مقالات الحدث
يشير مصطلح التمويل عبر المتأخرات إلى آلية تمويل تلجأ إليها الحكومات عندما تعجز عن تغطية نفقاتها الجارية نقداً. ببساطة، يعني أن الدولة تلتزم بالإنفاق المطلوب لكنها تؤجل الدفع، فيتراكم على شكل رواتب غير مدفوعة بالكامل، أو مستحقات لموردين، أو تحويلات اجتماعية مؤجلة. هذه المتأخرات تعمل كـ "دين ضمني" أو تمويل غير معلن، حيث تتحمل الأطراف الأخرى - الموظفون والموردون- كلفة التمويل مؤقتاً، دون تسجيلها كدين رسمي.
في فلسطين، تتفاقم هذه الظاهرة بفعل القيود السياسية والمالية المفروضة على تدفق الإيرادات، وأبرزها احتجاز إسرائيل لإيرادات المقاصة نيابة عن السلطة الفلسطينية لمدة ثمانية أشهر متتالية. ووفق نشرة الاقتصاد الفلسطيني (كانون ثاني 2026 – معهد أبحاث السياسات الاقتصادية - ماس)، بلغت الإيرادات المحتجزة بعد الاقتطاعات 3.6 مليار شيكل إسرائيلي خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من 2025، ما يمثل زيادة بنسبة 34% مقارنة بالعام 2024، إضافة إلى5.8 مليار شيكل محتجزة خلال الفترة 2021–2024. في ظل غياب مصادر تمويل بديلة، اضطرت السلطة إلى الاعتماد على اقتراض إضافي من المصارف، دفع رواتب جزئية، ومراكمة المزيد من المتأخرات للموظفين والموردين.
تشير البيانات في نشرة الاقتصاد الفلسطيني كانون ثاني 2026 الصادرة عن معهد ماس؛ إلى أن رواتب الموظفين العموميين الشهرية بلغت نحو 690 مليون شيكل، أي نحو نصف إجمالي الإنفاق العام، وترتفع إلى أكثر من مليار شيكل عند إضافة المتقاعدين وأشباه الرواتب، بينما بلغت المتأخرات المتراكمة 15.1 مليار شيكل بحلول تشرين الثاني 2025، أي زيادة بنسبة 26% مقارنة بعام 2024، وزيادة حادة بنحو 180% منذ 2021، وهي غير مدرجة في أرقام الدين العام الرسمية. وفي الوقت نفسه، بلغ الاقتراض المصرفي 9.7 مليار شيكل، أي أن حجم الالتزامات الفعلية للسلطة أكبر بكثير من الرقم المعلن، ما يعكس أزمة سيولة عميقة وهشاشة مالية هيكلية.
التمويل عبر المتأخرات في هذا السياق له آثار متعددة. أولاً، تشويه صورة الدين العام، حيث تعطي الأرقام الرسمية انطباعاً أقل خطورة، بينما الالتزامات الحقيقية تفوقها بمرتين تقريباً. ثانياً، ضغط على الاقتصاد المحلي، إذ يؤدي تأخير المدفوعات إلى تقليص السيولة في السوق، ويضعف قدرة الشركات على الاستثمار والتوظيف، ويزيد من الركود، خصوصاً في اقتصاد يعاني بطالة مرتفعة وهشاشة سوق العمل. ثالثاً، تآكل الثقة الاجتماعية، فالرواتب الجزئية تؤثر على استقرار الأسر، وتضعف الطلب المحلي وتزيد حالة عدم اليقين.
إن التمويل عبر المتأخرات قد يكون أداة اضطرارية لتجنب الانهيار الفوري، لكنه ليس حلاً مستداماً. فهو لا يعالج جذور الأزمة المتمثلة في ضعف الإيرادات العامة، وغياب السيطرة على الموارد المالية، بل يؤجل المشكلة ويعيد توزيع كلفتها داخلياً بطريقة غير عادلة. الحل الحقيقي يتطلب تنويع مصادر الإيرادات، تقليل الاعتماد على المقاصة، وتعزيز الاستثمار الحكومي وخاصة الإنتاجي[1] الذي يولد دخل الدولة دون توسيع التوظيف البيروقراطي، وهذا يعني أيضاً التحرر من عقيدة اقتصاد السوق الحر.
في الحالة الفلسطينية، التمويل عبر المتأخرات ليس مجرد أرقام محاسبية، بل مؤشر على أزمة سيولة مزمنة تتحول تدريجياً إلى أزمة هيكل مالي إذا لم تُعالج جذورها. أي سياسات إصلاحية يجب أن تركز على زيادة المقام المالي المتاح، تحسين كفاءة الإنفاق، وتعزيز قدرة الدولة على إنتاج الإيرادات، بدل الاقتصار على التقليص الإنفاقي، لضمان استقرار مالي واقتصادي واجتماعي مستدام.
[1] كنت قد أشرت في مقال "حديث في الاقتصاد (2) هيكل الإنفاق العام في فلسطين بين عبء الرواتب وضيق الوعاء الإيرادي" عن نيتي كتابة مقال مخصص لفكرة الاستثمار الحكومي.