آخر الأخبار

قصة المرابط خير الدين شيمي: إبعاد وتنكيل على أبواب الأقصى

شارك

يقف المرابط الفلسطيني السبعيني خير الدين شيمي، المعروف بلقب 'أبو بكر شيمي'، على بعد خطوات قليلة من المسجد الأقصى المبارك، لكنه محروم من دخوله بفعل سياسة الإبعاد القسري التي تفرضها سلطات الاحتلال. وتحول شهر رمضان بالنسبة لشيمي من موسم للعبادة والطمأنينة إلى رحلة شاقة من الحنين والوقوف على الأبواب، يراقب المصلين بلهفة ويحملهم سلامه لجنبات المسجد الذي ارتبط به وجدانياً.

على مدار 15 عاماً من الرباط المتواصل، ذاق شيمي ويلات الملاحقة والاعتقال، حيث يعتبر أن ميلاده الحقيقي بدأ في عام 2011 حين قرر تكريس حياته للأقصى. ورغم أنه ينحدر من قرية المكر قضاء عكا، إلا أنه اختار الانتقال للعيش في القدس المحتلة ليكون قريباً من القبلة الأولى، مقتدياً بالصحابة الكرام الذين عاشوا ودفنوا في أكناف بيت المقدس.

تصاعدت وتيرة التنكيل بحق المسن الفلسطيني بشكل غير مسبوق منذ اندلاع العدوان على قطاع غزة في أكتوبر 2023، حيث بات هدفاً دائماً للاعتداء الجسدي من قبل جنود الاحتلال. ويروي شيمي بمرارة كيف يتم استهدافه بالضرب المبرح في أزقة البلدة القديمة، في محاولة لثنيه عن التواجد في المنطقة أو الوصول إلى الأبواب المؤدية للمسجد.

أفادت مصادر ميدانية بأن الاحتلال يسعى بشكل ممنهج لتعطيل وصول الرموز المقدسيين إلى البلدة القديمة عبر إصابات جسدية بليغة، وهو ما يشعر به شيمي الذي تعرض لإصابات بالغة أعجزته عن السير لفترات. ورغم تعرضه لإطلاق النار المباشر ثلاث مرات في ساحات الأقصى وإصابته بجروح خمس مرات سابقة، إلا أنه يصر على البقاء وعدم العودة إلى مسقط رأسه في عكا.

في اليوم الثالث من شهر رمضان الجاري، تعرض أبو بكر لاعتقال عنيف واعتداء جسدي أثناء محاولته الوصول لأداء صلاتي العشاء والتراويح قرب باب الأسباط. وقد أجبره الجنود على مغادرة المنطقة بالقوة، مستخدمين العنف المفرط تجاه شيبته وعكازه الذي يتكئ عليه، في مشهد يتكرر يومياً مع المرابطين المبعدين عن المسجد.

بسبب المنع الأمني المشدد عند بابي العمود والأسباط، يضطر شيمي للبحث عن طرق بديلة للوصول إلى أقرب نقطة ممكنة من السور الشرقي للمسجد الأقصى. وينجح في بعض الأحيان بالوصول إلى منطقة باب الساهرة، حيث يحاول أداء صلواته هناك رغم الملاحقة المستمرة من قبل دوريات الشرطة التابعة للاحتلال التي تمنع التجمعات.

يقضي المرابط السبعيني ثامن رمضان له وهو مبعد قسراً عن الصلاة داخل المسجد، ورغم انتهاء مدة إبعاده الرسمية منذ عام ونصف، إلا أن شرطة الاحتلال تمنعه 'شفهياً' من الدخول. ويؤكد شيمي أن نصف مدة رباطه التي بدأت قبل عقد ونصف قضاها خارج الأسوار، لكنه يشعر بالرضا لاحتسابه هذا الصبر في سبيل الدفاع عن المقدسات.

أقصى أمنياتي أن أُدفن بجوار المسجد الأقصى، وقد قررت أن حياتي يجب أن تنتهي هنا ولن أعود إلى عكا.

يستذكر شيمي بحزن الزوايا التي يحبها داخل الأقصى، واصفاً المسجد بأنه 'روح تسري في عروقه'، ويخص بالذكر مصلى الأقصى القديم الذي يعشق الصلاة فيه. ويضيف أن الحرمان لا يقتصر على الصلاة فقط، بل يمتد لمنعه من ممارسة مبادراته الفردية في إفطار الصائمين التي كان يحرص عليها سنوياً عند طريق المجاهدين.

أشارت مصادر إلى أن قوات الاحتلال تلاحق حتى المبعدين الذين يحاولون تناول إفطارهم على عتبات الأقصى، حيث مُنع شيمي وزوجته هذا العام من توزيع الطعام أو الجلوس للإفطار قرب الأبواب. هذا التضييق دفع المرابطين المبعدين للبحث عن أماكن بديلة للصلاة، حتى لو كانت بين القبور في مقبرة باب الرحمة الإسلامية الملاصقة للسور.

يقول شيمي إن الصلاة في المقبرة، رغم كراهتها الفقهية في الظروف العادية، أصبحت ضرورة لسماع صوت إمام المسجد الأقصى والشعور بالقرب من رحابه. ويؤكد أن الله مطلع على نياتهم وحالهم الذي وصلوا إليه بفعل القمع الإسرائيلي الذي لا يراعي حرمة المكان ولا كبر سن المرابطين والمرابطات.

يتشارك شيمي معاناة الإبعاد مع رفيقيه نظام أبو رموز والمسنة نفيسة خويص، حيث يشكلون معاً مثلثاً للصمود على أبواب القدس القديمة. ويوجه شيمي دعوة لآلاف المبعدين بضرورة التعاضد والتماسك أمام الأبواب، مؤكداً أن الثبات الجماعي يربك حسابات الاحتلال ويمنعه من الاستفراد بالمرابطين والتنكيل بهم.

رغم الشيب الذي غزا رأسه ولحيته، لا يزال الأمل يملأ قلب 'أبو بكر'، حيث يرفع دعواته في رمضان بأن يفرج الله الكرب عن الأمة الإسلامية وعن أهالي قطاع غزة. ويرى أن المحن التي تمر بها القضية الفلسطينية حالياً هي اختبار للصبر، متفائلاً بأن الفرج قريب كما حدث في أزمات تاريخية كبرى مرت بها الأمة.

تظهر معطيات محافظة القدس أن سياسة الإبعاد الممنهج طالت مئات الفلسطينيين من سكان القدس والداخل المحتل منذ بداية شهر رمضان المبارك. وتستخدم سلطات الاحتلال هذه القرارات كأداة لتفريغ المسجد الأقصى وتأمين اقتحامات المستوطنين، خاصة في الأوقات التي تشهد ذروة التواجد الإسلامي في المسجد.

يبقى خير الدين شيمي نموذجاً للمقدسي الذي رفض المساومة على حقه في الوصول لمقدساته، محولاً عكازه إلى رمز للصمود في وجه آلة الحرب الإسرائيلية. ومع كل اعتداء جديد، يزداد إصراره على البقاء مرابطاً عند الأبواب، مؤكداً أن جسده قد يُمنع من الدخول، لكن روحه ستبقى معلقة بقبة الصخرة ومآذن الأقصى.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا