الحدث - مثنى النجار
لم تكن الزراعة في قطاع غزة يومًا مهنة عابرة، بل كانت هويةً متجذّرة في الأرض، ووسيلة بقاء، وركنًا أساسيًا من أركان الأمن الغذائي لمجتمعٍ محاصر، غير أن الحرب الأخيرة لم تكتفِ بقصف البيوت والمستشفيات والطرقات، بل امتدّ خرابها عميقًا إلى الأراضي والممتلكات الزراعية والدفيئات الزراعية في حرب استهدفت كل ما هو فلسطيني، لتُحوِّل مساحاتٍ خضراء كانت تضجّ بالحياة إلى أراضٍ مدمّرة أو مناطق محظورة خلف خطوطٍ صفراء، وتترك المزارع الفلسطيني وحيدًا في مواجهة الخسارة، والجوع، وانعدام الأفق.
في مواصي خانيونس جنوب قطاع غزة، حيث اعتاد المزارعون الاحتماء برمالها والبحر القريب منها، تتجسّد اليوم واحدة من أكثر صور المعاناة قسوة. حيث لا يزال بعض المزارعين يُصرّون على مواصلة العمل ، رغم الحرب، ورغم الغلاء، ورغم الغشّ الذي طال حتى البذور، في محاولةٍ يائسة لإبقاء الخضار حاضرة في السوق المحلي، ومنع انهيارٍ كامل لمنظومة الغذاء.
المزارع عمر الأسطل (64 عامًا) ورث مهنة الزراعة عن والده، وحافظ عليها خلال سنوات طويلة باعتبارها مصدر رزقه الوحيد، وعلاقته الأعمق بالأرض. يشرف عمر اليوم على زراعة مساحةٍ تُقدّر بنحو ثلاثة دونمات، مزروعة بالطماطم وعدد من أصناف الخضار التي تسدّ جزءًا محدودًا من احتياجات السوق المحلي وتوفر له مصدر دخل وحيد، في ظل شُحّ المعروض وارتفاع الأسعار.
يقول الأسطل في لقاء مع "صحيفة الحدث": لم نرَ في حياتنا ما نُعانيه اليوم، فحرب الإبادة دمّرت كل شيء، نحن نعمل على ري المزروعات بواسطة محركات تعمل على السولار الذي يعد باهظ الثمن في غزة، بالإضافة إلى أن المبيدات والأسمدة وحتى الاشتال أصبحت عبئًا على المزارعين بسبب ثمنها المرتفع.
ويضيف الأسطل: لم تعد الزراعة اليوم فعلا إنتاجيا فقط، بل معركة يومية ضد الخسارة، ويوضح: أنّ مكافحة الحشرات باتت شبه مستحيلة، بسبب قلّة توفر الأدوية المناسبة، ورداءة ما هو متوفر في السوق، و"أحيانًا لا نجد مبيدات، وإذا وُجدت تكون تالفة أو مغشوشة، والمحصول في النهاية يتلف ولا أحد يعوّض".
ويطالب الأسطل الجهات المختصة والمؤسسات ذات العلاقة بتوفير بذور خصبة، وأشتال سليمة، وأسمدة مناسبة، مؤكدًا أن المزارعين يطلبون فقط توفير أدوات البقاء في الأرض . مشيرا إلى أنهم يعيشون على الزراعة وإذا انهارت الزراعة انهار كل شيء، على حد وصفه.
ويتوقف الأسطل، عند مقارنة مؤلمة بين ما قبل الحرب وما بعدها، حين كانت المواد الزراعية متوفرة، ويمكن للمزارع التخطيط للموسم بثقة، ويقول: “زرعت الخضار لسنوات في مواصي خانيونس، سابقًا كانت الأشتال والمواد اللازمة للزراعة موجودة ومتوفرة، أما اليوم فلا شيء متوفر، زرعت في إحدى المرات دونما ونصف الدونم بالباذنجان، واكتشفت في النهاية أن البذور مغشوشة، ومصدرها الأردن".
وعن أسعار الأشتال يقول الأسطل، إن سعر شتلة الخضار ارتفع من 3 أغورات إلى 6 شواقل للشتلة الواحدة، وكيس المبيد قفز ثمنه من 100 شيقل إلى 3000 شيقل هذا إن وُجد وتوفر، ومعظم الموجود في السوق مضروب ومغشوش، والمزارع هو الخاسر دائمًا، وفقا للأسطل.
من مزارع كبير إلى نازح بلا أرض
قصة الأسطل ليست بعيدة عن قصص مئات المزارعين في غزة، حيث يجلس المزراع ناصر سمور (55 عامًا) قرب خيمته في مواصي خانيونس، يتكئ على ذاكرةٍ زراعيةٍ كانت يومًا مصدر فخره، وأصبحت اليوم جرحًا مفتوحًا له، كان ناصر يمتلك أكثر من 80 دونمًا من الأراضي الزراعية، تضم مختلف المزروعات الصيفية والشتوية، في مناطق شرق خانيونس والقرارة.
يقول المزارع سمور لـ"صحيفة الحدث": كنت مزارعا كبيرا، أزرع كل شيء، أما اليوم كل الأراضي تدمرت، وكل الممتلكات ذهبت، لم يتبقَّ من تلك المساحات سوى الذكريات، بعدما أصبحت خلف ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، مناطق محظورة بفعل القضم الإسرائيلي والتجريف.
ويضيف سمور أن الاحتلال يستولي على الأراضي التي يستخدمها للزراعة، وكلها صارت خلف الخط الأصفر.
ويعيل ناصر 25 فردًا من أسرته، وكان يعتمد اعتمادًا كاملًا على الزراعة أما اليوم فلا مصدر دخل، ولا أرض، وتحول من مزارع كبير إلى لاجئ بلا أرض. ويقول: نحن ننتظر فرصة يقولون لنا فيها إن هناك إعمار وإصلاح أراض، لكي نعود كما كنا من قبل.
خسارته لم تقتصر على الأرض، بل فقد خلال الحرب اثنين من أشقائه وعدد من أقاربه، ليجتمع الفقد الإنساني مع الفقد الاقتصادي، ويقول: أصبحنا نازحين غير منتجين. بينما ي طالب ناصر باسم شريحة واسعة من المزارعين، بجهود حقيقية لدعم المزارع الفلسطيني، لا على مستوى الشعارات، بل عبر خطط تمكين حقيقية.
ويتابع: كنا نزرع السبانخ، الفجل، الكوسا، الباذنجان، البقدونس، الجرجير، البندورة والكثير من المحاصيل الزراعية، لم يكن لنا مصدر دخل سوى الزراعة. واليوم، يجلس ناصر في خيمة، بعد أن دُمّر بيته وأرضه في حرب الإبادة الإسرائيلية، بلا أدوات عمل، ولا إمكانية عودة، ويؤكد: نحتاج لأي مصدر رزق لنلبّي احتياجات الأسرة.
أما المزارع عماد أبو خاطر، من منطقة معن شرق خانيونس جنوب القطاع، يقول إنه فقد كل ما يملك بعد سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على المناطق الشرقية، ما اضطره للنزوح إلى مواصي خانيونس تاركًا خلفه أرضه وممتلكاته الزراعية التي كانت تشكّل مصدر الدخل الوحيد لعائلته.
ويضيف أبو خاطر في لقاء مع "صحيفة الحدث، أنه ورغم الخسارة الكبيرة، اضطر إلى استئجار قطعة أرض في محاولة للإبقاء على حدٍّ أدنى من الدخل، ومواصلة العمل في الزراعة كخيار وحيد للصمود في ظل الظروف القاسية التي فرضتها الحرب.
ويتحدث أبو خاطر عن اعتماده على إنتاج البذور محليًا من المحصول الذي يقوم بزراعته، في ظل صعوبة إدخال البذور المستوردة وارتفاع أسعارها، مشيرًا إلى أن هذه البذور المحلية، رغم أهميتها، إلا أن إنتاجيتها أقل مقارنة بالبذور المستوردة، ما ينعكس سلبًا على كمية وجودة المحصول.
