آخر الأخبار

صلاة التراويح في غزة: تحدي الرصاص والركام في بيت لاهيا

شارك

بخطى مثقلة بين أكوام الركام والمنازل المحطمة في حي العطاطرة ببلدة بيت لاهيا، يشق الشيخ يوسف العطار طريقه يومياً لإمامة المصلين في صلاتي العشاء والتراويح. يستعين الشيخ بضوء هاتفه المحمول لتبديد العتمة الشاملة التي تفرضها ظروف الحرب وانقطاع الكهرباء عن المنطقة الشمالية لقطاع غزة.

على بُعد مئات الأمتار فقط من مواقع جيش الاحتلال عند 'الخط الأصفر'، أقام السكان مصلى بديلاً متواضعاً ليكون عوضاً عن المساجد التي سويت بالأرض. يمثل هذا المكان الصغير نقطة تجمع وحيدة لمن تبقى من أهالي الحي الذين يصرون على إحياء شعائرهم رغم الخطر المحدق.

تفيد مصادر ميدانية بأن الوصول إلى هذا المصلى يتطلب من المصلين السير لمسافة تصل إلى 3 كيلومترات وسط دمار هائل جعل الطرق غير صالحة للمركبات. يضطر القادمون للمشي بين أنقاض المنازل للوصول إلى الخيام المقامة من الحديد والنايلون المستخدم في الدفيئات الزراعية.

تبدو المواقع العسكرية الإسرائيلية واضحة للعيان من مكان المصلى، حيث تسطع بالإنارة القوية بينما يغرق حي العطاطرة في ظلام دامس. يحاول السكان التأقلم مع هذا الواقع المرير، حيث يكسر هدوء الليل صوت الرصاص وهدير الآليات العسكرية التي لا تتوقف عن التحرك.

يروي الشيخ العطار، البالغ من العمر 69 عاماً، كيف تحول الحي الذي كان يضم ثلاثة مساجد كبرى تتسع لألفي مصلٍ إلى منطقة تفتقر لأدنى مقومات الحياة. المصلى الحالي الذي أنشئ قبل نحو شهر لا يتسع لأكثر من 50 شخصاً، وقد أقيم بجهود ذاتية بعد إزالة الركام يدوياً.

تزداد المخاطر مع دخول ساعات المساء، حيث يتعمد جنود الاحتلال استهداف أي تجمع بشري في المنطقة القريبة من الحدود. وفي إحدى الحوادث، اضطر المصلون لقطع صلاة المغرب والهرب للاختباء خلف سواتر ترابية بعد تعرضهم لإطلاق نار مباشر، بينما بقي الإمام منبطحاً حتى توقف الرصاص.

عند موعد الأذان، يضطر المؤذن عبد الله يوسف لاعتلاء كومة مرتفعة من الركام ليصدح بصوته عالياً في أرجاء الحي المدمر. يفتقر المصلى لأي أجهزة صوت أو سماعات خارجية، مما يجعل صوت المؤذن المجرد هو الوسيلة الوحيدة لإعلام السكان ببدء وقت الصلاة.

اضطررنا لترك الصلاة والاختباء خلف السواتر بعدما تعمد جنود الاحتلال إطلاق النار تجاهنا مباشرة أثناء صلاة المغرب.

يعاني المصلون من فقدان أبسط المستلزمات الدينية، حيث يشتكي المؤذن من عدم توفر المصاحف الورقية داخل المصلى. وتؤكد المصادر أن سلطات الاحتلال تمنع إدخال المصاحف والكتب الدينية إلى قطاع غزة منذ بداية العدوان في السابع من أكتوبر 2023.

تمنع أجواء الخوف المستمرة الكثير من العائلات من الوصول إلى المصلى، حيث يفضل البعض الصلاة داخل خيامهم أو بقايا منازلهم. ويخشى الأهالي من الاستهداف العشوائي الذي يمارسه جيش الاحتلال على مدار الساعة تجاه كل ما يتحرك في المناطق المحاذية للسياج.

خلال أداء الصلاة، يضطر الإمام غالباً للتعجيل في القراءة واختيار قصار السور حفاظاً على حياة المصلين من أي استهداف مفاجئ. وقد سُمعت أصوات طلقات نارية قريبة خلال صلاة التراويح، مما خلق حالة من التوتر الشديد بين صفوف المصلين الذين اعتادوا هذا المشهد الروتيني.

يقول الشاب أنس، أحد المصلين في الحي إن وجودهم في هذه المنطقة رغم خطورتها هو رسالة صمود لتعزيز عودة الحياة تدريجياً. ويقارن بحسرة بين أجواء رمضان قبل الحرب، حيث كانت المساجد عامرة بالإمكانيات، وبين واقعهم الحالي تحت القصف والدمار.

بعد انتهاء الصلاة التي لا تستغرق أكثر من نصف ساعة، يعود المصلون في رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الطرق الوعرة إلى أماكن نزوحهم. يسود الصمت والترقب لحظات العودة، حيث يتربص الاحتلال بكل من يتحرك في هذه المناطق النائية التي تفصلها مسافات طويلة عن مركز المدينة.

لم تكن المخاوف مجرد هواجس، ففي ذات اليوم الذي رصدت فيه المصادر معاناة المصلين، قتلت قوات الاحتلال فلسطينيين اثنين في منطقة تل الذهب المجاورة. يتكرر هذا المشهد الدموي يومياً في كافة المناطق المحاذية للخط الأصفر الذي يطوق قطاع غزة من جهاته الثلاث.

تشير إحصائيات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية إلى أن الاحتلال دمر نحو 1160 مسجداً بشكل كلي أو جزئي منذ بدء الحرب. هذا الاستهداف الممنهج طال أكثر من 93% من مساجد القطاع، مما أدى إلى حرمان مئات الآلاف من ممارسة شعائرهم الدينية في أماكن مخصصة وآمنة.

القدس المصدر: القدس
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا