- "نيويورك تايمز": لم يكن مفاجئاً بل جاء نتيجة مشاورات سرية وتخطيط عسكري وضغوط سياسية
واشنطن- "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات- بحسب تقرير في صحيفة "نيويورك تايمز" نشر الإثنين، فإن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب شن حرب ضد إيران لم يكن خطوة مفاجئة، بل جاء نتيجة مسار طويل من المشاورات السرية والتخطيط العسكري والضغوط السياسية، خاصة من جانب القيادة الإسرائيلية، إلى جانب تراجع الثقة داخل الإدارة الأمريكية بإمكانية التوصل إلى حل دبلوماسي مع طهران.
بعد أيام من اللقاء، بدأ ترمب يعبر علناً عن تشككه في جدوى التفاوض مع إيران، معتبراً أن سنوات الحوار السابقة لم تحقق نتائج. كما لمح إلى أن تغيير النظام الإيراني قد يكون الخيار الأفضل. وبعد نحو أسبوعين فقط، أذن بعملية عسكرية واسعة بالتنسيق مع إسرائيل، شملت ضربات مكثفة استهدفت مواقع عسكرية ونووية ومراكز داخل البلاد، وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني ودخول البلاد في حالة من الفوضى، إضافة إلى اندلاع موجة عنف إقليمي أدت إلى سقوط قتلى أمريكيين وإيرانيين.
ويشير التقرير إلى أن المعارضة داخل الدائرة المقربة من الرئيس كانت محدودة للغاية. حتى شخصيات معروفة سابقاً بتحفظها تجاه التدخلات العسكرية دعمت فكرة توجيه ضربة واسعة وسريعة إذا تقرر الهجوم. في المقابل، حذر قادة عسكريون من مخاطر كبيرة، من بينها احتمال سقوط خسائر أمريكية كبيرة وزعزعة استقرار المنطقة واستنزاف المخزون العسكري الأمريكي. إلا أن هذه التحذيرات لم تنعكس بالكامل في التصريحات العلنية، حيث جرى تصوير العملية على أنها قابلة للحسم بسهولة.
في الوقت نفسه، استمرت المفاوضات النووية مع إيران، لكن التقرير يرى أنها وفرت عملياً غطاء زمنياً لتعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط. ففي بداية العام، لم تكن القوات الأمريكية جاهزة لحرب طويلة، إذ لم تكن حاملات طائرات موجودة في المنطقة وكانت الدفاعات الجوية محدودة. ومع مرور الأسابيع، أُرسلت حاملتا طائرات وعدد كبير من الطائرات المقاتلة والقاذفات وأنظمة الدفاع، ما أتاح تنفيذ حملة عسكرية ممتدة.
داخل اجتماعات مجلس الأمن القومي، تركز النقاش على حجم العملية العسكرية وليس على مبدأ تنفيذها. عُرضت خيارات متعددة، بدءاً من ضربات محدودة تهدف إلى الضغط التفاوضي، وصولاً إلى حملة واسعة تستهدف إسقاط القيادة الإيرانية. وقدمت أجهزة الاستخبارات سيناريوهات مختلفة لما قد يحدث في حال مقتل المرشد الأعلى، من بينها احتمال صعود قيادة أكثر تشدداً، أو اندلاع اضطرابات داخلية، أو وصول جناح أكثر براغماتية من الحرس الثوري إلى السلطة.
المعارضة البارزة الوحيدة تقريباً جاءت من الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، الذي حذر من مخاطر الحرب على القوات الأمريكية وأسعار الطاقة والعلاقات مع الحلفاء العرب، معتبراً أن واشنطن قد تنجر إلى الصراع بسبب أولويات إسرائيل الأمنية. إلا أن ترمب أبلغه بأنه يعتقد أن الولايات المتحدة ستتورط في القتال على أي حال إذا بدأت إسرائيل الهجوم بمفردها.
على الصعيد السياسي الداخلي، لم تسع الإدارة للحصول على تفويض واضح من الكونغرس قبل بدء العمليات، ما أثار انتقادات من بعض المشرعين الذين رأوا أن المنطق المستخدم لتبرير الحرب دائري، إذ اعتُبر أن الحشد العسكري نفسه قد يدفع إيران للرد، وبالتالي يصبح الهجوم الأمريكي أمراً حتمياً.
وعُقدت جولة أخيرة من المفاوضات في جنيف قبل أيام من الضربة، حيث قدمت إيران مقترحاً يسمح باستمرار مستويات معينة من التخصيب، وهو ما رفضه المفاوضون الأمريكيون. وبعد انتهاء المحادثات، أبلغ الفريق التفاوضي الرئيس بأن فرص التوصل إلى اتفاق باتت ضئيلة للغاية. وفي تلك الأثناء، كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تناقشان بالفعل توقيت الهجوم، إلى أن أدى اختراق استخباراتي إلى تحديد اجتماع لقيادة إيرانية عليا في طهران، فتم اتخاذ قرار تنفيذ ضربة استهدفت القيادة مباشرة، لتبدأ الحرب فعلياً.
تشير مجريات الأحداث، كما يعرضها التقرير، إلى أن المسار الدبلوماسي لم يكن بالضرورة محاولة حقيقية لتجنب الحرب، بل ربما شكّل أداة سياسية لإدارة التوقيت العسكري. فاستمرار المفاوضات تزامن مع أكبر حشد عسكري أمريكي في المنطقة منذ سنوات، ما يعزز الانطباع بأن الحوار كان يوفر غطاءً زمنياً لإكمال الاستعدادات العملياتية أكثر مما كان مساراً قابلاً للنجاح. فالمطالب الأمريكية، خصوصاً شرط "صفر تخصيب"، كانت معروفة مسبقاً بأنها غير مقبولة إيرانياً، الأمر الذي جعل الوصول إلى اتفاق شبه مستحيل منذ البداية.
وفي السياق ذاته، يكتسب الإعلان عن زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، التي كان مقرراً أن تتم يوم الاثنين 3 آذار، دلالة سياسية إضافية. فقد بدا الإعلان عن الزيارة وكأنه استمرار للواجهة الدبلوماسية وإشارة إلى انخراط سياسي طبيعي، في وقت كانت فيه القرارات العسكرية قد حُسمت عملياً. ومن هذا المنظور، يمكن فهم التحركات الدبلوماسية المتأخرة باعتبارها جزءاً من إدارة المشهد الدولي وتهيئة الرأي العام، لا باعتبارها محاولة أخيرة واقعية لمنع التصعيد، وهو ما يعكس نمطاً متكرراً في الأزمات الدولية حيث تُستخدم القنوات التفاوضية أحياناً لتأمين الشرعية السياسية قبل الانتقال إلى شن الحرب.
المصدر:
القدس