اعتبرت الكاتبة التونسية سمية الغنوشي أن التصريحات الأخيرة للسفير الأمريكي لدى تل أبيب، مايك هاكابي، خلال حواره مع الإعلامي تاكر كارلسون، لا تمثل مجرد تباين في وجهات النظر السياسية. بل رأت فيها محاولة ممنهجة لتحريف الوقائع التاريخية وتقديم رؤية أيديولوجية متطرفة لمكانة الاحتلال في الشرق الأوسط ودور واشنطن في تمكينها.
وأوضحت الغنوشي في مقالها المنشور بموقع 'ميدل إيست آي' أن هاكابي حاول ترويج صورة مضللة عن 'ازدهار' المسيحيين تحت سلطة الاحتلال، مستشهداً بأرقام مجردة من سياقها التاريخي. وأكدت أن هذه الادعاءات تتجاهل واقع النكبة التي تسببت في تهجير نحو 90 ألف مسيحي فلسطيني من ديارهم عام 1948.
وبينت الكاتبة أن الأرقام الحقيقية تشير إلى تراجع حاد في الوجود المسيحي، خاصة في مدينة القدس التي كان المسيحيون يشكلون خمس سكانها عام 1946. وبحلول عام 2006، انخفضت هذه النسبة إلى 2% فقط، مما يدحض مزاعم الازدهار ويؤكد أثر السياسات القومية المتشددة.
ولم يقتصر تزييف السفير الأمريكي على الجانب الديموغرافي، بل امتد ليشمل محطات تاريخية مفصلية مثل وعد بلفور وحرب عام 1956. فقد ادعى هاكابي أن العرب هم من بدأوا 'عدوان السويس'، بينما تؤكد الوثائق التاريخية أن إسرائيل هي التي بادرت بالهجوم بالتنسيق مع القوى الاستعمارية.
وأشارت الغنوشي إلى أن هاكابي ذهب بعيداً في تبرير الجرائم المرتكبة في قطاع غزة، زاعماً أن جيش الاحتلال هو الأكثر 'ضبطاً للنفس' في التاريخ. وتأتي هذه الادعاءات في وقت توثق فيه التقارير الدولية استخدام كثافة نيرانية في غزة تتجاوز ما استُخدم في حرب فيتنام بـ18 ضعفاً.
وترى الكاتبة أن خطورة خطاب هاكابي تكمن في استناده إلى 'الصهيونية المسيحية' التي تمنح الشرعية للاحتلال بناءً على 'عهود توراتية' وليس على القانون الدولي. هذه الرؤية تلغي وجود الشعب الفلسطيني وتعتبرهم مجرد عقبات في طريق مشروع 'إسرائيل الكبرى'.
وشددت الغنوشي على أن تحويل الكتب المقدسة إلى 'سجلات عقارية' لامتلاك الأراضي يمثل تهديداً وجودياً للاستقرار الإقليمي والدولي. فدمج اليقين اللاهوتي مع التفوق العسكري يؤدي حتماً إلى صراعات دموية لا تنتهي وتشريد الملايين من البشر في المنطقة.
وانتقدت الكاتبة الموقف الرسمي الأمريكي الذي وصف تصريحات السفير بأنها 'اقتطعت من سياقها' بدلاً من إدانتها بشكل واضح. واعتبرت هذا الرد الباهت مؤشراً على تغلغل الفكر الإنجيلي المتطرف في مفاصل السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية.
كما لفتت إلى أن الصهيونية السياسية، التي نشأت في أوروبا، تحاول اليوم احتكار الثقافة المحلية عبر روابط أسطورية لتبرير الاستيطان. وتناست هذه السردية أن فلسطين كانت دائماً أرضاً مأهولة بشعوب سامية من مختلف الأديان تعايشوا فيها لآلاف السنين.
وحذرت الغنوشي من أن طموحات 'إسرائيل الكبرى' التي يروج لها هاكابي وحلفاؤه قد تمتد لتشمل أراضٍ في دول عربية مجاورة. هذا المشروع التوسعي لن يجلب الأمن للاحتلال، بل سيؤدي إلى زعزعة استقرار القارة الأوروبية والعالم نتيجة موجات التهجير القسري.
وفي سياق موازٍ، ربطت الكاتبة بين هذا الخطاب الديني المتطرف وبين الاستراتيجية العسكرية الرامية لتغيير وجه الشرق الأوسط بالقوة. فما فشلت 'اتفاقات أبراهام' في تحقيقه دبلوماسياً، تحاول حكومة نتنياهو الآن فرضه عبر آلة الحرب والدمار في غزة ولبنان.
وأكدت أن المواجهة الوشيكة مع القوى الإقليمية، وعلى رأسها إيران، تأتي في إطار السعي لإزالة أي عائق أمام الهيمنة العسكرية الإسرائيلية المطلقة. فإزاحة مراكز الثقل الإقليمية هي الخطوة الضرورية لتنفيذ المخططات التوسعية التي يبشر بها السفير الأمريكي.
وخلصت الغنوشي إلى أن مقابلة هاكابي كشفت عن مشروع إقليمي متكامل يتجاوز حدود فلسطين ليشمل إعادة صياغة المنطقة بأكملها. وعندما يصبح التوسع 'قدراً محتوماً' مدعوماً من قوة عظمى، فإن المجتمع الدولي يواجه تحدياً أخلاقياً وقانونياً غير مسبوق.
ختاماً، دعت الكاتبة إلى ضرورة الوعي بخطورة دمج اللاهوت بالسياسة الاستراتيجية، مؤكدة أن الحقوق الفلسطينية لا يمكن محوها بتصورات مجردة. فالفلسطينيون، بوجودهم التاريخي الدائم، يظلون الحقيقة الراسخة التي لا يمكن للرؤى الصهيونية المسيحية تجاوزها مهما بلغت قوتها العسكرية.
المصدر:
القدس