وكشف أبو خاطر أن وزارة الزراعة تقدّم دعمًا للمزارعين، لكنه وصف شروطها بـ"التعجيزية"، حيث يتم تقديم الدعم عبر جمعيات زراعية وبمعايير محددة، أبرزها تحديد مساحة الأرض الزراعية، إضافة إلى ربط الاستفادة من الدعم بـعمر المزارع، الأمر الذي يحرم شريحة واسعة من المزارعين المتضررين من الوصول إلى هذا الدعم في وقت هم بأمسّ الحاجة إليه.
وقبل الحرب، شكّلت الأراضي الزراعية في قطاع غزة ركيزة أساسية للأمن الغذائي المحلي، إذ ساهمت في توفير نسبة معتبرة من الخضار الطازجة للسوق، ووفّرت فرص عمل لآلاف الأسر، خصوصًا في المناطق الشرقية وخانيونس ورفح.
لكن الحرب الأخيرة غيّرت المشهد بالكامل، فقد تعرّضت مساحات واسعة من الأراضي للتجريف، أو تحوّلت إلى مناطق عسكرية مغلقة، فيما تضرّرت شبكات الري، والآبار، والمخازن، والبيوت البلاستيكية، كما أدّى الحصار ومنع إدخال المستلزمات الزراعية إلى شللٍ شبه كامل في القدرة على الإنتاج.
أثر الدمار على السوق المحلي
انعكس هذا الانهيار الزراعي مباشرة على السوق المحلي، حيث ارتفعت أسعار الخضار بشكل غير مسبوق، وتراجعت الجودة، وازداد الاعتماد على كميات محدودة يوفّرها مزارعون ما زالوا يقاومون، وهؤلاء أصبحوا خط الدفاع الأخير عن بقاء الخضار على موائد الفلسطينيين في غة، رغم الخسارة، ورغم المخاطر.
في المقابل، تحوّل آلاف المزارعين إلى نازحين أو عاطلين عن العمل، ما عمّق الأزمة الاقتصادية، وزاد من معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، في الوقت الذي تحولت فيه الزراعة إلى معركة بقاء، مزارعون يعملون وسط الدمار، بأسعار خيالية، وبذور مغشوشة، ومبيدات نادرة، فقط لأن ترك الأرض يعني الاستسلام الكامل.
ووفق بيانات لمكتب الإعلام الحكومي، أعلن عنها في ديسمبر 2025؛ أدت حرب الإبادة إلى تدمير أكثر من 80% من الأراضي الزراعية، من أصل 178 ألف دونم، كما تم تدمير 1000 بئر زراعي و500 مزرعة أبقار وأغنام ودواجن.
فيما تراجعت المساحات المزروعة بالخضروات من 93,000 دونم إلى 4,000 دونم، وذلك لاحقا لتدمير 60% من الدفيئات الزراعية، وتضرر 100% من قطاع الصيد البحري.
كما بلغت الخسائر الاقتصادية الأولية المباشرة، في 15 قطاعاً حيوياً؛ أكثر من 33 مليار دولار أمريكي خلال عام 2025 وحده. فيما بلغ إجمالي الخسائر حتى أكتوبر 2025 عن فترة حرب الإبادة التي استمرت عامين إلى حين توقيع الاتفاق، (70) مليار دولار.
أما ما يتعلق بخسائر الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية، على امتداد فترة حرب الإبادة؛ دمر الاحتلال (+94%) من الأراضي الزراعية من أصل (178,000) دونم، ودمر (1,223) بئراً زراعية وأخرجها من الخدمة، كما دمر (665) مزرعة أبقار وأغنام ودواجن.
ووفق بيانات رسمية لمكتب الإعلام الحكومي، فإن (+93,000) دونم من الأراضي المزروعة بالخضروات تقلصت إلى (4,000)، و(+85%) من الدفيئات الزراعية تعرضت للتدمير في محافظات قطاع غزة، وتراجع الإنتاج السنوي من الخضروات من (405,000) طن إلى (28,000) طن فقط.
المصدر:
الحدث