شنّ عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة المغربية الأسبق، هجوماً حاداً على تصريحات وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة المتعلقة بإطلاق برنامج لـ 'مكافحة خطاب الكراهية' في قطاع غزة. واعتبر ابن كيران في كلمة بثها عبر منصات التواصل الاجتماعي أن هذه المقاربة غير مقبولة تماماً، مشيراً إلى أن الوزير أخطأ في تقدير الواقع الميداني والسياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وجاءت هذه الانتقادات على خلفية مشاركة بوريطة في الاجتماع الافتتاحي لما يُعرف بـ 'مجلس السلام' الذي عُقد في الولايات المتحدة الأمريكية بحضور الرئيس دونالد ترامب. حيث طرح الوزير المغربي رؤية بلاده للإسهام في نشر قيم التسامح داخل القطاع، وهو ما رآه ابن كيران قفزاً على حقيقة المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون منذ عقود تحت وطأة الاحتلال.
وشدد ابن كيران في حديثه على أن فلسطين أرض تعرضت للاغتصاب منذ عام 1948، وأن الشعب الفلسطيني واجه نكبات متتالية بسبب العدوان الإسرائيلي المستمر. وأوضح أن محاولة فرض برامج لمكافحة الكراهية في ظل الحصار والدمار واستهداف المدنيين تبدو وكأنها محاولة لإقناع الضحية بعدم اعتبار الجلاد عدواً، وهو أمر يتنافى مع المنطق والواقع.
وفي سياق دفاعه عن المقاومة، أكد زعيم 'العدالة والتنمية' أن حركة حماس هي حركة تحرر وطني وأبعد ما تكون عن تهم الإرهاب التي يحاول البعض إلصاقها بها. ورفض ما اعتبره تحريضاً ضمنياً ضد السردية الفلسطينية، مؤكداً أن القضية تتعلق بحقوق شعب تاريخية في أرضه، وليست مجرد صراع مع فصيل سياسي يمكن تجاوزه عبر برامج توعوية.
كما وجه ابن كيران رسالة إلى الدول العربية والإسلامية المشاركة في 'مجلس السلام'، داعياً إياهم إلى ممارسة ضغوط حقيقية على الإدارة الأمريكية لتمكين الفلسطينيين من حقوقهم المشروعة. وأشار إلى أن السلام الحقيقي في الشرق الأوسط لن يتحقق إلا إذا استغلت واشنطن قوتها لفرض العدل وإعادة الحقوق لأصحابها، بدلاً من الاستماع لوجهة نظر واحدة تخدم مصالح الاحتلال.
وبخصوص الموقف من التطبيع، جدد ابن كيران رفض حزبه القاطع لأي علاقات مع إسرائيل، مذكراً بالمعارضة التي أبداها الحزب للاتفاقات السابقة. ومع ذلك، أوضح أن الحزب يحترم الصلاحيات الدستورية للملك محمد السادس في إدارة الملفات السيادية والخارجية، مؤكداً أن إبداء الرأي السياسي لا يتعارض مع احترام مؤسسات الدولة.
من جانبه، كان ناصر بوريطة قد كشف عن حزمة التزامات مغربية وصفت بالعملية لدعم الاستقرار في غزة، شملت مساهمات مالية هي الأولى من نوعها للمجلس الدولي الجديد. وأكد بوريطة أن المغرب يسعى للانتقال من مربع الدعم السياسي التقليدي إلى الانخراط الميداني الذي يخدم مسارات التهدئة وإعادة الإعمار في المرحلة المقبلة.
وتضمنت الالتزامات المغربية التي أعلنها الوزير استعداد الرباط لنشر عناصر من الشرطة المغربية لتولي مهام تدريب القوات المحلية في قطاع غزة. وتهدف هذه الخطوة، بحسب الرؤية الرسمية، إلى تعزيز القدرات المؤسساتية الفلسطينية وحفظ النظام العام في مرحلة ما بعد الحرب، بما يضمن استقراراً مستداماً للسكان.
علاوة على ذلك، أعلن بوريطة عن جاهزية ضباط مغاربة للانضمام إلى قوة استقرار دولية في حال تم تفعيلها بقرار أممي أو دولي، لضمان الأمن في المناطق المتضررة. وتأتي هذه المبادرة في إطار سعي المغرب ليكون جزءاً فاعلاً في أي آلية دولية تهدف إلى منع تجدد الصراع وتوفير بيئة آمنة للمدنيين.
وعلى الصعيد الإنساني، تعهدت المملكة بإقامة مستشفى ميداني متكامل داخل قطاع غزة لتقديم الرعاية الطبية العاجلة للجرحى والمرضى. ويأتي هذا الالتزام امتداداً لسلسلة من المبادرات الإنسانية المغربية السابقة التي استهدفت تخفيف المعاناة عن الفلسطينيين في ظل النقص الحاد في المستلزمات الطبية والخدمات الصحية.
أما البرنامج الذي أثار الجدل، فيتعلق بالجانب الفكري والثقافي، حيث يهدف إلى معالجة ما وصفه الوزير بالجذور الفكرية للتوتر عبر تعزيز قيم التعايش. ويرى الجانب الرسمي المغربي أن السلام المستدام لا يمكن أن يقوم على الحلول الأمنية والإنسانية وحدها، بل يتطلب عملاً تربوياً وثقافياً يواجه خطاب التطرف من كافة الأطراف.
وتعكس هذه التحركات الدبلوماسية المغربية رغبة في لعب دور محوري في 'خطة السلام' التي ترعاها واشنطن، من خلال الجمع بين الدعم الميداني والسياسي. إلا أن هذه المقاربة تواجه تحديات داخلية كبيرة، حيث يرى تيار واسع من الرأي العام المغربي، يمثله ابن كيران أن الأولوية يجب أن تكون لوقف العدوان أولاً.
واختتم ابن كيران انتقاداته بالتأكيد على أن أي خطة سلام لا تضمن استعادة الحقوق الفلسطينية كاملة ستظل حبراً على ورق ولن تجد لها صدى في الشارع الفلسطيني. واعتبر أن الرهان على تغيير القناعات الشعبية تحت القصف هو رهان خاسر، داعياً الدبلوماسية المغربية إلى مزيد من الوضوح في الانحياز للحقوق التاريخية.
في المقابل، تصر المصادر الرسمية على أن الانخراط المغربي في 'مجلس السلام' هو وسيلة لضمان وجود صوت عربي فاعل داخل مراكز صنع القرار الدولي. وتؤكد هذه المصادر أن المساهمة في حفظ الأمن وإعادة الإعمار هي خطوات ضرورية لحماية المدنيين الفلسطينيين وتثبيت وجودهم على أرضهم في مواجهة مشاريع التهجير.
المصدر:
القدس