تشهد الساحة العراقية تحولات ميدانية متسارعة في ظل تصاعد وتيرة العمليات العسكرية التي تنفذها فصائل مسلحة تحت مسمى «المقاومة الإسلامية في العراق». وقد برز هذا التشكيل كظلة تنسيقية تضم مجموعة من الفصائل الأساسية التي أعلنت صراحة انخراطها في مواجهة القواعد الأمريكية والمصالح المرتبطة بها في المنطقة.
تعود جذور الإعلان الرسمي عن هذا التحالف إلى بيانات أصدرها قادة ميدانيون، من بينهم الأمين العام لكتائب حزب الله، الذي حدد هوية الفصائل المشاركة في العمليات. وتضم هذه القائمة بشكل رئيسي كتائب حزب الله، وحركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، بالإضافة إلى حركة أنصار الله الأوفياء، وهي فصائل تحظى بثقل عسكري وتاريخي في العمل الميداني.
تشير المعطيات الميدانية لعام 2024 وما تلاه إلى وجود تراتبية في الأهمية والنشاط بين هذه الفصائل، حيث يتصدر فصيلا كتائب حزب الله والنجباء المشهد العملياتي. هذا التركيز لم يغب عن الرصد الدولي، إذ انعكس في العقوبات الأمريكية والغارات الجوية التي استهدفت مقار هذه الفصائل تحديداً في مناطق متفرقة من العراق وسوريا.
على الصعيد السياسي والقانوني، تضع الولايات المتحدة هذه الجماعات ضمن قوائم الإرهاب الأجنبية، معتبرة إياها أذرعاً مدعومة مباشرة من طهران. وتشمل التصنيفات الأمريكية خمس ميليشيات رئيسية، من بينها كتائب الإمام علي التي انخرطت في العمل السياسي والانتخابي رغم تصنيف قائدها ضمن القوائم الدولية.
في سياق الحرب الجارية، كشفت تقارير ميدانية عن تنفيذ المقاومة الإسلامية لعشرات العمليات العسكرية التي تجاوزت الحدود العراقية لتشمل أهدافاً في دول مجاورة. وأشارت البيانات إلى استهداف قواعد عسكرية ومنشآت حيوية، ما يرفع من سقف التحديات الأمنية في الإقليم ويهدد بتوسيع رقعة الصراع بشكل غير مسبوق.
تثير الاتهامات الموجهة لهذه الفصائل بشأن استهداف حقول الطاقة والنفط قلقاً دولياً متزايداً، خاصة مع تكرار الهجمات على حقول الغاز في إقليم كردستان. ورغم النفي الرسمي لبعض الأطراف، إلا أن المؤشرات الميدانية تربط بين هذه الهجمات وبين استراتيجية الضغط التي تتبعها الفصائل لتحقيق مكاسب سياسية وأمنية.
تعتمد القدرات العسكرية لهذه الفصائل على ترسانة متنوعة تشمل طائرات مسيرة متطورة وصواريخ باليستية قصيرة المدى جرى نقل تقنياتها من الخارج. وبحسب مصادر أمنية، فقد طورت هذه الجماعات قدرات ذاتية للتصنيع المحلي، مما يمنحها استقلالية نسبية في إدارة مخزونها العسكري وتحديد توقيت ضرباتها.
أكدت مصادر أمنية في مطلع مارس 2026 أن الفصائل بدأت بالفعل باستخدام الصواريخ الباليستية في هجماتها الأخيرة، مما يمثل تحولاً نوعياً في طبيعة المواجهة. هذا التطور يعكس رغبة الفصائل في إحداث تأثير أكبر وتوجيه رسائل ردع قوية للقوى الدولية المتواجدة في المنطقة.
تظل العلاقة بين هذه الفصائل وهيئة الحشد الشعبي واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في المشهد العراقي، حيث تتداخل الصبغة الرسمية مع النشاط المسلح المستقل. ورغم صدور قانون الحشد الشعبي عام 2016 لتقنين وضع هذه القوات، إلا أن الفصائل «الولائية» لا تزال تحتفظ بقرارها العسكري بعيداً عن سلطة القائد العام.
واجهت محاولات الحكومة العراقية لإبعاد البلاد عن الصراعات الإقليمية تحديات كبرى بسبب إصرار هذه الفصائل على مواصلة عملياتها العسكرية. وقد أدى هذا الانقسام إلى تعثر مشاريع قوانين تهدف لإعادة تنظيم الهيكل الإداري والمالي للحشد الشعبي، وسط ضغوط دولية لمنع شرعنة الفصائل الأكثر راديكالية.
من الناحية المالية، تتقاضى هذه الفصائل تمويلاً ضخماً من خزينة الدولة العراقية عبر ميزانية هيئة الحشد الشعبي التي بلغت مليارات الدولارات. وتخصص هذه المبالغ لرواتب مئات الآلاف من المنتسبين، بالإضافة إلى ميزانيات ضخمة للتسليح والتجهيز، مما يجعل الدولة في موقف حرج أمام المجتمع الدولي.
تتوزع الولاءات الفقهية والمذهبية داخل الحشد الشعبي بين مرجعيات متعددة، مما يخلق حالة من التباين في المواقف تجاه الأزمات السياسية. فبينما تدعو الفصائل التابعة للمرجعية في النجف إلى التهدئة والالتزام بقرارات الدولة، تتبنى الفصائل الأخرى نهجاً أكثر صدامياً يتماشى مع رؤية محور المقاومة.
تعرضت مقار تابعة لكتائب حزب الله وعصائب أهل الحق لسلسلة من الغارات الجوية في مناطق القائم وجرف الصخر وديالى، رداً على استهداف القواعد الأمريكية. هذه الضربات أدت إلى مقتل قادة بارزين، مما زاد من حالة الاحتقان والدفع نحو مزيد من التصعيد المتبادل بين الفصائل وواشنطن.
يبقى مستقبل هذه الفصائل مرتبطاً بمدى قدرة الدولة العراقية على فرض سيادتها واحتواء السلاح المنفلت ضمن إطار المؤسسات الرسمية. ومع استمرار التوترات الإقليمية، يبدو أن «المقاومة الإسلامية في العراق» ستظل لاعباً رئيسياً قادراً على التأثير في معادلات الأمن والسياسة في الشرق الأوسط.
المصدر:
القدس