آخر الأخبار

تحول السيادة العقارية في الضفة الغربية: الضم بكافة أشكاله

شارك

خاص الحدث

شهدت الفترة الممتدة من مطلع عام 2024 وحتى الربع الأول من عام 2026 تحولا جوهريا في بنية السيطرة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية، حيث انتقلت السياسات الإسرائيلية من مرحلة "السيطرة العسكرية المؤقتة" إلى مرحلة "الضم الإداري والقانوني الدائم". ولم يعد الأمر يقتصر على مصادرة مساحات من الأراضي تحت ذرائع أمنية، بل امتد ليشمل إعادة صياغة القوانين الناظمة للملكية، وتفكيك الهياكل البيروقراطية العسكرية لصالح أجسام مدنية سياسية، وصولا إلى القرار التاريخي في فبراير 2026 بفتح سجلات الأراضي وتخصيص ميزانيات ضخمة لتسجيلها كأراض تابعة للدولة. هذا التحول يمثل، في جوهره، إنهاء عمليا للوضع القائم الذي استمر منذ عام 1967، واستبداله بمنظومة قانونية تدمج الأراضي المحتلة داخل النظام الإداري والمدني الإسرائيلي بشكل مباشر، مما يقوض أي ركيزة جغرافية متبقية لحل الدولتين.

من الإدارة العسكرية إلى الضم المدني

تمثلت الخطوة الأولى والأكثر خطورة في مسار الضم الإداري في تفكيك احتكار جيش الاحتلال الإسرائيلي لإدارة الشؤون المدنية في الضفة الغربية، وهي العملية التي قادها الوزير بتسلئيل سموتريتش من خلال منصبه المزدوج كوزير للمالية ووزير إضافي في وزارة جيش الاحتلال. ففي 29 مايو 2024، وقع قائد جيش الاحتلال في الضفة الغربية على الأمر العسكري رقم (2195)، الذي أدخل تعديلات جوهرية على الأمر رقم (947) الخاص بإنشاء الإدارة المدنية. هذا التعديل استحدث منصب "نائب رئيس الإدارة المدنية للشؤون المدنية"، وهو منصب يشغله شخص مدني، كان الأول هو هيلل روت، يتمتع بصلاحيات واسعة كانت تاريخيا من اختصاص الضباط العسكريين حصرا.

وبموجب هذا التفويض، انتقلت مئات الصلاحيات الإدارية والقانونية من يد رئيس الإدارة المدنية العسكري إلى النائب المدني الذي يتبع فعليا "مديرية الاستيطان" التي أنشأها سموتريتش. وتشمل هذه الصلاحيات إدارة الأراضي، والتخطيط والبناء، والرقابة، والترخيص المهني، والتجارة، والموارد الطبيعية. إن هذا الانتقال يمثل تحولا من منطق "الاحتلال الحربي" الذي تفرضه اتفاقيات جنيف، حيث يكون القائد العسكري هو مصدر السلطة والمسؤول عن رفاهية السكان المحليين، إلى منطق "الإدارة المدنية السياسية" التي تهدف إلى تعزيز الاستيطان ودمج المنطقة بالدولة الإسرائيلية.

ورغم الالتماسات التي قدمتها منظمات حقوقية مثل "يش دين" و"جمعية حقوق المواطن" إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للطعن في قانونية هذا النقل، إلا أن المحكمة رفضت هذه الالتماسات في يناير 2026، واكتفت بطلب تعديلات شكلية تهدف إلى الحفاظ على "واجهة" السيادة العسكرية أمام المجتمع الدولي، مثل التأكيد على تبعية سموتريتش شكليا لوزير جيش الاحتلال في حالات الخلاف. بينما حذر القاضي عوفر غروسكوفف في رأي مخالف من أن "الخيول قد غادرت الإسطبل بالفعل"، في إشارة إلى أن واقع الضم الإداري قد تكرس ميدانيا ولا يمكن عكسه بمجرد نصوص قانونية ورقية تهدف لذر الرماد في العيون الدولية.

لقد أدت هذه الهندسة الإدارية إلى تسريع مذهل في وتيرة الأنشطة الاستيطانية؛ ففي عام 2024 وحده تمت المصادقة على بناء 28,872 وحدة سكنية، وهو رقم قياسي يعكس فعالية الجهاز الإداري الجديد في تجاوز المعايير العسكرية والسياسية السابقة. هذا الهيكل الجديد أخرج الجيش من دائرة اتخاذ القرار في القضايا المدنية، وحول الضابط العسكري إلى مجرد منفذ لقرارات تتخذها مستويات سياسية تهدف علانية إلى إنهاء الوجود الفلسطيني في المناطق (ج).

إعلان "أراضي الدولة": هندسة قانونية للسيطرة

يعد عام 2024 العام الأكثر "عدوانية" في تاريخ إعلانات "أراضي الدولة" في الضفة الغربية منذ عقود. فوفق تقارير حركة "السلام الآن"، أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلية نحو 24,258 دونما كأراضي دولة خلال هذا العام، وهو ما يمثل نصف إجمالي المساحات التي أعلنت كأراضي دولة منذ توقيع اتفاقيات أوسلو في التسعينيات وحتى نهاية عام 2023. هذه القفزة الكبيرة هي نتاج عمل منظم قامت به فرق مسح الأراضي لربط الكتل الاستيطانية وخلق تواصل جغرافي يمنع قيام دولة فلسطينية متصلة.

تستند إسرائيل في هذه الإعلانات إلى تفسير متشدد لقانون الأراضي العثماني لعام 1858. فالقانون العثماني يصنف الأراضي إلى عدة فئات، أهمها أراضي "الميري" التي تمنح الفلاح حق المنفعة والملكية إذا قام بزراعتها بشكل مستمر. غير أن الإدارة الإسرائيلية تتبنى تفسيرا يقضي بأن توقف الزراعة لمدة ثلاث سنوات متتالية، أو عدم زراعة أكثر من 50% من مساحة القطعة الصخرية، يعطي الدولة الحق في استردادها كأرض دولة. ومن خلال استخدام صور الأقمار الصناعية والمسوحات الميدانية المكثفة التي يقوم بها "فريق الخط الأزرق"، يتم تجريد المزارعين الفلسطينيين من ملكياتهم التاريخية بحجة "إهمال الأرض".

ومن الأمثلة البارزة ما جرى في البؤر الاستيطانية التي سعت الحكومة لشرعنتها في عامي 2024 و2025. ففي حالة البؤرة "بني آدم" شرق رام الله، تم إعلان 501 دونم كأراضي دولة بهدف خلق اتصال جغرافي بين البؤرة ومستوطنة "آدم" الأم، رغم أن هذه الأراضي كانت تستخدم تاريخيا من قبل مجتمعات رعوية فلسطينية تم تهجيرها بالقوة. وفي نابلس، أعلن عن 455 دونما لشرعنة بؤرة "حفات جلعاد"، حيث كشفت الخرائط أن معظم منازل البؤرة تقع فعليا على أراض فلسطينية خاصة، ما دفع الدولة إلى توسيع المجال الحيوي للمستوطنة على الأراضي المجاورة لتثبيتها كأمر واقع.

وتفرغ هذه السياسة الأراضي من الوجود الفلسطيني وتمنحها حصريا للمستوطنين؛ إذ تشير البيانات إلى أن 99.76% من أراضي الدولة المخصصة للاستخدام في الضفة الغربية منذ عام 1967 منحت للإسرائيليين، بينما لم يحصل الفلسطينيون إلا على 0.24% فقط، ومعظمها لتنظيم قرى قائمة أو شق طرق تخدم المستوطنات أيضا. إن تحويل "أراضي المسح" إلى "أراضي دولة" يمثل الأداة القانونية الأبرز لفرض السيادة دون إعلان رسمي، ما يجعل الاعتراض الفلسطيني أمام المحاكم العسكرية شبه مستحيل.

قرار التسوية وفتح "الطابو"

في 15 فبراير 2026، صادقت الحكومة الإسرائيلية على قرار اعتبره كثير من المراقبين "الضربة القاضية" لأي فرصة لاتفاق سياسي مستقبلي، إذ خصص مبلغ 244.1 مليون شيقل لإنشاء آلية متكاملة لتسجيل الأراضي وتسوية الحقوق العقارية في المنطقة (ج). هذا الإجراء، المتوقف منذ عام 1967، يهدف إلى تسجيل الأراضي في سجل العقارات الإسرائيلي، وهو إجراء سيادي لا تقوم به إلا الدولة في أراضيها المعترف بها.

ويتضمن القرار إنشاء "مديرية تسوية" تابعة لوزارة العدل، وتوظيف 35 موظفا متخصصا، مع هدف مباشر يتمثل في تسوية 15% من الأراضي غير المسجلة في المنطقة (ج) خلال خمس سنوات، أي ما يعادل نحو 290,000 دونم. وتكمن الخطورة في أن عملية التسوية تجبر أصحاب الأراضي الفلسطينيين على إثبات ملكيتهم عبر سلسلة معقدة من الوثائق والمخططات المساحية العثمانية والبريطانية، وهو أمر تصفه منظمات حقوقية بأنه "مستحيل تقريبا". وأي أرض لا ينجح أصحابها في إثبات ملكيتهم الخاصة لها تسجل تلقائيا باسم دولة إسرائيل.

وترافقت هذه الخطوة مع قرارات تقنية مكملة، أبرزها رفع السرية عن سجلات الأراضي ونشرها، بما يتيح للشركات الاستيطانية الوصول إلى بيانات الملكية وتحديد "الأراضي المتاحة"، إضافة إلى تكليف مركز الخرائط الإسرائيلي بمهمة القياس والمسح بميزانية 83.9 مليون شيقل، وتوسيع صلاحيات الرقابة والإنفاذ لتشمل مخالفات المياه والآثار والمخاطر البيئية حتى في المناطق (أ) و(ب). هذا التحول من "سجلات الظل" العسكرية إلى "سجلات الطابو" المدنية ينهي عمليا مفهوم "الاحتلال المؤقت"، ويجسد ما تصفه "السلام الآن" بأنه "عملية نهب كبرى" تهدف إلى السيطرة على 83% من أراضي المنطقة (ج)، التي تشكل 60% من مساحة الضفة.

إلغاء القانون الأردني والاستيطان الرعوي: الضم الصامت

بالتوازي مع قرارات فبراير 2026، ألغى الكابينيت القانون الأردني لعام 1953 الذي كان يحظر بيع الأراضي لغير العرب. كان هذا القانون يشكل عائقا أمام المشروع الاستيطاني، إذ كان المستوطنون يلتفون عليه عبر شركات وهمية أو وسطاء، ويتطلب الأمر موافقة أمنية تعرف بـ "تصريح الصفقة". بإلغائه، لم يعد هناك مانع قانوني يمنع أي مستوطن أو شركة إسرائيلية من شراء الأراضي في الضفة بشكل مباشر وعلني، تماما كما في تل أبيب أو حيفا.

وشملت التغييرات إلغاء "تصريح الصفقة"، وتجديد لجنة شراء الأراضي الحكومية، ومنح "مديرية الخليل" صلاحيات بلدية كاملة في المستوطنة اليهودية هناك. هذا التحول يزيل الحواجز النفسية والقانونية أمام الاستثمار الاستيطاني، ويحول الصراع إلى صراع سوق عقاري غير متكافئ، في ظل تدفقات مالية ضخمة مدعومة من الدولة مقابل قيود مفروضة على الفلسطينيين.

بموازاة ذلك، تتوسع ظاهرة "الاستيطان الرعوي"، حيث سيطر المستوطنون عبر بؤر الرعي على 786,000 دونم، أي ما يعادل 14% من مساحة الضفة وأربعة أضعاف مساحة المستوطنات الرسمية مجتمعة. وفي عام 2024 وحده أقيمت 55 بؤرة جديدة، معظمها رعوية، بدعم عقود من دائرة الاستيطان، ومنح بقيمة 3 ملايين شيقل، وقروض بقيمة 1.6 مليون شيقل، إضافة إلى تخصيص أراض للرعي داخل "مناطق النيران" العسكرية.

وتؤدي هذه البؤر إلى تهجير مجتمعات فلسطينية كاملة في الأغوار وجنوب الخليل، لتصبح الأرض لاحقا "جاهزة" لإعلانها أرض دولة بحجة عدم زراعتها. ومع إعادة إحياء مخطط (E1)، وتخصيص 2.7 مليار شيكل في ميزانية 2026 لإقامة مستوطنات جديدة وإعادة إنشاء "غانيم" و"كاديم"، يتضح أن مسار "عام السيادة" لم يعد خطابا سياسيا، بل سياسة ممنهجة.

ورغم إدانات محكمة العدل الدولية والاتحاد الأوروبي وتحذيرات الأمم المتحدة، تشير الوقائع إلى أن إسرائيل حولت الضفة من منطقة مدارة عسكريا إلى إقليم مدمج إداريا. ومن خلال التحكم في سجلات الأراضي، وفتح السوق العقاري، ونقل الصلاحيات إلى المدنيين، ترسخ واقع قانوني يصعب التراجع عنه. إن "الضم الإداري" الذي اكتمل في فبراير 2026 يمثل المرحلة الأخيرة قبل إعلان السيادة الرسمي ، ويجعل من أي حديث عن "حل الدولتين" شعارا دبلوماسيا يفتقر إلى الركيزة الجغرافية والسيادية على الأرض.

الحدث المصدر: الحدث
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا