منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في قطاع غزة في الخامس والعشرين من يناير 2025، اتسم المشهد ببعدين متناقضين تماماً. تمثل البعد الأول في المسار الدبلوماسي الذي توج بمؤتمر شرم الشيخ الدولي برئاسة دونالد ترامب، والذي حاول تسويقه كإنجاز تاريخي ينهي حرب الإبادة ويؤسس لمرحلة جديدة من تبادل الأسرى.
أما البعد الثاني والأكثر خطورة، فهو انتقال الاحتلال الإسرائيلي إلى استراتيجية 'نصف الحرب'. حيث يواصل بنيامين نتنياهو ممارسة القصف اليومي الممنهج والتحكم الصارم في تدفق المساعدات الإنسانية، مما يبقي القطاع تحت وطأة النيران والمجاعة والحرمان من أبسط مقومات الحياة الطبية والإغاثية.
تتجلى قسوة هذا الواقع في معاناة النازحين الذين يواجهون المنخفضات الجوية والسيول في خيام متهالكة، بينما تمنع سلطات الاحتلال دخول المستلزمات الضرورية. هذا الوضع يفرغ اتفاق وقف إطلاق النار من مضمونه، ويحوله إلى أداة لاستمرار المعاناة الإنسانية بدلاً من إنقاذ المدنيين.
وفيما يخص معبر رفح، فقد تحول فتحه إلى جزء من عملية 'نصف الحرب' المستمرة، حيث يفرض نتنياهو شروطاً تعجيزية للمغادرة والعودة. فالمعبر الذي يُفترض أنه شريان حياة، بات أشبه بالسجن الذي لا يسمح إلا بمرور أعداد ضئيلة جداً من الجرحى والمرضى وفق معايير أمنية قاسية.
تفيد مصادر ميدانية بأن عدد المغادرين لا يتجاوز 150 مريضاً مع مرافقيهم، في حين لا يُسمح إلا لـ 50 شخصاً بالعودة يومياً. هؤلاء العائدون يتعرضون لعمليات تحقيق وتعذيب وإذلال ممنهج، مما يجعل من ادعاءات ترامب حول تحقيق السلام مجرد أوهام إعلامية لا رصيد لها على أرض الواقع.
إن تشكيل ما يسمى بـ 'مجلس السلام العالمي' برئاسة ترامب وعضوية شخصيات مثل نيكولاي ملادينوف وطوني بلير، لم يغير من الواقع شيئاً. فهذه الهيئات التي توصف بالانحياز الكامل للاحتلال، لا تزال تنتظر إذناً من نتنياهو لممارسة أي دور فعلي داخل الأراضي الفلسطينية.
من الخطأ الفادح تقدير الموقف في غزة بمعزل عن حقيقة أن المقاومة لا تزال تمسك بزمام المبادرة وسلاحها في الميدان. فالسيطرة الأمنية للمقاومة في مناطقها تؤكد أن أي حديث عن مستقبل غزة دون أخذ هذا الثابت في الاعتبار هو ضرب من الخيال السياسي.
هذا التقدير الخاطئ للوضع في غزة ينسحب أيضاً على القراءة القاصرة لما يحدث في الضفة الغربية المحتلة. فالضفة تعيش حالة من الغليان المكتوم الذي ينذر بتفجر أشكال متعددة من المقاومة التي خبرها الاحتلال على مدار العقود الماضية منذ معركة مخيم جنين.
إن احتمالات عودة العمليات الفردية، أو ما يعرف بـ 'الذئاب المنفردة'، تظل قائمة وبقوة في ظل تصاعد وتيرة الاستيطان والضم. التجارب السابقة أثبتت أن الضغط الممارس على الفلسطينيين في الضفة يولد انفجارات لا يمكن التنبؤ بتوقيتها أو حجم تأثيرها على أمن الاحتلال.
بروز ظاهرة الكتائب المسلحة مثل 'عرين الأسود' و'كتيبة جنين' يعكس تحولاً نوعياً في بنية المقاومة بالضفة الغربية. هذه التشكيلات أصبحت تمثل تحدياً حقيقياً لسياسات التوسع الإسرائيلي، وهي مرشحة للتمدد في ظل استمرار الانتهاكات في القدس والمسجد الأقصى.
من العبث المراهنة على أن الضفة الغربية ستقف مكتوفة الأيدي أمام محاولات ضم الأراضي أو تدنيس المقدسات الإسلامية في الخليل والقدس. فالتاريخ القريب يؤكد أن الانتفاضات الشعبية والمقاومة المسلحة هي الرد الطبيعي على سياسات التهويد والتهجير القسري.
على الصعيد الإقليمي، لا تزال المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران في أوج احتدامها، سواء وقعت الحرب المباشرة أم لم تقع. هذا الصراع يلقي بظلاله على كافة الملفات في المنطقة، ويجعل من استقرار المشاريع الأمريكية-الصهيونية أمراً مشكوكاً في تحقيقه على المدى المنظور.
في الختام، فإن الرهان على فرض سيطرة مطلقة للاحتلال بدعم أمريكي سيبوء بالفشل ابتداءً من غزة وصولاً إلى لبنان وإيران. إن الحقائق الميدانية وصمود المقاومة في مختلف الجبهات تشير إلى أن المستقبل لن يكون وفق المخططات التي تُرسم في الغرف المغلقة بعيداً عن إرادة الشعوب.
المصدر:
القدس