آخر الأخبار

تركيا وإسرائيل: هل تقترب المواجهة بعد سقوط النظام الإيراني؟

شارك

تتصاعد في الآونة الأخيرة موجة من التحليلات والتكهنات الاستراتيجية حول الوجهة القادمة للعدوان الإسرائيلي، خاصة بعد الضربات العنيفة التي استهدفت العمق الإيراني. وتشير القراءات السياسية إلى أن دوائر صنع القرار في تل أبيب بدأت تضع تركيا ومصر ضمن دائرة الاستهداف المستقبلي، مدفوعة بمخاوف من تعاظم النفوذ الإقليمي لهذه الدول.

تغذي هذه التكهنات تصريحات علنية لمسؤولين إسرائيليين، حيث وصف رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت الدولة التركية بأنها 'إيران الجديدة'. واعتبر بينيت أن الرئيس رجب طيب أردوغان يمثل 'خصماً ماكراً وخطيراً'، مما يعكس حجم القلق الإسرائيلي من الدور التركي المتنامي في ملفات المنطقة الحساسة.

يرى مراقبون أن الترويج لفكرة استهداف تركيا يهدف أحياناً لدفع أنقرة نحو تحالفات اضطرارية أو الضغط على الشعب التركي لتغيير توجهات حكومته. ومع ذلك، تظل أطماع الكيان الصهيوني التوسعية ورغبته في إعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط وفق مصالحه حقيقة لا يمكن تجاهلها في ظل التصريحات المتكررة حول مشروع 'إسرائيل الكبرى'.

على الرغم من حدة الخطاب الإسرائيلي، إلا أن موازين القوى العسكرية تفرض واقعاً مختلفاً عند الحديث عن مواجهة مباشرة مع تركيا. فالدولة التركية تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي 'الناتو'، وتتمتع بقدرات هجومية برية وبحرية وجوية تتجاوز بكثير ما كانت تمتلكه أطراف صراع أخرى في المنطقة.

تعتمد أنقرة في استراتيجيتها الدفاعية على منظومات وطنية متطورة، بالإضافة إلى صواريخ 'إس-400' الروسية، مما يجعل أي مغامرة عسكرية ضدها محفوفة بالمخاطر. وتدرك مصادر مطلعة أن الجيش التركي قادر على الوصول إلى الأراضي المحتلة ليس فقط عبر الصواريخ، بل من خلال أساطيل حربية وطائرات مقاتلة حديثة.

سياسياً، تختلف المقاربة التركية عن الإيرانية بشكل جوهري، حيث تتبنى أنقرة خيار 'حل الدولتين' الذي يحظى بإجماع دولي واسع. هذا الموقف الدبلوماسي يجعل من الصعب على إسرائيل إقناع حلفائها الغربيّين بضرورة استهداف تركيا تحت ذريعة تهديد الأمن العالمي، خاصة مع استمرار العلاقات الدبلوماسية القائمة.

تلعب الجغرافيا السياسية دوراً حاسماً في حماية تركيا، إذ تقع في قلب التماس بين الشرق والغرب، وتعتبرها العواصم الأوروبية صمام أمان لاستقرار القارة. وتزداد الحاجة الأوروبية لتركيا قوية ومستقرة في ظل الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة، ولمنع موجات النزوح والهجرة غير الشرعية التي تهدد أمن أوروبا.

تركيا باتت تمثل 'إيران الجديدة' وأردوغان خصم ماكر وخطير يجب الحذر منه.

في سياق متصل، أدت الحرب الأخيرة على إيران إلى زلزال في أسواق الطاقة العالمية، حيث قفزت أسعار النفط بنسبة تجاوزت 6%. وشهدت بورصات السلاح انتعاشاً كبيراً، حيث ارتفعت أسهم شركات مثل 'لوكهيد مارتن' و'نورثروب غرومان' بنسب قياسية، مما يعكس استفادة المجمع الصناعي العسكري من توترات المنطقة.

تشير التقارير إلى أن شركة RTX حققت مبيعات ضخمة بلغت 88.6 مليار دولار خلال عام 2025، مدفوعة بالطلب المتزايد على الأنظمة الدفاعية. هذا الانتعاش الاقتصادي لشركات السلاح يتزامن مع خطط إسرائيلية لتشكيل تحالفات جديدة تضم الهند واليونان وقبرص لمواجهة ما تسميه 'المحاور الإقليمية' الصاعدة.

بنيامين نتنياهو، الذي يسعى لإضعاف خصومه وتمكين قوى موالية في المنطقة، يراقب بقلق التحسن الملحوظ في العلاقات التركية السعودية والتركية المصرية. هذا التقارب العربي التركي يمثل عائقاً أمام الطموحات الإسرائيلية في الانفراد بتقرير مصير المنطقة وإعادة صياغة تحالفاتها الأمنية بعيداً عن الثوابت القومية.

تدرك أنقرة جيداً حجم الانزعاج الإسرائيلي من موقفها الداعم للقضية الفلسطينية وحركة حماس، وتأخذ التهديدات الصهيونية على محمل الجد. وبناءً على ذلك، تعمل القيادة التركية على سد أي ثغرات أمنية محتملة، مستفيدة من الدروس القاسية التي أفرزتها المواجهة العسكرية الأخيرة بين إسرائيل وإيران.

إن السياسة التركية التي تبتعد عن فكرة 'تصدير الثورة' وتعتمد على بناء شراكات مع الأنظمة القائمة، تمنحها مرونة أكبر في المناورة الدولية. فبدلاً من زراعة المليشيات، تركز تركيا على التعاون الاقتصادي والعسكري الرسمي، مما يعزز من شرعية دورها الإقليمي ويصعب من مهمة عزلها أو استهدافها.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال حول 'الدور على من؟' معلقاً بمدى قدرة القوى الإقليمية على التكتل في وجه المشاريع التوسعية. وبينما تنشغل إسرائيل بمحاولة تفكيك الجبهات واحدة تلو الأخرى، تبدو تركيا في وضع عسكري وسياسي يؤهلها لردع أي محاولة لتجاوز الخطوط الحمراء التي تمس سيادتها الوطنية.

إن استقرار المنطقة يعتمد بشكل كبير على توازن القوى، وأي محاولة إسرائيلية للمساس بتركيا قد تؤدي إلى انفجار شامل لا تستطيع واشنطن أو أوروبا تحمل تبعاته. ومن هنا، تبرز أهمية الوعي الاستراتيجي التركي في التعامل مع التهديدات، مع الاستمرار في تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية كضمانة وحيدة في عالم لا يعترف إلا بالقوة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا