آخر الأخبار

تاريخ حروب حزب الله مع إسرائيل: من 1982 إلى حرب غزة 2023

شارك

تعود جذور المواجهة العسكرية بين حزب الله وإسرائيل إلى لحظة اجتياح لبنان في حزيران 1982، حيث تشكلت النواة الأولى للحزب من تيارات إسلامية متنوعة تأثرت بالثورة الإيرانية وأفكار محمد باقر الصدر. بدأت هذه المجموعات نشاطها تحت إشراف 'اللجنة التساعية' التي وضعت الأسس الدينية والسياسية، وتلقى مقاتلوها التدريبات الأولى في معسكرات البقاع على يد ضباط من الحرس الثوري الإيراني.

شهدت المرحلة التأسيسية بروز قيادات عسكرية تاريخية صاغت هوية الحزب الميدانية، من بينهم عماد مغنية وفؤاد شكر وإبراهيم عقيل. وقد ارتبطت هذه الكوادر في بداياتها بفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، حيث اكتسبت خبرات قتالية مبكرة في جنوب لبنان، وساهمت في معارك مفصلية مثل 'معركة خلدة' التي واجهت التقدم الإسرائيلي نحو العاصمة بيروت.

اعتمد الحزب في سنواته الأولى أسلوب 'حرب العصابات' والعمل السري المركز، وكانت عملية تفجير مقر الحاكم العسكري في صور عام 1982 بواسطة أحمد قصير نقطة تحول كبرى. هذه العملية التي عرفت بـ'كارثة صور الأولى' أدت لمقتل العشرات من ضباط وجنود الاحتلال، وظلت هوية منفذها طي الكتمان لسنوات حتى انسحاب الاحتلال إلى 'المنطقة الأمنية' عام 1985.

طوّر الحزب بالتوازي مع ذراعه العسكري جهازاً أمنياً واستخباراتياً معقداً، نجح في اختراق ميليشيا 'جيش لبنان الجنوبي' التابعة للعميل أنطوان لحد. وقد ساهم هذا الجهاز في تنفيذ عمليات نوعية استهدفت القوات المتعددة الجنسيات والسفارة الأمريكية في بيروت عام 1983، وهي العمليات التي لا تزال أجهزة الاستخبارات الغربية تتهم قيادات الحزب التاريخية بالإشراف عليها.

انتقل التنظيم العسكري للحزب في منتصف الثمانينيات من نظام الخلايا الصغيرة إلى تقسيم الجبهات لمحاور قتالية منظمة، خاصة في منطقة إقليم التفاح والبقاع الغربي. وشهدت هذه الفترة تنفيذ عمليات هجومية واسعة تحت مسمى 'بدر الكبرى'، استهدفت مواقع الاحتلال في تلال علي الطاهر والريحان، وبرزت خلالها أسماء قادة ميدانيين مثل سمير مطوط وعبد المنعم كركي.

تعد 'ملحمة ميدون' عام 1988 من أبرز المحطات الدفاعية التي خاضها الحزب ضد تشكيلات مدرعة ونخبوية من الجيش الإسرائيلي. ورغم تدمير البلدة بالكامل وارتقاء مقاتليها، إلا أن الحزب اعتبرها نموذجاً للصمود الميداني الذي كبّد الاحتلال خسائر بشرية ومادية معتبرة، مما عزز من مكانة الحزب كقوة مقاومة أساسية في الجنوب اللبناني.

في التسعينيات، دخل الحزب مرحلة 'حرب الاستنزاف' المنظمة، مستفيداً من تطور قدراته التسليحية ودعم الإعلام الحربي الذي بدأ بتوثيق العمليات بالصوت والصورة. ركزت الاستراتيجية حينها على جعل البقاء في لبنان مكلفاً للمجتمع الإسرائيلي، عبر تكثيف استخدام العبوات الناسفة واستهداف قيادات العملاء، وكان أبرزها اغتيال عقل هاشم قبل التحرير بأشهر قليلة.

نجح الحزب في تحقيق انتصاره عام 2006 عبر استراتيجية 'النصر بعدم الخسارة'، مستثمراً أسلحة مضادة للدروع كبّدت الاحتلال خسائر فادحة.

نجحت المقاومة في توجيه ضربات قاسية لنخبة الجيش الإسرائيلي، مثل 'كمين أنصارية' الذي استهدف وحدة 'شييطت 13' البحرية، واغتيال قائد فرقة لبنان 'إيرز غيرشتاين'. هذه العمليات، إلى جانب الضغط الشعبي داخل إسرائيل من حركات مثل 'الأمهات الأربع'، عجلت بقرار الانسحاب الإسرائيلي الشامل من جنوب لبنان في أيار عام 2000 دون قيد أو شرط.

بعد التحرير، شرع الحزب في بناء بنية تحتية عسكرية ضخمة شملت شبكات أنفاق معقدة ومنظومات صاروخية متطورة استعداداً للمواجهة المقبلة. ونفذ الحزب سلسلة عمليات أسر لجنود إسرائيليين في مزارع شبعا، أدت لاحقاً إلى صفقات تبادل كبرى بوساطة دولية، مع استمرار التنسيق العسكري مع الفصائل الفلسطينية خلال انتفاضة الأقصى.

مثلت حرب تموز 2006 الاختبار الأكبر لاستراتيجية الحزب العسكرية، حيث اعتمد على 'القتال المرن' وتوزيع بؤر المقاومة بشكل مستقل. تمكن الحزب خلال 33 يوماً من شل الجبهة الداخلية الإسرائيلية بالصواريخ، وتدمير أسطورة دبابة 'الميركافا' في وادي الحجير، واستهداف البارجة الحربية 'ساعر' قبالة سواحل بيروت في مفاجأة عسكرية مدوية.

في الفترة ما بين 2006 و2023، طوّر الحزب 'قوة الرضوان' كقوة نخبة مخصصة للعمليات الهجومية خلف الخطوط، وزاد من ترسانته من الصواريخ الدقيقة والمسيّرات. وفي المقابل، كثفت إسرائيل من 'عمليات الظل' واغتيال القادة، حيث استهدفت عماد مغنية في دمشق عام 2008، وحسان اللقيس في بيروت، ضمن صراع استخباراتي محموم لم يتوقف.

مع انطلاق 'طوفان الأقصى' في تشرين الأول 2023، أعلن الحزب فتح 'جبهة إسناد' لغزة، بدأت باستهداف مواقع الرادار في مزارع شبعا وتطورت إلى مواجهة شاملة. استخدم الحزب في هذه الحرب صواريخ موجهة ومسيرات انقضاضية لتعطيل منظومات التجسس الإسرائيلية على طول الحدود، مما أدى لتهجير عشرات الآلاف من المستوطنين في الشمال.

تعرض الحزب خلال عام 2024 لضربات أمنية وعسكرية غير مسبوقة، بدأت بتفجير أجهزة الاتصال اللاسلكي 'البيجر' وصولاً إلى اغتيال الأمين العام حسن نصر الله ومعظم قيادات الصف الأول. ورغم فداحة الخسائر، استمرت العمليات الميدانية بقوة، وشملت قصف معسكرات 'جولاني' واستهداف منزل بنيامين نتنياهو في قيسارية بطائرة مسيرة انتحارية.

انتهت جولة المواجهة الأخيرة بإعلان وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، بعد أن أثبت الميدان قدرة الحزب على الاستمرار في القصف الصاروخي حتى اللحظات الأخيرة. تظل هذه الحروب التاريخية شاهدة على تحول الحزب من مجموعات صغيرة عام 1982 إلى تنظيم عسكري يمتلك قدرات تضاهي جيوشاً نظامية، في صراع مفتوح لا تزال فصوله مستمرة.

القدس المصدر: القدس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا