية في جنين وحدها، مما يجعل أزمة السكن جرحاً نازفاً في خاصرة الشمال الفلسطيني.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا