تستمر قوات الاحتلال الإسرائيلي في تقويض أركان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة لليوم الـ 144 على التوالي، عبر سلسلة من الانتهاكات الممنهجة التي طالت كافة مناحي الحياة. وأفادت مصادر ميدانية بأن الساعات الأخيرة شهدت تصعيداً عسكرياً لافتاً، حيث استهدفت مدفعية الاحتلال والدبابات المناطق الشرقية لمدينة خان يونس بإطلاق نار كثيف وقذائف وصفت بالعنيفة.
وفي وسط القطاع، شنت طائرات الاحتلال غارات جوية استهدفت الأطراف الشرقية لمخيم البريج، مما أدى إلى تدمير ممتلكات المواطنين وزيادة حالة الذعر بين النازحين. هذا التصعيد الميداني يأتي في وقت يفترض فيه الالتزام ببنود التهدئة، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى إصرار الاحتلال على نزع المضمون الإنساني والعسكري عن أي اتفاق قائم.
ووثقت التقارير الإحصائية الصادرة عن الجهات المعنية حصيلة دموية ثقيلة منذ بدء سريان الاتفاق، حيث ارتقى 661 شهيداً في غارات وعمليات استهداف متفرقة. وتظهر البيانات أن الفئات الأكثر ضعفاً كانت هي المستهدفة بشكل مباشر، إذ استشهد 199 طفلاً و85 امرأة، ما يمثل نحو 46.4% من إجمالي عدد الضحايا الذين سقطوا خلال فترة 'الهدنة' المزعومة.
وعلى صعيد الإصابات، سجلت الطواقم الطبية نحو 1700 جريح، يعاني جزء كبير منهم من إصابات حرجة وبتر في الأطراف نتيجة القصف المباشر. وتشير الإحصائيات إلى أن النساء والأطفال والمسنين يمثلون الغالبية العظمى من الجرحى بنسبة تصل إلى 55.8%، مما يؤكد غياب أي تمييز في العمليات العسكرية التي ينفذها جيش الاحتلال ضد المدنيين.
ولم تتوقف الخروقات عند القصف المباشر، بل شملت 1921 حدثاً ميدانياً تم رصده بمعدل يومي يصل إلى 13.5 خرق، تنوعت بين توغلات برية محدودة ونسف لمربعات سكنية كاملة. هذه العمليات تهدف بوضوح إلى منع عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية، وعرقلة أي محاولات لترميم ما دمرته آلة الحرب في الفترات السابقة.
وفيما يتعلق بالجانب الإنساني، يواصل الاحتلال استخدام سلاح التجويع عبر التلاعب بآليات دخول المساعدات المتفق عليها دولياً. حيث لم يسمح الاحتلال إلا بدخول 42.2% فقط من كمية الشاحنات التي كان من المفترض وصولها يومياً، والبالغ عددها 600 شاحنة، مما أدى إلى تفاقم المجاعة في مناطق شمال القطاع على وجه الخصوص.
وتبرز أزمة الوقود كواحدة من أخطر الانتهاكات، حيث لم يتم إدخال سوى 14.5% من الاحتياجات المتفق عليها لتشغيل القطاعات الحيوية. هذا النقص الحاد تسبب في شلل شبه كامل لشبكات ضخ المياه ومحطات التحلية، فضلاً عن وضع المستشفيات المتبقية في حالة عجز عن تقديم الخدمات الطبية الطارئة للمرضى والجرحى.
أما بخصوص حرية الحركة عبر معبر رفح، فقد بلغت نسبة العبور التراكمي للمسافرين والحالات الإنسانية 38.6% فقط من الإجمالي المسجل، وسط قيود تعسفية يفرضها الاحتلال. وتواجه آلاف الحالات الطبية الطارئة خطر الموت نتيجة المنع من السفر للعلاج في الخارج، في ظل انهيار المنظومة الصحية المحلية بفعل الحصار والاستهداف المستمر.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الاحتلال يرفض بشكل قاطع الالتزام بخطوط الانسحاب المتفق عليها، ويمنع الفرق الفنية من إصلاح البنية التحتية الأساسية للكهرباء والمياه. هذا التعنت، المتزامن مع استمرار الغموض حول مصير المفقودين، يحول الهدنة إلى مجرد 'اتفاق على الورق' يفتقر لآليات دولية رادعة تحمي المدنيين من سياسة القتل البطيء.
المصدر:
القدس