دخلت المنطقة والعالم مرحلة تاريخية مفصلية مع انطلاق العدوان الإسرائيلي الأمريكي الواسع على الجمهورية الإسلامية في إيران، والذي يحمل أهدافاً معلنة تتجاوز العمل العسكري التقليدي إلى إسقاط النظام وتفكيك الحرس الثوري. هذا التصعيد دفع طهران للرد بشكل غير مسبوق عبر استهداف القواعد الأمريكية في الإقليم، مما يضعنا أمام حقيقة انتهاء نظام عالم الأمس بكل مؤسساته وقواعده القانونية.
تشير القراءة السياسية للمشهد إلى أننا نعيش مخاضاً عسيراً سينتج عنه نظام دولي جديد، تتغير فيه الخرائط وتختفي دول لتظهر كيانات أخرى بناءً على ديناميكيات القوة والتدافع. وقد تجلى عجز النظام القديم في فشل مجلس الأمن الدولي عن مواكبة قضايا العالم، بعدما أفرغته الإدارات الأمريكية المتعاقبة من مضمونه لصالح التغول المنفرد بواشنطن.
تعد جريمة الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة منذ عامين الشاهد الأكبر على بشاعة الاختلال الدولي، حيث عجز العالم تماماً عن وقف التطهير العرقي والتجويع الممنهج. وقد جاءت خطوة الرئيس الأمريكي ترامب بإنشاء 'مجلس السلام' لتضع المسمار الأخير في نعش مجلس الأمن، منهيةً أي دور فعلي للمنظمات الدولية التي فقدت إرادتها وقدرتها على التأثير.
على الصعيد الاقتصادي، تسبب اندلاع الحرب في هزة عنيفة لأسواق الطاقة العالمية، خاصة مع إعلان أربع شركات نفطية كبرى تعليق مرورها عبر مضيق هرمز الاستراتيجي. هذا المضيق الذي يمر عبره خُمس الإنتاج العالمي للنفط، بات ساحة صراع مفتوحة بعد بلاغات عن رسائل إيرانية بإغلاقه، مما يهدد المصالح الصينية التي تعتمد على طهران في 90% من احتياجاتها النفطية.
يمثل اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي نقطة تحول استراتيجية في هذا الصراع، حيث يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لترميم إخفاقات السابع من أكتوبر عبر استهداف رأس النظام. هذه الخطوة لم تكن مجرد عملية عسكرية، بل هي محاولة لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية بالقوة المفرطة، متجاهلةً التبعات الكارثية على استقرار المنطقة بأكملها.
تظهر التوجهات الأمريكية الحالية بوضوح وفجاجة غير مسبوقة، حيث يعبر أركان إدارة ترامب عن رؤى عنصرية تجاه المنطقة العربية والإسلامية. وتأتي تصريحات وزير الدفاع الأمريكي ذات الصبغة الأيديولوجية، متممةً لتمنيات السفير مايك هاكابي بضم أراضٍ عربية لإقامة ما يسمى 'إسرائيل الكبرى'، وهو ما يؤكد أن المعركة الحالية هي معركة وجودية بامتياز.
في ظل هذا المشهد المعقد، يبدو الموقف العربي غائباً عن التأثير الحقيقي في تقرير مصير الأوطان التي باتت رهينة لأطماع القوى المتحاربة. فبينما اختارت قوى المقاومة المواجهة المبكرة لضمان البقاء، لا تزال بعض الحكومات غارقة في خلافات مصطنعة واصطفافات مذهبية تشتت الجهود عن مواجهة العدو الحقيقي الذي يتربص بالجميع دون استثناء.
إن نزعة الغرور الصهيوأمريكية لم تتراجع أمام التنديدات الدولية، بل ذهبت بعيداً نحو محاولة فرض واقع تلمودي مزعوم على حساب السيادة العربية. ويؤكد الواقع التاريخي أن من يجنح للصمت أو التخاذل في لحظات المواجهة الكبرى لا توهب له الحياة، خاصة وأن المخططات الحالية تستهدف تفتيت الجغرافيا العربية لصالح التوسع الاستيطاني.
تعتمد استراتيجية الحفاظ على الأمن القومي العربي والإسلامي في الوقت الراهن على مدى ثبات الجبهة الإيرانية وقدرتها على تحويل العدوان إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة. فكسر إرادة المقاومة في طهران سيعني بالضرورة فتح الباب أمام استباحة غير مسبوقة لبقية العواصم العربية، وتحويلها إلى مجرد ملحقات في النظام الإقليمي الجديد الذي تسعى واشنطن لفرضه.
لقد أثبتت أحداث غزة أن الرهان على 'الشرعية الدولية' هو رهان خاسر، بعدما ألغى الأمريكيون وكالة الأونروا وانسحبوا من عشرات المنظمات الدولية لضمان تفوق الاحتلال. هذا السلوك يؤكد أن القوة هي اللغة الوحيدة المعترف بها في الغابة الدولية الجديدة، وأن وحدة المصير بين شعوب المنطقة هي السبيل الوحيد لإفشال مشروع 'إسرائيل الكبرى'.
المصالح الاقتصادية والجيوسياسية ستكون العامل الرئيس في فرز الاصطفافات المستقبلية، حيث لن تجد الدول التي وقفت موقف المتفرج مكاناً لها في طاولة المفاوضات القادمة. إن التحدي الماثل أمام الشعوب هو تجاوز الانقسامات الطائفية والمذهبية التي يغذيها العدو، والتركيز على حقيقة أن القذائف والغارات لا تفرق بين مذهب وآخر حين تستهدف وحدة الأوطان.
إن ما يحدث اليوم في سماء طهران وقواعد واشنطن في المنطقة هو الفصل الأول من كتاب التاريخ الجديد الذي يكتب بالدم والنار. ولا يمكن التنبؤ بيقين بالمدى الذي ستصل إليه هذه الحرب، لكن المؤكد أن المسارح العسكرية لن تتوقف عند حدود جغرافية معينة طالما ظلت الأطماع التوسعية هي المحرك الأساسي للسياسة الأمريكية والإسرائيلية.
يجب على صانع القرار العربي أن يدرك أن الحياد في معركة الوجود هو انتحار سياسي، فالمخطط الصهيوني لا يعترف بحدود أو اتفاقيات سلام حين تلوح فرصة التوسع. وما تصريحات المسؤولين الصهاينة حول 'الحق التاريخي' إلا مقدمة لعمليات ضم وتشريد قد تطال دولاً كانت تظن أنها بعيدة عن أتون الصراع، مما يتطلب استنفاراً شاملاً للمقدرات الشعبية والرسمية.
ختاماً، يبقى الأمل معقوداً على وعي الشعوب وقدرتها على فرض معادلة جديدة ترفض التبعية وتتمسك بحق الدفاع عن الأرض والمقدسات. إن انتصار حلف المقاومة في هذه المواجهة ليس مجرد نصر عسكري لدولة بعينها، بل هو صمام أمان لمنع انهيار ما تبقى من النظام العربي، وإفشال مخططات الهيمنة التي تسعى لتحويل المنطقة إلى ساحة خلفية للمصالح الإمبريالية.
المصدر:
القدس